تحتل فيروز في معرض "أيقونات. من أم كلثوم الى داليدا" موقعاً معنوياً مميّزاً الى جانب "أم كلثوم" و"ووردة"، ولكنّها، بالمعطى العلمي لوظيفة المعارض، تنكفئ لبنانياً، لمصلحة حضور صباح الباهر.
من الواضح أن كلاً من إلودي بوفار وأنّا بوغانم منظمتي المعرض في "معهد العالم العربي" عجزتا عن الحصول على "آثار" شخصية لفيروز، على الرغم من أنّها الأيقونة العربية الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة، ولهذا فالزاوية المخصصة لفيروز في المعرض اقتصرت على "بوسترات" للمسرحيات التي لعبت فيها أدوار البطولة.
وإذا ما "فلسفنا" غياب اللمسات الشخصية لفيروز، فإنّ المعرض الباريسي، ومن دون أن يؤشّر إلى ذلك، عكس حقيقة "سفيرتنا الى النجوم" التي تنكفئ، عمداً، عن الظهور، تاركة للجماهير صوتاً بلا صورة، بلا حياة شخصية، بلا مواقف فنيّة أو سياسية أو اجتماعية.
قد تكون فيروز محقة في ذلك، فهي تكتفي بتقديم أثمن ما لديها لناسها، وهو صوتها الذي سحر ولا يزال الملايين.
في المقابل، فإنّ صباح، كما في حياتها كذلك في المعرض، حاضرة بقوة، من خلال احتلال أجمل "فساتين" استعراضاتها المسرحية مساحة كبيرة نسبياً.
وعلى الرغم من أن بعض "فساتين" أم كلثوم ووردة وهند رستم وداليدا حاضرة، إلّا أنّ "آثار" صباح هي الأغلى والأبهى.

وفي روحية هذا المعرض التي أسهبتُ في شرحها في المقال السابق، تترجم الملابس البُعد التحرّري للمرأة العربية التي خاضت نضالات فكرية وثقافية وسياسية وفنيّة، من أجل فك أسر جسدها وعقلها من سطوة الذكورية.
وهذا ما يعيدنا الى "أم كلثوم" ويدخلنا في عالم أسمهان ويجول بنا في الحياة الخاصة الصاخبة لوردة، حيث اقتحمت السياسة الفن، وحيث حرّرهنّ الفن من "ظلم التقاليد".
أم كلثوم وعبد الناصر
وتعتبر أم كلثوم رائدة في هذا المجال، فالفتاة الآتية من قرية صغيرة في دلتا النيل، أجبرها والدها على التنكر في ثياب ذكورية، حتى يسمح لها بأن تغنّي، ولكنّها مع بدء الحركة النسائية التحرّرية، وفي ضوء لقائها في العام 1924، وكانت قد بلغت الثانية والثلاثين من عمرها، بالشاعر أحمد رامي، خلعت الثياب التنكرية واعتلت المسرح بثياب أنثوية.

وانخرطت أم كلثوم في السياسة، مناصرة جمال عبد الناصر، وتحوّلت الى سفيرة القضية العربية، على امتداد العالم.
أسمهان والحلفاء
ولكنّ "المسار السعيد" الذي تمتّعت به أم كلثوم لم تحصل على مثله أسمهان التي كادت أن تكون منافستها الوحيدة.
الفاتنة أسمهان التي أتت الى القاهرة من جبل الدروز، وجدت نفسها في مواجهة شقيقها البكر فؤاد الذي أجبرها على الزواج من قريبها حسن الأطرش فاصطحبها الى جبل الدروز، الأمر الذي تسبّب لها بأزمات نفسية كبيرة، قبل أن تتمكّن من العودة الى القاهرة وفنّها.
وأسمهان أيضاَ اندمجت في السياسة، فهي اختارت، في الحرب العالمية الثانية، مناصرة "الحلفاء"، ولكنّها قضت في العام 1944، ولم تكن قد بلغت سنتها الحادية والثلاثين، في حادث سيارة لا تزال ظروفه محور تكهنات كثيرة.
وردة والثورة
وسيرة وردة الشخصية لا تقل إثارة عن سيرة أسمهان، وإن كانت نتيجتها غير مأساوية، فهي كانت في عامها السابع عشر عندما طُردت وعائلتها من فرنسا، بتهمة تخبئة أسلحة لمصلحة "جبهة التحرير الوطني" الجزائرية.
في بيروت حيث استقرّت، أكملت وردة الغناء، ودعمت قضية تحرير بلادها، بقوة، فنياً ومادياً.
ولكنّها، سرعان ما أوقفت مسيرتها الفنية، تحت ضغط الرجل الذي تزوّجته، وهو ضابط سابق في جيش التحرير الوطني الجزائري، وعاشت معه في الجزائر.

إلّا أنّها لم تخضع لقدرها، ففعلت كل ما أمكنها للعودة الى الفن، وقد أعانها الرئيس الجزائري هواري بومدين في ذلك، حتى تغنّي في الذكرى العاشرة لانتصار الثورة، الأمر الذي أدّى الى طلاقها.
"قومية" وردة لم تسمح بديمومة إعجاب الزعيم جمال عبد الناصر بها، فهو بعدما فرش لها السجاد الأحمر، عاد فمنعها من دخول القاهرة التي بقيت بعيدة عنها، حتى مجيء الرئيس أنور السادات.
ولم يترك المعرض الفنّانات الأخريات اللواتي صنعن "العصر الذهبي" بل أنشأ محطات لليلى مراد وسامية جمال وتحية كاريوكا وفاتن حمامة وسعاد حسني، وأنهى المشوار مع داليدا التي تقتصر مساهمتها في هذه المسيرة على أصلها.
أفول "العصر الذهبي"
وإذا كانت نهاية الحرب العالمية الأولى قد دشّنت "العصر الذهبي"، فإنّ أفوله كان في السبعينيات مع "النكسة" في حرب العام 1967، وموت جمال عبد الناصر، واندلاع الحرب في لبنان والصعود القوي للتيارات الإسلامية المتشدّدة.
ولكن المعرض بيّن أن أبناء الحاضر يستلهمون تجربة الماضي ولا يكتفون بالبكاء عليه، وفي هذا الإطار، عرض فيلما إيرانيا عن أم كلثوم، وعملاً فنياً جميلاً يظهر في تقنية الهيلوغرام كلاً من سامية جمال وتحية كاريوكا ترقصان على توزيع جديد لعدد من المقطوعات الموسيقية العريقة.
عند خروجك من مقر معهد العالم العربي في باريس، تجد نفسك، على أنغام طربية تتلاعب بكيانك، تتأمّل في مسيرة عربية مجيدة وأيقونات ملأن الزمن فرحاً، فتبتسم، ولكنّك سرعان ما تتذكّر ما وصلت اليه حالنا، بفعل "حرّاس الآلهة" وحروبهم وأطماعهم وأنانياتهم، فتكفهر.
كانت رائدات العالم العربي يبكين لنضحك نحن، فحلّ مكانهنّ من يبكينا ليضحك هو.
نبض