16-06-2021 | 17:31

"الحياة رواية" لغيوم ميسو: حين تتحوّل لعبة الغمّيضة لمأساة

"الحياة رواية" لغيوم ميسو: حين تتحوّل لعبة الغمّيضة لمأساة
Smaller Bigger

صدرت حديثًا الترجمة العربية لرواية "الحياة رواية" للكاتب والروائي الفرنسي غيوم ميسو، عن دار هاشيت أنطوان/نوفل.

وتضمّ الرواية، وفق الناشر، منعطفًا يصنع الحدث يمكن وصفه بـ"حين تتحوّل لعبة الغمّيضة إلى مأساة".

في السياق، اعتبرت الناقدة ساندرين باجوس من صحيفة Le Parisien أنّ "الحياة رواية" هي  "قصّة مكيافيلية مبهجة"، مضيفة "يوقّع غيوم ميسو هنا واحدة من رواياته الأكثر شخصية.  واحدة من الأفضل لديه".

وجاء في مطلع الرواية:

"ذات يوم من شهر نيسان/أبريل، اختفت ابنتي كاري البالغة من العمر ثلاث سنوات بينما كنّا نلعب الغمّيضة في شقّتي في بروكلين".

هكذا تبدأ قصّة فلورا كونواي، الروائية الشهيرة ذات الشخصية المتحفّظة. لا أحد يملك تفسيرًا لاختفاء الطفلة. باب الشقّة مُوصَد ونوافذها مغلقة، لم تسجّل الكاميرات في المبنى السكني القديم في نيويورك أيّ حركة غريبة. ولم يُظهر تحقيق الشرطة أيّ شيء.

في هذه الأثناء، عبر المحيط الأطلسي، يخفي كاتب مفطور القلب نفسه في منزل مهدّم.

هو وحده يحمل مفتاح اللغز. مصيراهما سيلتقيان.

بالنسبة إليها، كلّ شيء مكتوب،

بالنسبة إليه كلّ شيء ما زال في طور الكتابة.

كاتب عالمي

غيوم ميسو هو كاتب وروائي فرنسي برتبة عالميّة، ولد في أنتيب، عام 1974، وعشق الأدب والمسرح منذ نعومة أظافره. تحتلّ كتاباته قوائم أكثر الكتب مبيعًا في فرنسا والعالم، وقد بلغ ذروة نجاحاته برواية "وبعد"، فاكتسب شُهرة كبيرة، لا سيّما أنّها حُوّلت فيلمًا حقّق نجاحًا كبيرًا في دور السينما.

في رصيده أكثر من عشر روايات، تُرجم معظمها إلى أربعين لغة. وأصدر دار نوفل للكاتب "الحياة رواية"،   الثالثة من بعد "الصبيّة واللّيل" و"حياة الكاتب السريّة".

مقتطف من الرواية

يزعم المعالجون النفسيون أنّ للعبة الغمّيضة فوائد تربوية جلية: فهي وسيلة يختبر من خلالها الطفل الانفصال بشكل إيجابي. فهو يشعر، عبر تكرار هذا التباعد الموقّت والمختلق، بقوّة الرابط الذي يوحّده بوالديه. ولمضاعفة تأثيرات اللعبة، ينبغي أن تتحوّل دراما حقيقية تدغدغ في وقت قصير جدًّا مختلف المشاعر من إثارة وترقّب إلى ملمح خوف، قبل أن تطلق العنان لفرحة التلاقي من جديد.

ولكي تتكشّف كلّ تلك المشاعر، يجب تمديد المتعة والحرص على إطالة التشويق ما أمكن. كنت في طبيعة الحال، في معظم الأوقات، أعرف أين كانت كاري تختبئ حتى قبل أن أفتح عينيّ. لكن ليس هذه المرّة. بعد دقيقتين أو ثلاث من الأداء المسرحي، قرّرت التوقّف عن التظاهر وشرعت في البحث عنها. فعليًّا.

رغم أنّ شقّتي شاسعة- عبارة عن مكعّب زجاجي كبير في مساحة مئتي متر مربّع يقع في الركن الغربي من البناء- إلّا أنّ احتمالات الاختباء فيها محدودة. كنت قد اشتريتها قبل بضعة أشهر وأنفقت عليها كلّ عائداتي كمؤلّفة. كان برنامج التجديد العقاري قد بدأ في مبنى لانكستر ولم يكن إنهاء الأعمال يلوح في الأفق غير أنّني رصدت الشقّة التي أريد والتي كانت الشقّة الأخيرة المتاحة. سلب المكان عقلي منذ الزيارة الأولى ولكي يصبح ملكي وأنتقل بسرعة للسّكن فيه لم يكن أمامي سوى القبول بدفع رشوة للسمسار. ما كدت أسكن في الشقّة حتى هدمت ما استطعت من جدرانها وقلبتها إلى لوفت بأرضيّة خشبية شقراء عسليّة فيما صمّمت الديكور واخترت الأثاث بروحٍ مينيماليّة. بسبب كلّ المرّات السابقة التي لعبنا فيها، تمرّست كاري في العثور على مخابئ فمرّة تكوّرت بحنكة خلف آلة تجفيف الملابس ومرّة تسلّلت إلى قلب الخزانة التي تحوي المكانس.

متسلّحة بالصبر بالرغم من انزعاجي، ظللت أبحث عنها في كلّ زاوية وكلّ ركن، وراء كلّ قطعة من الفرش، مرّة تلو مرّة كنت مستعجلة إلى درجة أنّني طوّحت المنضدة المصنوعة من خشب البلّوط والتي كنت أحفظ فيها أسطوانات الفينيل وجهاز التسجيل. على وقع الاصطدام، قُذِفَت ذراع المشغّل عن الأسطوانة فانقطعت الموسيقى وساد الصّمت في الغرفة.

في تلك اللحظة بالذات، شعرت بانكماش في معدتي.

- حسنًا يا صغيرتي، لقد ربحتِ. اخرجي من مخبئك الآن!

هرعتُ نحو قاعة الدخول. كان الباب المصفّح موصد بإحكام. المفتاح أُدخل في القفل العلوي وعُلّق في حلقة للمفاتيح، بعيدًا عن متناول أيّ طفل.

- كاري! اخرجي من مخبئك، قلت لكِ، لقد ربحتِ!

كنت أحاول بكلّ ما أوتيت من منطق أن أكبح موجات الذعر التي بدأت تتدفّق في جسدي. كانت كاري حتمًا في المنزل. وكان وجود المفاتيح في الباب، والتي تعمل كحاجز لأسطوانة القفل، تحول دون إمكان فتحه من الخارج ولو كان لدى الشخص نسخة مزدوجة. أمّا النوافذ، ومنذ إعادة تجديد البناء، فكانت قطعًا محكمة الإغلاق. كاري ليست وحدها من لا يستطيع مغادرة المنزل بل من المستحيل لأحد أن يدخله أيضًا.

- كاري! قولي لي أين أنتِ.

كنت ألهث كما لو أنّني عبرت توًّا نصف سنترال بارك ركضًا. بالرغم من أنّني كنت أفتح فمي لأتنفّس، لم يعد الهواء يبلغ رئتيّ. إنّه لأمر مستحيل. من غير الممكن أن يختفي المرء في شقّة وهو يلعب الغمّيضة. هي لعبة ذات نهاية مبهجة على الدوام. والاختفاء يمثّل مشهدًا رمزيًّا موقّتًا. لا يمكن أن يكون غير ذلك. هذا من صلب اللعبة: لم نكن لنلعب لو لم نكن متيقّنين من إيجاد الآخر.

- كاري، هذا يكفي! ماما ليست مسرورة!

ماما لم تكن مسرورة، لكنّها، قبل أيّ شيء، مرتعبة. كنت مرّة ثالثة أو رابعة أدقّق في أماكن الاختباء المعتادة، ثمّ أتّجه نحو الأماكن المستبعدة: حوض الغسّالة، مجرى المدخنة – المسدود منذ فترة طويلة. أزيح البرّاد الضخم، حتى أنّني فصلت القاطع الكهربائي وفتحت صندوق السقف المزدوج الذي يحوي أنابيب المكيّف.

- كاريييييي!

دوّى صراخي في أرجاء الشقّة حتى اهتزّت النوافذ. لكنّ الصدى ضاع وخيّم الصمت من جديد. في الخارج، اختفت الشمس. الجوّ أصبح باردًا. كما لو أنّ الشتاء قد هجم من دون سابق إنذار.

تسمّرتُ مكاني هنيهة، يتصبّب منّي العرق والدمع ينهمر على خدّي. وبينما أنا أحاول استعادة أنفاسي، لمحت أحد الخفّين الزهريين في رواق المدخل. التقطتُ الخفّ المخملي الصغير ذا اللون الزهري الفاتح. كان للقدم اليسرى. بحثتُ عن الخفّ الآخر، لكن يبدو أنّه قد اختفى أيضًا. عند ذاك قرّرت الاتّصال بالشرطة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال 5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
سياسة 5/22/2026 10:52:00 AM

الأمن العام اللبناني ينفي... ما علاقة "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني؟