لطالما شغل حضور المرأة في المجتمع، على مدى العصور، العديدَ من الأدباء والباحثين، فكانت سيرةُ ومسيرة مَن برزت منهنّ، تشكّل دعمًا معنويًّا كبيرًا، ومحفّزًا لكلّ سيّدة واعية وطموحة، كي تسعى للعمل بجدّ من أجل النهوض بمجتمعها، أو دعم أسرتها ومساندة أفرادها، للعيش بكرامة.
لم يقتصر الحديث عن المرأة وإنجازاتها ودورها على تاريخ الثامن من آذار من كل سنة، وإن تبارت في هذا التاريخ، الوسائل الإعلامية، من سمعية وبصرية وفضائية، في اختيار الأبرز من بين سيّدات المجتمع، في مختلف القطاعات، وعلى جميع الأصعدة، للإضاءة على سيرّهن وإنجازاتهنّ. علمًا أنّ ثمّة برامج تتحدّث عن المرأة تحديدًا، كبرنامج يُعرَض حاليًّا، بعنوان "رائدات من بلادي"، لنادين نجم التي تضيء من خلاله على تاريخ سيّدات برزن وكنّ رائدات، كلٌّ منهنّ في مجالها الخاص.
إنّ أوّل اسم قد يتبادر إلى أذهاننا عند الحديث عن الرائدات في عالم الفكر في محيطنا العربي، أو أكثر اسم برز وشغل الكتّاب والباحثين في الحِقبة الأخيرة، ومن دون منازع، هو اسم الأديبة اللبنانيّة مي زيادة (1886- 1941)، التي كانت تتقن تسع لغات، وكتبت العديد من المقالات الأدبيّة والنقديّة، وأصدرت العديد من المؤلّفات، كما دافعت عن المرأة وطالبت بحقوقها وبمساواتها مع الرجل؛ أيضًا لمع اسمها كرائدة، من خلال الصالون الأدبي الذي كانت تعقده يوم الثلاثاء من كل أسبوع، مستقبلة كبار الكتّاب والمفكّرين وشخصيّات اجتماعيّة بارزة، من النساء والرجال.
فهل تكون مي زيادة المرأة الوحدية ذات الحضور البارز في العالم العربي ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين؟
في تموز 2020 صدر عن دار نَعمان للثقافة، كتاب لجوزيف إلياس كحّالة، بعنوان جاذب، لاسم علم أنثويّ: مَرْيانا المرّاش، تصدّر بلونه الأحمر القاني لوحة زيتيّة للفنّانة جِهان أسود، لا تقلّ عنه إبهارًا، تصوِّر فيها سيّدة تَعبر تحت قنطرة في "حارة عايدة"، المعروفة أيضًا باسم زقاق المطران غريغوريوس بليط في حلب؛ وقد أضيف إلى العنوان الرئيس تعريفٌ بصاحبة الاسم، في كلمات ثلاث: الفكر والشعر والوتر.
إن كانت مي زيادة شغلت مجتمعها بعلمها الواسع، وفكرها النيّر، وكتاباتها الإصلاحيّة، وصالونها الأدبيّ، فما تُرى تكون السِّمة التي دفعت جوزيف إلياس كحّالة، مع بداية القرن الواحد والعشرين، للإعلان عن اسم مَرْيانا المرّاش على أنّها سبقت مي زيادة بحضورها الثقافيّ البارز؟ وما الذي أدّى إلى عدم بروز اسم مَرْيانا المرّاش بشكل واسع كما برز اسم مي زيادة؟
تأتينا الإجابة عن السؤال الأوّل سريعًا من الكاتب نفسه، الذي يصدِّر كتابه بإهداء عمله إلى بطلته مَرْيانا المرّاش لمناسبة المئويّة الأولى لرحيلها، متّخذًا من هذه المناسبة بابًا يدخل منه إلى عالمها المغلَق على كثيرين منّا، فيضيء ما خفي منه واكتنفته الظلمة، محاولًا بثّ الحياة فيه من جديد، وهو القائل في إهدائه: "إلى من بثّت الحياة بصوتها ونثرها وشعرها"؛ ونلمس في إهدائه مقاربات متعمَّدة ما بين سيرتها وسيرة مي زيادة، فهي -أي مَرْيانا - "بنت الفكر الأنثوي الحرّ... مَن كانت قدوة سبّاقة مُثلى لبنات عصرها، رشدت فأرشدت، علِمَت فأعلمت، كرمى لعيني الوطن".
وقبل أن نتوصّل للإجابة على السؤال الثاني، لا بدّ أن نتوقّف، ولو قليلًا، عند مقدّمة أو تصدير الدكتور جورج جبّور، الاسم البارز على عدّة أصعدة، من ضمنها ترؤسه قسم السياسة في معهد البحوث والدراسات العربيّة في القاهرة؛ وقد صرّح بالفم الملآن قائلًا: "اعتقلني المخطوط في أطايبه ساعات أمام شاشة الحاسوب" (ص 16). ثم يُعلِمنا أن "كتاب الدكتور كحّالة ليس عن مَرْيانا وعائلتها فحسب، إنّه عن تاريخ الصالونات الأدبيّة... وهو يوثّق معرفتنا بمدارس حلب، ومكتباتها، ومطابعها، وصحافتها... ويُتبع ذلك كلّه بجداول مفيدة للغاية عن أهم الأحداث التي عرفتها حلب خلال المدى الزمني الذي عاشته الأديبة مَرْيانا بين 1846 و 1919" (ص 17).

إذًا، الكتاب يوثّق لمرحلة من تاريخ سورية، معتبرًا أنّ "دراسة شخصيّة مَرْيانا المراش تُعَدّ دراسة لجيل كامل من النساء العربيّات اللواتي ساهمن في النهضة العربيّة" (ص 30)، ولعلّ هذه هي خلاصة ما سعى جوزيف إلياس كحّالة إلى إبرازه من خلال هذا الكتاب، وقد أضاء على نواح عديدة من الحياة الاجتماعيّة في حلب، ومن ضمنها القدود الحلبيّة التي تُنسَب إليهم، بالأخص أنّ مَرْيانا عُرفت بحبّها للموسيقى التي تعلّمتها من دون معلّم، فـ"وضعت مقطوعات موسيقيّة غنائيّة من تلحينها... كما أجادت العزف على القانون والبيانو. أمّا صوتها الرخيم فكانت تُطرب به صالونها الأدبي". (ص 87- 88)
لقد خصّص الكاتب الفصل الثاني من الكتاب للحديث عن "آل المراش والصالونات الأدبية"، فروى فيه سيرة مَرْيانا المرّاش التي عرّف عنها بأنّها شقيقة فرنسيس وعبدالله المراش؛ وتوقّف عند تاريخ تأسيس الصالونات الأدبيّة في فرنسا، ودَوْر هذه الصالونات في التقريب ما بين المفكّرين والطبقة العامّة؛ ثم انطلق من الحديث عن الصالونات الفرنسيّة إلى الحديث عن الصالونات الحلبيّة وأمكنة إقامتها، أكان خارج الدور أم داخلها، مسمّيًا عددًا منها: "دار صادر، دار بليط، دار أجقباش، دار وكيل، دار باسيل، دار دلّال. وكأنّ هذه الدور بُنيت خصّيصًا للصالونات الأدبيّة والحفلات الغنائيّة". (ص 132) وصولًا إلى صالون مَرْيانا المرّاش التي "سخّرت منزلها كمكان لاجتماع المثقفّين والكتّاب والسياسيّين لمناقشة قضايا الأدب والفن والموسيقا وعلاقتها بالقضايا السياسيّة والاجتماعيّة... وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ صالون مَرْيانا المراش الأدبي وضع البصمة الهامّة والفريدة في التاريخ السوري الحديث، ويُعَدّ أوّل تجربة من نوعها في الشرق، وفي العالم العربي في العصر الحديث، قبل صالون مي زيادة في وادي النيل". (ص 138)
بهذا نجد أنّ الكاتب قد أعطى مَرْيانا المراش الريادة من ناحية الصالون الأدبي. فما الذي جعل صالون مي زيادة يَبرز تاريخيًّا، ويطغى على ما سبقه؟ أهي الشخصيّات الأدبيّة الكبيرة التي كانت تقصد صالون الآنسة مي، مقابل شخصيّات سياسيّة استعماريّة حفل بها صالون مَرْيانا؟ أم هو المجتمع المتحرّر الذي عُرفت به مصر في حينها، وعزّ ربّما في سوريا لِما كان للاستعمار فيها من سلطة وسيطرة؟ أم هو فكر مي الثائر عند دعوتها للمساواة وتحرّر المرأة، مقابل فكر مَرْيانا الأقلّ حدّة والأكثر انسجامًا مع الواقع القائم؟! فصالون مَرْيانا رحّب بالقادة المستعمرين؛ وإصدارها الوحيد "بنت فكر" تضمّن مجموعة من قصائد المدح والرثاء التي تناولت شخصيّات سياسيّة عثمانيّة حازت تقدير مَرْيانا واحترامها؛ وقد ساهمت قصيدتها في مدح السلطان عبد الحميد في منحها الرخصة لطبع هذا الديوان.
هنا يطالعنا الكاتب برأيه في هذا الخصوص، مؤكّدًا أنّ "ما خلّد هذه الشاعرة [مَرْيانا المراش] في تاريخ أدب المرأة الحديث، ليس ديوان شعرها "بنت فكر" فحسب، بل صالونها الأدبي الذي يُعتبر الوحيد من نوعه في الشرق، قبل أن يكون صالون مي زيادة الذائع الشهرة في النيل". (ص 248) كما يخبرنا أنّها "أوّل أديبة سوريّة كتبت في الصحف كما روى الفيكونت دي طرازي صاحب كتاب "تاريخ الصحافة العربية". في العام 1870 نشرت عدّة مقالات في مجلّة "الجنان" وفي جريدة "لسان الحال"..." (ص 258) ولديها مقال بعنوان "جنون القلم" يُعتبر من أهم ما كتبته.
نشير هنا إلى أنّ هذا الكتاب يشكّل ملخّصًا للحقبة التي عاشت خلالها مَرْيانا المرّاش، مضيئًا ليس على عائلتها وحياتها الخاصّة (تزوجت ورزقت بولدين، ذكر وأنثى) فحسب، وإنّما على محيطها الاجتماعي والسياسي؛ وقد زخر الكتاب بالهوامش التي تزوّدنا بتفاصيل مهمّة، وتضيء على جوانب مختلفة من الحياة اليوميّة في ذلك العصر، كاشفة العديد من الأحداث التي لا تختلف أحيانا عن واقعنا، كما في الصفحة 171، حيث يخبرنا عن ارتفاع سعر رطل الطحين من 3 قروش إلى 75 قرشًا دفعة واحدة؛ أليس هذا صورة عن معاناتنا اليوم؟ كما يخبرنا عن خسوف القمر وما سبّبه من رعب، فقامت الناس تقرع الطناجر!
مَرْيانا المرّاش - الفكر والشعر والوتر، كتاب من 357 صفحة، يتضمّن - عدا التصدير والمقدّمة وفصول البحث - مقالات صاحبة السيرة في مجلة "الجنان" فقط، لتعذّر الحصول على مقالاتها في "لسان الحال" - كما أشار الكاتب في مقدّمته - وديوانها "بنت فكر"؛ أي القسم الأكبر من إنتاجها الأدبيّ، كاشفًا لنا أسلوبها وفكرها. كما يشتمل على العديد من الصور لأفراد أسرتها ولشخصيّات عاصرتها، ولأماكن عاشت فيها أو ارتادتها، ومقتطفات من الصحف في عصرها، إضافة إلى "جدول بأسماء الصحف والمجلات الصادرة في مدينة حلب من العام 1867 حتى العام 1920". ثم نقع في الصفحات الأخيرة غير المرقّمة، على نبذة عن الكاتب تعرّفنا بتاريخه البحثي الطويل وإنجازاته، فنلاحظ أنّ لديه أعمالًا بحثيّة باللغتين العربيّة والفرنسيّة تُربي على الثمانية عشر كتابًا، عدا المقالات.
إنّ ما ورد في هذه العُجالة يشكّل جزءًا بسيطًا جدًّا ممّا حواه العمل من أخبار ومعلومات تاريخيّة تؤكّد ضخامة البحث الذي قام به كحّالة، وقد أدرج في نهاية الكتاب لائحة من تسع صفحات، تتضمّن المصادر والمراجع العربيّة والأجنبيّة التي استند إليها في بحثه، وتلك التي أمدّته بالصور، ما يمنح العمل قيمة علميّة بحثيّة توثيقيّة.
ولِأجيب على الأسئلة والتساؤلات العديدة التي فرضت نفسها على ضوء هذا الكتاب، أقول: لقد حلّقت مي زيادة في عالم الفكر والأدب مع أوّل نصّ وصلها على جناح طائرة، من حبيبها الافتراضيّ جبران، فألقته نيابة عنه خلال حفل تكريم الشاعر خليل مطران، الذي أقيم في باحة الجامعة المصريّة في القاهرة، حيث كانت تتابع علومها في الفلسفة والأدب، إذ كان الفاتحة للدعوة إلى صالونها الأدبي، ولتسجيل ريادة الصالونات الأدبيّة العربيّة باسمها؛ بينما طغى ضجيج طناجر زمن مَرْيانا المرّاش، وسطوة مستعمري بلادها، على موسيقاها الحلوة وأدبها الرفيع، وحجبَها عنّا! فأتى جوزيف إلياس كحّالة، في مئويّتها، ليزيح الركام عنها، ويُنهضها من سباتها، ويضعها حيث يليق بها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا
4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
اقتصاد وأعمال
4/14/2026 9:14:00 AM
كم بلغت الأسعار الجديدة؟
لبنان
4/14/2026 4:37:00 PM
وفيق صفا: نحن غير مهتمّين بها إطلاقاً ولا تعنينا
نبض