قبّعة بيتهوفن لرامي طويل: حين يمشي سوريّ عكس التيّار
Smaller Bigger

بعد صدور روايتيه "رقصة الظل الأخيرة " و"حيوات ناقصة " عن دار السّاقي، يقدّم لنا رامي طويل من خلال نصّه الروائي الجديد "قبّعة بيتهوفن" (الصادر عن دار الساقي طبعة أولى 2021) مشاهد متتالية لتبدّل الحياة السوريّة وتبدّد ورديّتها ربطاً بمدى تأقلم المرء مع "الحيوات المتناقصة" كلّما توغلت الحرب... النص الذي يتمدّد على 156 صفحة يشكل صرخة قديمة جديدة، مألوفة وغير مألوفة لرجل سوريّ أنهكه تراكم الاضطهادات وتفاوت أشكالها منذ نشأته حيث تولد العقد وتضعضع النظام النفساني وصولاً إلى نقطة النهاية أو نقطة العودة واللاعودة كما أرادها الكاتب والشخصية معاً.
 
العنوان والتفاصيل النصيّة
للوهلة الأولى يرى المتلقّي في "قبّعة بيتهوفن" عنواناً يحيله إلى عالم الموسيقى والحركة والإيقاع والنوتات، ويخيّل إليه أنّه ضرب من ضروب اللعب على مصائر شخصيات معروفة ونحت مسار روائيّ حكائيّ حديث مرتبط بالخيال والابتكار، ولعلّ هذه الفكرة تترسّخ أكثر وتكاد تصبح حتميّة وأكيدة من خلال تقسيم الكاتب للفصول الروائية إلى حركات مرفقة برسم موسيقيّ لنوتات السيمفونيّة الخامسة، لكن المفاجأة تتجلى حين ينفتح المتلقي على سياق نصّ خالٍ من إيقاعات بيتهوفن الرومنسية وممزوج بصخب المأساة والحرب، فالرواية تبدأ بمصير، بحاضر شخص خمسينيّ ينهار بلامبالاة ماليّاً وصحيّاً ونفسيّاً نتيجة خساراته المتتالية في لعبة المراهنات "لم يكن يفكّر بالأموال التي خسرها ولا بالمرأة التي شتمته على مرأى ومسمع زبائن المقهى"  (ص. 11)، لتتّسع بعدها دائرة المأساة أكثر وتبلغ النقطة الأساس بها ذروتها حين هجرته المرأة التي شتمته بعنف. "لم توفّر المرأة نعتاً أو شتيمة تعرفها. وصفته بأنه كذّاب، مخادع، جبان... كانت الحروف إذ تلفظها تبدو خارجة من أمعائها " (ص. 12)، ليكون هذا التعنيف الذاتيّ والغيريّ منطلقاً لعودة السارد إلى الماضي الحافل بالتراكمات والعقد والمآسي الاجتماعيّة والسياسيّة والتربويّة والتحولات الأيديولوجيّة (خلع جلنار للحجاب بعيد انكسارها من حبيبها المخادع) التي ولّدتها الحرب السوريّة على مدى عشر سنوات. "إنها الحرب. إمّا أن تطحننا وإمّا أن نجعلها فرصتنا". (ص. 41).

إذا توغلنا في النص أكثر وفي نفاصيله ستبقى الحركات الفاصلة بين كل فصل روائي والعنوان العام للروائي محطّ التباس وفضول لمعرفة خلفيته وارتباطه بقصة شخص نشأ في بيت يقمع فيه الأب العسكري ضرباً وتجريحاً أفراد أسرته لينتقل بعدها البطل إلى مواجهة المتنمّرين نتيجة جرأته المعرفية وحبّ التزوّد بالمعلومات. "كانت الثناءات وإيماءات الدهشة والإعجاب تحفّزه على حفظ المزيد من المعلومات" (ص. 64) إضافة إلى ذكر الكاتب أنّ الشخصية الأساس قد نعتت بالبروفيسور (ص. 63) ورغم أنّ النعت من منطلق ساخر، لكن الشخصية كانت تنتشي بهذا اللقلب. ونضيف إلى ذلك التعذيب في الخدمة العسكرية والاختطاف والنكبات الرومنسية بدءاً بعلاقته بجلنار وصولاً إلى علاقته الضبابية بنجوى التي شتمته وصولاً إلى انتكاسته الصحية وإدمان المقامرة والخمر والبؤس الاجتماعي. كلها لا تربط المتلقي بعنوان الرواية، حتى يُظهر الكاتب القطبة المخفية في سياق عابر مغلق بمدى ثقافة الشخصية شارحاً ارتباط "قبعة بيتهوفن" بعناد الشخصية من خلال رفضه لرفع القبعة كما فعل غوته أمام الملكة، وهي مقارنة تحيلنا إلى قطب سلوكية واضحة في بناء الشخصية، إذ تتّسم الشخصية الأساس بالعناد رغم كل الأسى والأذى، نذكر على سبيل المثال خضوعه لسجال مع موظفي الجامعة نتيجة الانتماء السياسي. "أي أنك بعثي... لا، نفى جازماً باقتضاب... هل تقصد أنك شيوعي... أيضاً لا" (ص. 66-67).

إذن العنوان يرتبط بشكل عميق بموضوع الرواية التي تتمحور حول الشخصية السورية التي تسير رغم عقدها واضطهادها وتعذيبها عكس التيار البعثي والمجتمعي الحربي.

العقد والمبنى الاجتماعي
صحيح أنّ شخصيات عديدة تمادى السرد في ذكرها وتجسيد تفاصيلها وخلفياتها الاجتماعية والنفسية، وهي تشكل بصيغة جمعيّة حلقة كاملة متكاملة من مجتمع يحاول الزحف خارج إطار الحرب والاقتتال، إلّا أنّ الكاتب من خلال صوت سارده قد وضع ثقل العقد وثقل الهشاشة الاجتماعية في الشخصية الأساس التي بقيت على مدى الرواية لا تحظى باسم ربما لأنها تشكل صورة صالحة لكلّ سوري مشاكس متمرد رغم جروحه وتجريحه وتعذيبه، ولعل المبنى الاجتماعي الذي مر به البطل من خلال نشأته المنزلية القاسية "بين أب لم يكن بيته بالنسبة إليه غير نموذج مصغّر عن ثكنة عسكرية يحكمها بصرامة وأمّ لم تتقن جوهر الأعمال المنزلية إلا الصمت" (ص. 60)، ولدت عنده عقدة أطلق عليها فرويد اسم "أوديب" وهي تعني كره الأب والسعي لحلول الابن مكانه ليبقى لصيقاً بأمه، رغم ذلك ورغم أن أمه كانت أقل قسوة بحقه مقارنة بأبيه، إلا أن هذه العقدة قد تفجّرت على شاكلة تخبّط عاطفي يبدأ بعلاقة مع جلنار غير متوازنة وصولاً إلى علاقة ضبابية مع نجى لينتهي مصير الشخصية وحيداً بخساراته بعيداً من العودة قريباً من اللاعودة.

ورغم كل هذه الحلقات من التعذيب والإهانات والشتائم، ومن ثم الخطف وسلب أغراضه إلا أن العقدة الساديّة لم تتولد بل بخلاف ذلك طرأت المازوشية التي كتبها البطل بنفسه. "لا كحول، لا تبغ، لا قهوة، لا أطعمة حارّة هذا ما أكّده الطبيب" (ص. 124). تحذيرات الطبيب كانت تمهيداً لمازوشيّة "لكنّه بعد تخليه عن التلفاز والراديو صار يمضي وقته في البيت يدخن ويشرب الكحول الرخيص "(الصفحة نفسها) لتنتهي رحلة التعذيب الذاتية بأفق يربط بتوازن بين العودة واللاعودة... الرهان متواصل. الخسائر أيضاً" (ص. 133) "الأيام القادمة وصلت وتم إعفاؤنا من عبث الانتظار" (ص. 134).

إذن الشخصية لم تنتقم من مجتمعها رغم عنادها وجرأتها وعدم تصالحها مع ذاتها القوية بل لفت من خلال عقدها حبل النهاية المؤقتة حول رقبتها.

التناوب السردي والأصوات الروائية
تبدأ الرواية بصوت روائي واحد تتمثل بصوت السارد العارف للأمور والواعي للأحداث ولمصائر الشخصيات، أي أن أغلب الرواية متوّجة من خلال الضمائر الغائبة ومعرفة السارد لمبنى الأحداث وبنية الحبكة الروائية برؤية من الخلف (Vision par derrière) حيث لمن يتدخل السارد ولم يعط نظرته الشخصية تجاه أي شخصية لينتقل بنا رامي طويل إلى فصل إضافي بعد الحركة الرايعة سماه تنويعات الحركة الرابعة والذي كان متنفساً لكلّ شخصية ثانوية لتطلق العنان لنظرتها تجاه الشخصية الأساس بدءاً بأحمد بائع الورد الذي يذكرنا بجولته على المقاهي الراقية في العاصمة لبيع الورد وببراءته وصراحته، بمئات الأطفال السوريين المتنشرين بين مقاهي شارع الحمراء في لبنان لبيع الورد ومن ثم نظرة جلنار إلى الشخصية الأساس بعد اختفائها، ومن ثم الرواية بصوت ناصر العدو الذي تحول صديقاً بعد عراك جسدي طويل، ومن ثم نظرة نجوى وفتح الكاتب من خلال بوحها أفقاً يتيح لكل متلقٍ أن يكون إيجابياً ومرناً في تحديد مصير الشخصية الضحية/الناجية من نفق الحرب العبثية.

لكن ما أوقع الكاتب في الفخ هو عدم إنصافه للشخصيات وهو يوزع عليها المساحات الحرّة، حيث ركز على قصّة أحمد منطلقاً من الإنسانية وكيفية معاناته لبيع وردة في المقهى، واقتصر بوح باقي الشخصيات الروائية على تحديد نظرتها وانطباعاتها وإعادة سرد ما أورده البطل حول علاقته بكل شخصية.

لنسأل الكاتب، ألا تعدّ شخصية كل من جلنار الهاربة من الجو الإسلامي الترهيبي الأسري وشخصية ناصر المزدوجة كونها عاملاً مساعداً - من خلال إخلاصه للبطل- وعاملاً مناوئاً من خلال تشجيع البطل على تعذيب ذاته، أجزاء جوهريّة لبناء مشهد المجتمع السوري خلال الحرب؟ لمَ الذهاب نحو عمالة الأطفال فقط رغم شيوع الحديث عن هذه الظاهرة وتجنب الحديث عن الأدلجة والترهيب والازدواجية والبراغماتية التي مثّلها ناصر من خلال تعامله مع الخمسيني المعلق بين العودة واللاعودة.

تختصر الرواية إذن رحلة الانسلاخ والتعلّق بالمكان، رحلة العبء والتمرد على الواقع والحاضر وهروب البطل من فكرة الاستقرار الوطني إلى الانسلاخ عن كلّ الوجود. "لا أحبّ المكان الذي جئت منه ولا أحب المكان الذي إليه أذهب... بروتلد بريخت". وتدشين الرواية بمقولة بريخت خير دليل على أنّ الشخصية الأساس تمثل الشعب السوري الشعب الذي لا يحتاج إلى هوية واسم لتعرف عنه كون استمرار الرهان والخسارات هو خير مفسر لواقع مواطن سئم الصمت اختار الهروب كإيقاع يجمع شتاته.
 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/6/2026 10:20:00 AM
قرار توحيد القوات المسلحة عام 1976 أثبت خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة قدرته على حماية الاتحاد عبر منظومة موحّدة تمتصّ الهجمات وتمنع انتقالها إلى الداخل.
الخليج العربي 5/6/2026 3:44:00 PM
استمع من القائمين على المنصّات إلى شرح حول أبرز المبادرات والمشاريع الجديدة التي أعلنت خلال الفعاليات
المشرق-العربي 5/6/2026 3:04:00 PM
تؤكد مصادر عراقية مطلعة، لـ"النهار"، أن خطوة الفصائل تأتي في إطار سعيها إلى تثبيت حضورها داخل العمل السياسي، وتهيئة نفسها لدخول حكومة علي الزيدي.
المشرق-العربي 5/6/2026 12:06:00 PM
في المقابل، لا تزال جهود الوسطاء مستمرّة...