ماكيت القاهرة لطارق إمام: عبثيّة الأزمنة وتشكيل المحو
Smaller Bigger

يرى سارتر أن الاختيار هي الصفة الملازمة للإنسان والمتحكمة في كافة سلوكيّاته، فهو حتّى في رغبته والتعبير عنها مخيّر لا مسيّر، وعلى صعيد الاشتغال النصيّ، حاول البنيويّون وعلى رأسهم بارت وفوكو عزل النصّ عن كافة المتعلقات الإجتماعية والنفسية.

أمّا طارق إمام، فقد أخذ من كل خيط بطرف، فمن خلال روايته الأخيرة "ماكيت القاهرة" (دار المتوسّط- طبعة أولى2021)، والمدرجة ضمن قائمة "بوكر" الطويلة... وضعنا أمام التساؤل من خلال حصر تركيزه على الشخصيّات الأساسيّة لتُحصر نقطة التلقّي عند شخصيات فنتازيّة تعكس كالمرايا سؤالاً واحداً: "هل القاهرة مدينة اختارت شخوصها وبالتالي مصيرها؟ أم الشخوص اختارت التعبير عن مصائرها من خلال اختيار المدينة؟"، لنكون أمام نصّ يضجّ بالمشهديات الاجتماعية ومعزول عن البنية الدّاخلية التقليديّة.

الشخصيّات ومشهديات التاريخ المعاصِرْ

تبدأ الرواية فإذن بمشروع تأرجحت ولادته بين الولادة والمحو المُدنيّ، ولم يكن التعبير عن الأزمنة السريعة التي تتنقل الأحداث بين شخصية وأخرى إلّا خير طريق للعثور على طريقة لرسم الشخصيات انطلاقاً من الزّمنين: "المُعاش والمُفترَض"، واختار صاحب "هدوء القتلة" أن يبدأ بالمستقبل البداية التي كانت تضج بالعبثية والفوضى والضبابيات والذنوب، فأوريجا الثلاثينيّ الّذي مشى مع الزمن رغم كل التيارات والشوائب والذكريات، بقي طفلاً ضحيّة لإصبعه القاتل "ظلّ يتأمّل الإصبع الذي ينبعث الدخان من تحت إظفره" (ص11). والدّخان هنا إشارة إلى جريمة جماعيّة إلى أثر عنف كبير إلى صدى مأساة مفروضة. أوريجا الذي يبدأ تطريزه إمام سرديّاً على أنّه طفل مشبّع بالأنا والتأنيب واليتم، سرعان ما سيتبيّن أنّه مسكون بطفولته "يغدو النّاس أشدّ شبهاً بطفولتهم عندما يصبحون عجائز" (ص 13)، ومسكون بجريمته اللامحدودة الأزمنة "إنّ رصاصة متخيّلة يمكن أن تمحو شخصاً حقيقيّاً" (ص 18)... كلّ هذا التأويل المباشر ما هو إلا مفتاح لتأويلات كبرى ترتبط بالزمن، فعام 2045 ميلادي الذي ألصقه إمام لمرّة واحدة باسم أوريجا، وعام 2011 الذي ألصقه ببلياردو، وعام 2020 الذي ألصقه بنود والمسز التي كانت ضيفة ثابتة لكلّ الأزمنة، ما هي إلا إشارة سيميائية لتحديد هويّة الشخصيات، وإلى أيّ مشهد تنتمي من مشاهد تاريخ مصر السياسي المعاصر؛ حكاية أوريجا قبل اقترانه بباقي الشخصيات هي حكاية أيّ شاب يعاني من مخزون طفوليّ لاواعٍ يدفعه بسرعة نحو إحياء ما محاه الزمن "سألته ناقلة نظرها من جديد... ما الذي تعنيه كلمة مقلّد؟... أجاب...: محاكاة ما هو موجود سلفاً" (ص 40)، عدا عن رغبته بصنع المصغرات منذ الصغر (ص 39) والّتي تدلّ على رغبته في تشكيل ذاته الماضية بنفسه.

حتّى الآن، نحن أمام قصة اجتماعيّة نفسية الى أن يقترن اسمه باسم بيلياردو "جاء أوريجا ابناً لرج وامرأة... الأب بيلياردو والأم... نود" (ص121).

بيلياردو المقترن بـ2011  هو مصر التي استقبلت الربيع العربي وأسقطت الرئيس حسني مبارك. بيلياردو الثّائر الذي قدّم عينه الأولى كي ترى القاهرة الضوء وأصيب بالعمى حين استعمر اليأس مصر مجدّداً "لم يذهب لطبيب عيون... كان يعرف أن مرضه نابع من هواجسه مثل عقيدة راسخة" (ص 108)، أي أنّ ضبابيّة الرؤية السياسية والاجتماعية تعد بمثابة مرض عضال لا شفاء منه حتى لو اقترن بنود المتمردة المصابة بانفصام وكبت جنسيب حاد دفعها الى التحرر كبيليارردو عن طريق الفنّ، وكأنّ طارق إمام يودّ أن يكرّس ما قاله فرويد أن الفن هو الجسر الذي ينقل التعبير من السلبيات إلى التسامي  "كانت محاولة مبكرة بكاميرا الموبايل، توّجت بالمديح واللعنة" (ص 131)، ليكون تقاطع بيلياردو ونود قبل زواجهما هو انصهار زمنين يمزجان النجاة بالتورط "لقد أنقذها ذاك الشاب ليلة ركضا معاً" (ص 133).

بيلياردو المرتبط بميدان التحرير، الراغب بتنفس الحريّة، يتعثر مع نود المتمردة من خلال الجنس وتصوير الجنس والتعبير عن المكبوتات بواسطة الفيلم، لتقهر الساديّة الدينيّة الممارسة من قبلها،  فتصبح أمام منطق يمجّد الخطيئة خوفاً من سطوة الخير "كانت نود تتجوّل في صالة ماكيت القاهرة 2011... عندما لمعت  على صفحة وعيها كلمة خيانة" (ص 194)، "صفعة الأب في حصة الدين الاسلامية اليومية داخل المنزل وهو يلوح بخيزرانة البيت..." (ص237)، أي أنّ نود هي الصورة المتمردة على الأخوان، وهي التتمة لبيلياردو التي أزهرت معه للأسف أوريجا... المستقبل الراضخ للمحو ولتشكيل غربي لهذا المحو.

الـ"مسز" والتشكيل الغربيّ للمحو

لم يطرح طارق إمام هذه الشخصيات المقترنة بأزمنتها إلّا ليدور حول إطار زمنيّ عبثيّ، لكنّه في المقبل ترك نصه يتمحور نحو نقطة مركزيّة واحدة غير القاهرة المتأرجحة بين المحو وإعادة المحو والبناء، وهي الـ"مسز" الّتي قدّمها إمام للمتلقي على أنّها القيّمة على مشروع ماكيت القاهرة 2045، والحريصة ببرغماتيّة مبطنّة على الحفاظ على الماضي بحذافيره "طبق الأصل". وعمد إمام إلى إثبات حضور هذه الشخصيّة على مدى الرواية كلّها لتكون الأقرب الى الغرب والمجتمع الدوليّ الذي يودّ سياسيّاً بناء المجتمعات العربيّة بناء على مصالحه وتسوياته، وقد دعم إمام هذه الفكرة من خلال جعل المسز عنصراً مستنطِقاً للشخصيات الروائية، لا سيما نود الماضي القريب وأوريجا المستقبل "نعم فمع اليوم الأخير للعرض سنفتح مزاداً لبيع ماكيت القاهرة لأعلى سعر... وفور أن يرسو على المشتري، سيدمر الماكيت نفسه بنفسه"(ص 288). هذا الاقتباس ليس مجرّد نظرة سرديّة أو تتمة حواريّة، بل هي رؤية الكاتب الذاتية تجاه القاهرة وما حلّ بها خلال الأزمنة التي غيّرت فيها مصر ثوبها الثوريّ... والمسز هنا تشكل "السيستم" الرافض لفعلي الشلل والمقاومة "ضاعفت المسز من سرعة المادة لأقصى قدر... فزمن المادّة المصوّر كان نفسه زمن الواقع" (ص 289)، وهي إشارة ودلالة على أنّ هذه الشخصيّة تجسّد الرغبة السياسيّة بإعادة ما تمّ محوه كما يناسبها ولو كان على شكل شذرات.

ولعلّ الكاتب أراد استحضار شخصيات فانتازية منزاحة الأسماء  مثل منسي عجرم، ليونيل مُرسي وسواهم.

وحضور منسي عجرم في الرواية لا سيما في وجدان المسز ما هو إلا رغبة في تذليل الماضي وتغييره والانقضاض على ثقافته "إنّ جميع الكتب في مكتبتي هي كتاب منسي عجرم" (ص 285)، وهي إشارة الى التّفنيد في الفراغ والنظريّات المكثّفة والإشارات الزمكانية التي يحملها الكتاب واسم كاتبه.

نحن فإذن أمام شخصيّة لا تنتمي سوى للغرب المستعمر المسيطر المنقض على جغرافية المدينة وبنية مصر السياسية والفنية والثقافية.

البناء الروائي وخيانة النهاية

وفقاً لانطباعات القرّاء على منصّة "غود ريدز"، فإنّ الكاتب قد تأثر بشكل لاواعٍ سرديّاً بالكاتب الياباني هاروكي موراكامي، وذهب بعضهم في توصيف هذا التأثّر لإخراج انطباع إيجابيّ، وبعضهم ذهب لنقد الإفراط في الخيال، وبعضهم من كان منطقه هشّاً فاتّهم الكاتب المصريّ بسرقة روايته من كاتب معروف... لقد عكس طارق إمام ما ذهب إليه البنيويّون من عزل للنص عن الخلفيات الاجتماعية والنفسية والإيديولوجية للكاتب والجماعة، بل ذهب أبعد من ذلك من خلال تكريس الشخصيات لتأدية المشهديّات الاجتماعية والنفسية، فالإسراف في جعل السرد والوصف قطبان متلازمان يخدمان الخيال الذي يعدّ عنصراً من عناصر العمل الأدبيّ والمادّة الأساسيّة لتشكيل الفنتازيا السرديّة والنهاية المفتوحة، إلّا أنّ المفارقة أن موراكامي في عمله الشهير "كافكا على الشاطىء" قد لجأ الى تعدد الأصوات، بخلاف طارق إمام الّذي حكم على الشخصيات المأزومة بالصمت وحصر حق الحديث عنهم بذاته، وهذا ما حرم الشخصيات من الغوص الأكثر بواقعية الأحداث، وصعّب استنباط الدلالات المضمرة في شخصيات النّصّ... إلّا أنّ تقنيّة الحوار ساهمت رغم خفوت صداها في توسيع عدسة التنقيب لدى المتلقي الإيجابيّ عن خيوط للتأويل.

ومن ناحية أخرى، فإنّ السّرد الذي كان متيناً بفضل وحدة الموضوع وتماسك البنية الروائية وعناصرها قد خان سارده من خلال التطرّق لفصل ما بعد 2045 الذي يمثّل مرحلة منجا مرحلة ما بعد الأفق المفتوح، مرحلة ما بعد التأويل، ليكون بذلك إمام قد حمل القارىء مزيداً من المهام التأويلية بدلاً من التفكير بتتمة نصية أخرى.

يمكن القول أنّ طارق إمام نجح في ترويض الصراعات والتحكم بها وإدخالها في دائرة من السّرد العبثيّ. هي رواية البقاء على حافة التأويلات. نصّ يسترد الواقع من خلال الخيالات الجامحة، ليبقى السؤال: هل الشخوص اختارت مدينتها أم المدينة اختارت شخوصها؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/6/2026 10:20:00 AM
قرار توحيد القوات المسلحة عام 1976 أثبت خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة قدرته على حماية الاتحاد عبر منظومة موحّدة تمتصّ الهجمات وتمنع انتقالها إلى الداخل.
الخليج العربي 5/6/2026 3:44:00 PM
استمع من القائمين على المنصّات إلى شرح حول أبرز المبادرات والمشاريع الجديدة التي أعلنت خلال الفعاليات
المشرق-العربي 5/6/2026 3:04:00 PM
تؤكد مصادر عراقية مطلعة، لـ"النهار"، أن خطوة الفصائل تأتي في إطار سعيها إلى تثبيت حضورها داخل العمل السياسي، وتهيئة نفسها لدخول حكومة علي الزيدي.
المشرق-العربي 5/6/2026 12:06:00 PM
في المقابل، لا تزال جهود الوسطاء مستمرّة...