الرّوائي الكويتي عبد الله البصيص: تسير الجموع إلى التّفاهة وهي مرفوعة الرأس
غير أنّ أفكاره كانت أشدّ شساعة من أن تتحمّلها موازين القوافي والأوزان، لتتخلق على هيئة قصص قصيرة حملت عنوان "الديوانية".
ولكن يبدو أن أفكاره كانت تطمح إلى مساحات أوسع للحكي وطرح مكنونها يفوق حدود القصة القصيرة، لترتدي ثوب الرواية في كتابه الروائي الأول "ذكريات ضالة"، فأثبت عن قوة أفكاره وجرأتها كروائي شاب.
روايته الأولى صنفتها مجلة فايس الأميركية كواحدة من ست روايات ممنوعة في العالم العربي، ليواصل تحدّيه في رواية ثانية تحمل طابعاً فلسفياً مغايراً بعنوان "طعم الذئب"، والتي حازت جائزة أفضل كتاب عربي في مجال الرواية في الدورة السادسة والثلاثين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2017، كما أنها ترجمت لعديد من اللغات أبرزها اللغة الصينية.
بعد سنوات، جاءت روايته الثالثة "قاف قاتل سين سعيد" لتحظى بمكانة بارزة خليجياً وعربياً عقب تتويجها في القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية عام 2021، مواصلاً رفده الروائي الخلاب بروايته الجديدة الصادرة حديثاً بعنوان ذات بعد فلسفي "الإنسان مخلوق وحيد" عن منشورات وسم. رافضاً الحديث عنها، مفسحاً المجال لمخيلة القارئ في الكشف عن مجاهيل حكاياته وشخصياته.
ولعلّ أبرز ما يميزه ككاتب وكإنسان هو نأيه عن الأوساط الثقافية التي تصطخب بالعلاقات النفعية، ويرى أنّ محاربة الشللية هو واجب إنساني على كل كاتب حرّ يؤمن بالموهبة الخالصة واستحقاق الخام للدُرْبة الخلاقة، لهذا قدم استقالته من رابطة الأدباء الكويتيين العام الفائت.
واحتفاءً بإصداره الروائي الصادر حديثًا نجري معه هذا الحوار والذي يضع فيه الروائي ( عبد الله البصيص) معين تجربته ككاتب للحكايات وكإنسان تستحكمه الحياة بمشاغلها الروتينية الخاصة والعامة في آن.

*يبدو أن عام 2009 في مشوارك الكتابي كان حافلاً بالشعر والقصة. شاركت في برنامج "شاعر المليون" بديوان شعر نبطي. هذه البداية تماثل بدايات معظم كتاب الخليج والعالم العربي، يدفعهم الشعر إلى غواية الكتابة، ولكن هذه الغواية نفسها تتلاشى بمجرد ما يلج الشاعر نفسه عتبة القصة، لتستملكه بدرجة تورطه معها في عوالم السرد العريضة كالرواية. لن أقول لما ولجت عالم الرواية لكني أتساءل عن الشاعر الذي كنته أين تلاشى؟ هل تلاشى حقاً؟
- لا يزال موجوداً، يرى ويسمع ويتأمل ويتساءل. كتبت الشعر لأتأمّل، وكتبت الرواية لأتدبّر. هما سيان عندي. لدينا نحن العرب فهم مغلوط بما هو الشعر ومن هو الشاعر. فيما في اللغات الأخرى تكاد تختفي هذه الحدود بينه وبين كل من تدخل اللغة في صناعة فنّه، المسرح، الحكاية، الخطابة. كلما فكرت بهذا الاختلاف الواهي جزمت أن الشعر هو الحالة التي تنتج منها كل الفنون.
*كل رواية من رواياتك تحمل طابعها المنفرد، البناء السردي، الصوت الخاص، أمكنة وأبطال متباينين... ثيمة الصداقة في رواية "ذكريات ضالّة" إلى أجواء البداوة والفضاء الصحراوي في "طعم الذئب"، بينما روايتك "قاف قاتل سين سعيد" ذات رؤية بوليسية بتكنيك تلفزيوني تشي عن روائي يميل للمغامرة في السرد. هل تخطط لذلك سلفاً أم أن الكتابة نفسها تمضي لتتخذ الهيئة التي تلائمها؟
- كل رواية تفرض بناءها بحسب المقصد منها. ليس هذا فحسب، بل وحتى طولها وقصرها وزاوية النظر. كل تقنية في الرواية تأتي كضرورة فنية. إذ إن البناء يجب أن يكون هندسياً مدروساً ويتوافق مع الفكرة الكلية. وإلا لكانت حكاية عبثية مهما كانت ممتعة. حين أبدأ الكتابة يكون لدي تصور شفاف عن الطريقة التي ستكون عليها، وبعد ذلك يبدأ النص يحدد لي ماذا يريد حتى يكون مماثلاً للفكرة. وقد أنتهي فأجد أنني لم أوفق في معمارها، فأعيدها من جديد. وهذا ما حدث في روايتي القادمة "الإنسان مخلوق وحيد".
- تستدعي رواياتك "قاف قاتل سين سعيد" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية الكويت في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته. الكويت التي كانت من أوائل من رفدت المنطقة الخليجية بالمعرفة والفن والثقافة.
ولكوني ولدتُ وترعرعتُ في الإمارات، ظلّت الكويت حاضرة في ذاكرة جيل التسعينات التي تخلقت كصروح مكانية لها تاريخها أيضاً، لها شواهد حتى اليوم كالمستشفى الكويتي والشارع الكويتي، وهو عبارة عن سوق معروف وعتيق في إمارة رأس الخيمة...
*هذه المرحلة ككويتي كيف كان تأثيرها عليك ككاتب؟ وما تأثير الحداثة على الكويت؟
- الكويت في الثمانينات كانت العصر الذهبي لجيلي المولود في هذه الفترة. لا أعلم هل لأنها مرحلة الطفولة المدلّلة، أم لأن الكويت كانت في عز تألقها، بالرغم من أن التألق لم يبهت حتى أواخر التسعينات؟ لكن الثمانينات كانت مهمة لنا، لأن أغلب من يتصدر الساحة الثقافية الآن، والفنية هم من أطفال تلك المرحلة.
جيل السبعينات يقول إن السبعينات كانت العصر الذهبي. كلّ جيل يعجب بالأثر الذي تركته فيه طفولته. الثمانينات كانت سنوات المسرحيات الرنانة، والأعمال التلفزيونية المؤثرة، حتى مسرح الأطفال كان في عز تألقه تلك الفترة، وكان الشعر في المدارس يلقى في طوابير الصباح بنبرة حماسية. وكانت مكتبات المدارس نشطة. ربما هذا هو المؤثر. الأدب وما حوله من الفنون. الآن فُقدت الحماسة له، وتوجه أبناء الجيل إلى الصورة فراجت الماركات وعمليات التجميل.

*كونك من البادية وابن الصحراء، وهي الوجهة التي انطلقت منها روايتك الثانية "طعم الذئب"، وهنا أستدعي تجربة الروائي الليبي إبراهيم الكوني الذي تبحر في عوالم الصحراء ومجاهيلها ببراعة مدهشة، وأستعيد أيضاً تجربة الروائي "عبد الرحمن منيف" الذي اتخذ من البادية وجهة لسرد تجربة السعوديين ما قبل اكتشاف النفظ. فهل تجد الصحراء بيئة خصبة لرفد الحكايات؟
- الصحراء هي بيئة الحكايات العربية، في كل دولنا العربية. من المغرب إلى الخليج. تراثنا بدوي. حتى أبناء الجبال والساحل والأرياف، لديهم هذه السمحة الصحراوية الساحرة في حكاياتهم وحتى في أغانيهم الشعبة. الصحراء تحتمل كل حكاية وأي حكاية. لدينا إرث ضخم، جاهلي وإسلامي؛ فيه من الفانتازيا والواقعية السحرية، والواقعية الخالصة، وأدب الجريمة وحتى القصص البوليسية. والسير الذاتية والتراجم. ومكتباتنا مليئة بالمجلدات التي تحتوي على هذا المعين.
*أحيانا الحياة تخيّر الكاتب ما بين الكتابة أو نفسها .. ما بين مشاغل خارجية تهطل من سماوات شتى كالسفر، دفع فواتير الغاز، الخدمة العسكرية، شؤون عائلية، أو عوائق أخرى تتسرب في داخل الكاتب كالإسمنت، وما بين الحياة الأخرى الغائرة في عمق الروح... فهل ستتنازل الحياة عن حقوقها في حياة الكاتب؟ هذه الحياة التي تتآمر لتبقى، لأن الحياة مليئة بالأشياء التي تتآمر على إبعاد الشخص عن الأدب. فكيف تتغلب على هذا التآمر في حياتك اليومية؟
- الأدب يستقي مادته الأساسية من الحياة، فلا ينبغي أن ينقطع عنها إذا أراد الاستمرار. لكن لا بد من التضحية بالوقت. فالكتابة تحتاج إلى الكثير من الوقت، المزيد من العزلة، وأخذ الحد الأدنى من الواجبات الاجتماعية. قلة الأصدقاء هو أمر طبيعي للكاتب الذي يريد أن يكتب أعمالاً جادة. لا شك بأن لديّ أصدقاء كثراً وواجبات اجتماعية تنازعني أوقات مكتبتي، الأمر معقد ولا أعرف من يتغلب على الآخر، ففي النهاية يخرج العمل الذي أكتبه بعد سنتين أو ثلاث. هل كان من المفترض أن يخرج بسنة؟ لا أعلم.
*الكتابة ليست علاجاً فحسب؛ بل هو اكتشاف المجهول، وجسّ ما لا يمكن النيل منه عبر الواقع .. الكتابة مشروع خيال .. والخيال مشروع اختراع. كيف تتأتى لك الأفكار الروائية؟ هل هو استغراق في الماضي. الطفولة. المراهقة. أم هو محاولة لاستشفاف المستقبل؟
- تبدأ أولاً كفكرة. ربما تكون عادية. ثم يطول التفكير فيها من زوايا عدة، حتى أجدها تلح علي بالدرجة التي أسمع فيها صوتي يقولها بنبرة متعجلة. قد أرى أن أفضل طريقة للتعبير عنها هي في كتابتها كقصيدة، أو مقالة، أو قصة، أو رواية. (في الآونة الأخيرة صرت أفضّل الرواية لأنها أفضل جنس أدبي يطلق طاقة الخيال والتعبير). وبعد ذلك تأتي أول كلمة، ثم أول سطر، فأول عبارة. فتتملكني حتى أكتب آخر كلمة في آخر سطر في آخر عبارة، ويكون قد مضى سنة وربما أكثر. ثم تبدأ عملية الصقل. في رواياتي كلها لم أحاول الاكتشاف ولا اختراق الحجب. كانت محاولات للفهم فقط. فهم كيف تسير بعض الأشياء وتتطور.
*هناك وصفة سحرية سار على تطبيقها الروائي التركي أورهان باموق كانت وراء إنتاجه الغزير حتى وقتنا هذا. تلك الوصفة أو المبدأ أطلق عليها باموق تسمية "الكاتب الضمني"، فحين لا يكمل نصاً من نصوصه يتخيل كاتباً ضمنياً يكتبه عوضاً عنه وتفلح معه هذه الوصفة لاستكمال روايته. هل ثمة مشاريع استعصت عليك وشعرت بأن ثمة مؤلفاً ضمنياً يدفعك دفعاً لاستكمالها؟
- -لا
-
-

- *في حوار خاص مع الروائي المصري خيري شلبي طُلب منه إبداء بعض النصائح للكتّاب الشاب. فمن ضمن ما وجهه من نصائح: ألا يغتر هذا الشاب في بدايات مشواره الكتابي بمحافل الشلل. على حد قوله "يعدون في المقاهي يهرشون لبعضهم البعض، حتى يصلوا لمرحلة يفكرون بفكر واحد وقاموس واحد وأفكار واحدة. أسماؤهم تردد في المحافل والندوات وحين يصدر أحدهم كتاباً، مئة واحد يعمل عنه خبراً، ومئة واحد يعمل له ندوات وحوارات. يعتقدون أنهم حققوا نجاحاً". أين أنت من الشلل في الوسط الثقافي لا الكويتي فحسب بل العربي عموماً، الشللية نفسها التي تسللت في حسابات وسائل التواصل الاجتماعية؛ فبعدما كانت وباءً محلياً على صعيد الصفحات الثقافية صارت وباءً عالمياً افتراضياً؟
- هذا وباء عالمي، ليس فقط في الأدب بل وفي كل المجالات. إلا أن خطورته في الأدب والفن هو أن التطبيل للأعمال التافهة يفسد الذوق العام، فينشأ جيل يحسب أن التفاهة عظمة، وبعدها تسير الجموع إلى التفاهة وهي مرفوعة الرأس. هذا هو الذي نخشاه، والذي سيكون واقعاً مع الأسف في الأجيال المقبلة، لذلك فمحاربة الشللية واجب إنساني على كل ذي عقل. وعن نفسي كان لي موقف منها عندما استقلت من رابطة الأدباء الكويتيين العام الفائت.
*تكتب رواياتك بلغة محلية خاصة. يجد فيها القارئ تأثير البيئة التي انغمست فيها. الواقع الذي تنتمي له، ولكن على الرغم من ذلك تمكنت رواياتك من تخطي محليتها لتجد لنفسها مكانة عربية بارزة عند القارئ العربي. فهل الجوائز هي مبعث هذه الشمولية أم الأمر يعود إلى كون القارئ أصبح متحفزاً للروايات الخليجية عامةً؟
- لا يمكن إنكار فضل الجوائز في هذا الشأن. كسرت الدائرة التي كانت مراكز الثقافة تحتكرها لبعض الدول دون أخرى. وأيضاً لأن مستوى جودة الإنتاج الأدبي ارتفعت بعد الجوائز فصار القارئ العربي يثق بكتّاب لغته. الأمر ليس للمحلية فيه شأن. فقد قرأنا روايات وشعراً ومسرحاً من لغات ليست عربية وفي زمن ليس زمننا ومع هذا تأثرنا بها. فالأدب ليس له جنسية ولا تحده ثقافة شعبية معينة. كل ما في الأمر أن الجائزة أقنعت القارئ بأن في الوطن العربي من يستحق القراءة.
*أسهم الانفتاح الإعلامي في قنوات التواصل في تقليص الحدود المكانية. كما أسهم في كسر الحدود، نتج من ذلك ظهور كتّاب روائيين يخوضون مغامرة الكتابة خارج حدودهم الجغرافية. نتجت منها كتابات روائية تنم عن مهارة، وكأن الكاتب منتم حقيقي لا مجازي لتلك البيئة الغريبة المجهولة. هل تغريك الكتابة خارج بيئتك الخليجية، خارج حدود هويتك. هل يمكن أن تخوض مغامرة كتابة رواية بطلها أفريقي أو هندي أو أوروبي مثلاً؟ وهل تغريك الكتابة عما لا تعرفه؟
- لا أجد حرجاً في ذلك إذا استدعت الفكرة ذلك. لكن لن أتعمد هذا لمجرد أنني أريد أن أكتب خارج بيئتي، ولن أجعل البطل أفريقياً أو أميركياً لأنني أريد أن أخوض مغامرة. الوسيلة هنا هي الغاية نفسها.
*الرواية الخليجية قطعت شوطاً هائلاً نحو العالمية، لا سيما بعد فوز الروائية العُمانية جوخة الحارثي بجائزة بوكر العالمية عام 2019 عن روايتها "سيدات القمر" التي تُرجمت إلى العديد من اللغات العالمية. ما رأيك بالروايات الخليجية عموماً؟ وما الرهان المقبل الذي تحمله من وجهة نظرك؟
- الرواية الخليجية هي اليوم من أفضل إنتاج الأدب العربي، قبل فوز الروائية القديرة جوخة الحارثي بجائزة البوكر العالمية. ولكن عالمياً لم تأخذ الرواية الخليجية والعربية ما تستحقه حتى الآن. وصلت رواية "سيدات القمر" بفضل سلطة الجائزة وليس لأنها قُرئت واستحسنها الجمهور. أنا لا أتحدث عن الجودة هنا بل أقصد الضوء. الرواية الخليجية - بالرغم من تفوقها على الكثير مما تأتينا به الترجمات – متأخرة عالمياً بسبب عدم وجود مؤسسة ثقافية جادة تجذب الأضواء إلى الإنتاج الأدبي، الخليجي والعربي، حتى يصل إلى القارئ الأجنبي وقتها سيكون للرواية الخليجية حظوة بلا شك.
*ما آخر رواية خليجية قرأتها وما رأيك بها؟
- رواية "باقي الوشم" للروائي الكويتي عبد الله الحسيني. عمل أذهلني بواقعيّته.
نبض