"أحلام سعيدة"... كوميديا بصناعة نسائيّة
اعتادت الفنانة يسرا خلال المواسم الدرامية الرمضانية تقديم أعمال ذات صبغة التشويق، أو تلك المليئة بالصراعات، لكنها أطلّت هذا العام عبر عمل مختلف ذي ثيمة هادئة عبر شخصية «ديدي هانم» أو فريدة، ضمن حوادث مسلسل "أحلام سعيدة"، حيث السيدة الأرستقراطية التي تقطن «الزمالك» أحد أرقى أحياء القاهرة، وهي شخصية ناقمة على كل من حولها، سواء كان أباها الراحل وأخاها وحتى نجلها.
تدور الحوادث حول ثلاث سيدات في منتصف العمر وهنّ (فريدة وشيرين وليلى) من طبقات اجتماعية مختلفة، يعانين الأرق وصعوبة في النوم، ويتعرّضن لنوبات القلق والكوابيس والأحلام غير السعيدة بخلاف عنوان المسلسل، ويجمعهنّ القدر معاً ليخضن تجارب ستساعدهن في التغلّب على مشكلاتهن ومواصلة حياتهن بطريقة أفضل، حيث يصبحن صديقات مقربات ويحاولن مساعدة بعضهن البعض في تجاوز أزماتهن ومواصلة حياتهن التي يظللها القلق.
يسرا (فريدة) مطلقة ومي كساب (ليلى) متزوجة ولا تنجب فتزوج عليها زوجها، وغادة عادل (شيرين) شارفت على الأربعين ولم تتزوّج، وتتعرّض لضغوط شقيقتها من أجل الزواج، رغم أنّ قصة العمل تبدو عادية، لكنّ حوادث وشخصيات المسلسل عذبة وجذابة وعميقة، فتجعل المشاهد تواقاً لمتابعة يوميات هؤلاء النساء، خصوصاً أنّ حوادثه غير متوقعة.
لا يمكن تصنيف العمل أنه مجرد مسلسل كوميدي، بل هو مسلسل اجتماعي تداخلت فيها الكوميديا فلطفت أجواءه، واعتمد على كوميديا الموقف لا الكوميديا الصارخة القائمة على إلقاء الإيفيهات أو الاستظراف.
![]()
روح الفريق
ظهرت خبرة السنوات في أداء يسرا كممثلة مخضرمة عبر تجسيد السيدة الأرستقراطية المتعجرفة الحادة الطباع من دون تكلف، بل بتلقائية غير مصطنعة، حتى إن بعضهم قارنها بشخصية بكيزة هانم التي جسّدتها الفنانة الراحلة سهير البابلي في مسلسل «بكيزة وزغلول».
كما أجادت تجسيد دور الكفيفة بعدما فقدت بصرها بسبب حادث سير ضمن حوادث العمل، وظهرت براعتها من خلال حركات جسدها وتعبيرات عينيها المحدقة مثل أي كفيف لا ترمش عيناه، كما أنّها استخدمت حواسها الأخرى مثل اللمس والسمع ضمن التمثيل فبدت طبيعية بشكل لافت، لتجعلنا يسرا نتعاطف تارة مع «فريدة هانم» بعد إصابتها بالعمى، وتارة نستهجن تصرفاتها وطباعها الحادة في آن.
كانت الملابس الأنيقة المنتقاة ليسرا أحد العناصر اللافتة في المسلسل، وأثارت أناقتها تساؤلات الفتيات والسيدات على مواقع التواصل الاجتماعي رغبة في اقتنائها أو شراء هذه الموديلات المميزة.
رغم نجومية يسرا، تظلّ حريصة خلال أعمالها طوال مسيرتها عموماً، وخلال السنوات الأخيرة خصوصاً على وجود نجوم معها بجانب تقديم بعض الوجوه الجديدة سنوياً، فهي لا تتعالى على الأجيال الجديدة، فهي نجمة العمل لكنها لا تستأثر به وتمنح من معها مساحة للحضور والظهور، فلا تجعل نفسها البطل الأوحد، إذ يبدو أن يسرا تؤمن بأن النجاح الحقيقي يأتي من خلال «فريق العمل».
تعتمد على العمل الجماعي، وربما ترهن نجاحها بالعمل بروح الفريق، فهي واثقة في نفسها ولا تخشى من نجومية آخرين معها، فظهرت معها في بطولة المسلسل غادة عادل ومي كساب وشيماء سيف وآخرون.
كما يرتبط نجاح المسيرة التلفزيونية ليسرا مع شركة «العدل غروب»، فهي الشركة المنتجة لأعمالها الرمضانية السنوية، حيث يبدو التناغم واضحاً بين الطرفين، ويبدو أن نجاحهما معاً ليست مصادفة بل وفق خطة عمل وتخطيط ورؤية.
نسويّة غير صارخة
العمل من تأليف الكاتبة والمخرجة هالة خليل، وهي صاحبة بصمة ورؤية متفردة رغم حجم أعمالها القليل، إذ لا تتعمّد الكتابة عن النساء، ولكن يخرج أبطالها من النساء تلقائياً، وكتاباتها الدرامية، سواء التلفزيونية أو السينمائية عن المرأة، تجعلها أقرب لكاتبات "الأدب النسائي" اللاتي لا يتعمّدن الكتابة عن السيدات، فهي لا تقرر أن تجعل أبطالها "نساء"، لكنه يحدث ذلك تلقائياً، فتكتب عن عوالم تعرفها واقتربت منها، خصوصاً أنّ عالم النساء شديد الثراء وتعرف عنه النساء أكثر من الرجال، وتتميز خليل بأنها قدمت هذا العالم بتفاصيله الدقيقة والجميلة في آن.
يبدو المسلسل "نسوياً" من خلال حياة بطلاته، لكنها ليست النسوية ذات الشعارات الزاعقة أو المستفزة، بل تناقش هموم النساء ومشكلاتهن وتناقضاتهن التي تعكر صفو حياتهن، فنجد أنفسنا أمام سيدات طبيعيات لكنهن حائرات كحال الكثيرات منا.
المسلسل حوادثه جاذب، يجعلك حريصاً على متابعة الشخصيات ومساراتها وتطوراتها لسيدات جمعتهن جلسات تعافٍ نفسي بسبب عدم قدرتهن على النوم، فتتحول إلى صداقة عميقة تذكرنا بفيلم هالة خليل "أحلى الأوقات"، مع اختلاف التفاصيل، حيث تجيد خليل التتبّع والغوص في حنايا وزوايا بطلاتها ونسجها ببراعة ومحبة تنتقل بدورها إلى الجمهور، فتجد نفسك واقعاً في حب أبطالها وحريصاً على متابعة حياتهن وتفاصيلهن، حتى وإن كانت بسيطة أو رتيبة.
خرج عالم نسائي مختلف في قالب اجتماعي يتقارب مع طريقة خليل في الكتابة عن النساء، وهي قادرة على صياغة مشاعر المرأة وعرضها بعيداً من المبالغة، وتطرح من خلال البطلات الثلاث مشكلات عدة، منها مشكلة عدم التصالح مع الماضي والزوجة الثانية وعدم الإنجاب، ومشكلة الفتاة التي بلغت الأربعين غادة عادل مع الضغوط الأسرية التي تقع عليها لدفعها للزواج رغم عدم رغبتها.
![]()
بطولة جماعيّة
ضمّ المسلسل مجموعة كبيرة من النجوم، قادهم المخرج عمرو عرفة، فخرج الأداء بانفعالات غير صارخة عبر شخصيات تمثّل كل الأجيال والطبقات، غزلت حكاياتهم وتداخلت في بعضها البعض، ورغم أن القصة الرئيسية حول شخصية أرستقراطية تنتمي لأسرة ثرية، إلا أنه لا أثر للطبقية في هذ العمل.
كما أعاد العمل اكتشاف اثنين من الفنانين الكبار هما نبيل نور الدين وعماد رشاد، في أداء أدوار كوميدية تعتمد على الموقف لا الكوميديا الصاخبة المباشرة، بينما جاء الأداء التمثيلي لغادة عادل باهتاً، مع حضور واضح وأداء متميز للفنان محمود.
أما شخصية ليلى «مي كساب» فتقدم نموذج المرأة التي تنحصر حياتها في زوجها الذي تزوج عليها بسبب عدم إنجابها، فألغت ذاتها وطموحها من أجله، وهي تشابه كثيراً من السيدات اللاتي تخلين عن ذواتهن، وأدّتها كساب ببراعة، وبدت سماتها الشكلية وأداؤها قريباً من هذا النموذج من النساء الذي نراه حولنا كثيراً في المجتمع.
حكايات فرعيّة
«أحلام سعيدة» حكاية رئيسية تفرعت منها حكايات عدة، لكن دون المساس بالقصة الأصلية، ودون تشتيت للجمهور، بما تضمنه من مشكلات النساء. فتخلق حالة من التفاعل مع الشخصيات والتعاطف معهن وترقب ردود أفعالهن تجاه المواقف التي تواجههن. وإحدى هذه الحكايات الفرعية هي عائلة نيفين (انتصار) وأنسي (هشام إسماعيل) وأبناؤها، التي تمنح الشعور بالدفء العائلي، وإبراز أن مسؤولية المنزل مشتركة بين الرجل والمرأة بطريقة بسيطة.
رغم أن المسلسل لم يأخذ ضجة كبيرة مع بداية عرضه خلال موسم رمضان، لكنه استطاع المنافسة وصمد أمام مسلسلات أخرى حصدت ضجة كبيرة وتوقع الجميع لها النجاح عند بداية عرضها، ولكن خابت التوقعات وأثبتت فشلها، ليتوالى بمرور الأيام حجم المتابعة ويترك بصمة جيدة لدى الجمهور، والمؤكد أنه سيحصد مزيداً من النجاح عند إعادة عرضه عقب انتهاء موسم دراما رمضان المزدحم.
مسلسل «أحلام سعيدة» من بطولة يسرا وغادة عادل ومي كساب وشيماء سيف ونبيل نور الدين وعماد رشاد ونور محمود، ومن تأليف الكاتبة والمخرجة هالة خليل وإخراج عمرو عرفة وإنتاج "العدل غروب".
نبض