28-02-2023 | 16:05

الكاتبة الإماراتيّة صالحة عبيد: أكتب كمن يبني لعبة "بازل" ضخمة

هي ابنة مدينة الشارقة، مدينة الفكر والثقافة والحكمة، التي يحج إليها آلاف الزوار من أقصى الأرض لزيارة معرض كتابها الذي يعدّ أحد أهم معارض الكتب في العالم. في هذه المدينة الثقافية الجميلة، تستقبلنا الكاتبة صالحة عبيد بحفاوة مرهفة وبابتسامةٍ تشع دفئًا؛ فالمدينة مدينتها. مدينة وجهاتها وذاكرتها الغضة تسيّرنا خلفها هائمين إلى مدينة الطفولة والحداثة في طرقاتها المشبعة بالماضي العريق. وفي مقاهيها الشعبية، تستضيفنا لتناول اللقيمات والبلاليط وكوب شاي كرك. والجولة تليها جولات إلى مطاعم القصباء حيث تضوع رائحة الأطعمة الشهية برائحة موجات البحر، فتروي صالحة أحاديثها بهدوء محبب كحكايات سردها المكتوب؛ حيث يغلب الترم الهادئ على معظم نصوصها القصصية "زهايمر"، " خصلة بيضاء بشكل ضمني" ، ورواياتها "لعلها مزحة"، "دائرة التوابل".
الكاتبة الإماراتيّة صالحة عبيد: أكتب كمن يبني لعبة "بازل" ضخمة
Smaller Bigger

هي ابنة مدينة الشارقة، مدينة الفكر والثقافة والحكمة، التي يحج إليها آلاف الزوار من أقصى الأرض لزيارة معرض كتابها الذي يعدّ أحد أهم معارض الكتب في العالم.

في هذه المدينة الثقافية الجميلة، تستقبلنا الكاتبة صالحة عبيد بحفاوة مرهفة وبابتسامة تشع دفئًا؛ فالمدينة مدينتها. مدينة وجهاتها وذاكرتها الغضة تسيّرنا خلفها هائمين إلى مدينة الطفولة والحداثة في طرقها المشبعة بالماضي العريق. وفي مقاهيها الشعبية، تستضيفنا لتناول اللقيمات والبلاليط وكوب شاي كرك.

والجولة تليها جولات إلى مطاعم القصباء، حيث تضوع رائحة الأطعمة الشهية برائحة موجات البحر، فتروي صالحة أحاديثها بهدوء محبب كحكايات سردها المكتوب؛ حيث يغلب الترم الهادئ على معظم نصوصها القصصية "زهايمر"، " خصلة بيضاء بشكل ضمني" ، ورواياتها "لعلها مزحة"، وأحدثها "دائرة التوابل" (منشورات المتوسط).

رغم الجوائز المهمة التي حصدتها كجائزة التبادل الإماراتي الإيطالي في القصة القصيرة، وجائزة العويس للإبداع، وجائزة الإمارات للشباب عن فئة الكتابة الإبداعية لأعمالها الأدبية. ومشاركتها في برنامج "آيوا" العالمي للكتابة من قبل جامعة ولاية آيوا الأميركية، هي لا تشغل نفسها بهاجس العالمية لكونها متشبثة بمساحتها الهادئة التي منحتها كامل انشغالها لتطوير أدواتها الكتابية بعيدًا من صخب العوالم الخارجية.   

ومن هذه التجربة انطلقنا في حديثنا معها، وكان لنا هذا الحوار:

 

* تحضر ثيمة "الرائحة" كمحرّك أساسيّ في حوادث روايتك الثانية "دائرة التوابل"، والمعروف أن ثيمة الرائحة حاضرة بقوة في الروايات العربية مثل "رائحة القرفة" لسمر يزبك، "تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم، "روائح ماري كلير" للحبيب السالمي، "رائحة الصابون" لإلياس خوري وغيرها.  أما عالميًا، فإنها تذكرنا مباشرة برواية "العطر" للألماني باتريك زوسكيند، التي فجرت من الروائح عطرًا مملوكًا بإغواء الموت. فما الذي أغواك لخوض عوالم الروائح في هذه الرواية تحديدًا؟

 

إذا توقفنا لحظة للتأمل، فسنجد أن كل موضوع أو ثيمة أو فكرة سبق أن تمّ تناولها بشكل أو بآخر، منذ أن أدرك الإنسان قوة المخيلة وقدرتها على خلق عوالم موازية، قد تساعده في فهم الواقع وتحليله جينًا أو في احتماله على الأقل في أحيانٍ أخرى.

كل فكرة أو ثيمة يتم تناولها، فإنها تُراكم على ما سبقها وقد تفتح نوافذ جديدة. ولعلّ الأمر أشبه بالشعور الذي يعترينا، فهو مهما بدا جديدًا علينا، فهو ليس من الجدة في شيء، فالحب المدهش هو تراكم دهشات من أول حب في تاريخ الشعور البشري حتى اليوم، والحزن المفجع الثقيل هو ثقل تراكمي من أحزان السلاسل البشرية وهكذا... أما ما يجعله مختلفًا فهو التجربة الخاصة كما يحلل نوربرت إلياس في مبحثه البديع "مجتمع الأفراد"، متحدثاً عن استحالة وجود الفرد الخالص والأدب المفرد والشعور الوحيد وهكذا.

هذا على المستوى العام، أما على المستوى الخاص، فإن الفكرة التي قادتني إلى هنا، كانت الغرابة الأولى التي جاءت في بالي عن الفتاة التي تولد من عطسة، قبل أن تكتشف تلك الفتاة لاحقًا قدرتها الخارقة على الشمّ، وهو أمرٌ ليس مألوفًا بين نساء تلك العائلة، ومن هناك تبدأ الحكاية، لتتحول ثيمة الرائحة لاحقًا إلى رمز للمسلوب غير المرئي من السيدات أحيانًا...

وتتداخل في التفاصيل لتعبر عما لا يسمح للمرأة بالتعبير عنه في مواضع أخرى وغيرها، هي دلالات مترسخة في التقليد الشرقي وظاهرة كرائحة نفاذة، ولكن يتم تجاهلها فقط لكونها كالرائحة شيئًا غير ملموس وغير مرئي. 

 

 

 

تسعى بطلة روايتك شريهان، المسكونة بهواجس الروائح البشرية والموت والمقابر إلى أن تكون طبيبة في مجال الطب الشرعي، حيث تشرف على جثث الأموات لتقرير طبيعة الموت وتوقيته.

لكنّ الوضع يبدو مختلفًا في الأعراف والثقافات الأخرى، فالأمر لا يتوقف على كتابة تقرير عن حالة الوفاة، وأنا أتذكر في رواية فرنسية قرأتها بعنوان "عقدة دي" لكاتبها داي سيجي، وهو من أصل صيني، كيف أنّ بطلها يدخل إلى غرفة تحنيط الموتى في المستشفى ليقوم بتجميل الأموات مع زميلة له. بينما في ثقافتنا العربية - الإسلامية نقوم بتغسيل الميت بكافور ومواد أخرى ثم تكفينه لدفنه في قبر. ففي ظل تباين الأعراف وطبيعة التعاطي مع جثث الموتى، ما هو البعد النفسي الذي تضفيه ثيمة الموت في الرواية؟

 

هناك الموت، الموت البديهي الذي يعرفه الجميع، ثم هناك الموت الآخر، الخاص، الحادّ، الضاري والمتوحش، والذي يباغتنا لكأنه شيء لم يسبق لنا أن واجهناه. 

ارتبط أمر تعرّفي على الشق الثاني من الموت أثناء خوضي تجربة مرض أمي بالسرطان، ليتفتح ذهني على سؤال الموت تفتحًا فادحًا، ومرعبًا. دخلت بعدها في مرحلة طويلة من التخبطات، وسؤال الموت هو سؤال المرحلة بحكم ارتباطه الوثيق بذلك المرض العضال، يرافقه غضب مستعر وشديد من ذلك المجهول، كنت أفتش، كمن هو مختنق بشكل متواصل عن بادرة للفهم تمكنني من التنفس. 

 

وفي يوم ما زلت أذكره جيدًا، كنت أمشي على امتداد ميناء الشارقة القديمة، فشعرتُ برائحة اليود طافحة من البحر وتوحي نسبيًا بجثة على وشك التفسخ. كنت أحاول أن أتعامل مع بعض الأفكار الطارئة من مرحلة جديدة في علاج والدتي، ذبت مع الجنسيات العابرة، وتساءلت: كيف ترى يتعامل كلٌ منهم مع المرض وسؤال الموت؟ لماذا يعبرون بمثل هذه اللامبالاة والاستكانة لمصائرهم في هذه البلاد الغريبة عنهم؟ شعرت بالغضب، ثم وجدتني أخرج جهازي اللوحي من سيارتي وأجلس في مكان بمحاذاة ذلك الميناء لأبدأ بكتابة ذلك الفصل الأول من العمل، وللمفارقة لم يكن عن الموت بل كان عن الغضب، كانت عبارة عن صفحة ونصف تتحدث فقط عن شخصية غاضبة، تحورت لاحقًا إلى شريهان وهي تحفر بمحاذاة سور المقبرة، ثم تركتها هناك معلقة، لم يكن في بالي أن شريهان ستكون رديفة لشما، ولم أتخيل الخطين، لكنني عدت لأستدعي شما وأمزجها بشيريهان والموت والغضب وهكذا.  

 

في موضع آخر، كنت أتأمل لوحة الدكتور توليب في درس التشريح لرامبرانت، أنا مأخوذة بهذه اللوحة منذ أن قرأت عنها في كتاب فني يتحدث عن تاريخ الموت في الفنون التشكيلية، عدت إلى تأملها من جديد وشعرت بأنها تخبرني بشيء حول شريهان والمقبرة، ومنها طرأت الفكرة الأولى حول فكرة تشريح الجثث ومزجها بسيرة شريهان بشكل ما، لفتتني أيضًا أناقة المتحلقين حول الجثة، لكأنهم أمام حدث مهم هو سبر الموت من خلال الجسد المتفسخ، ومن هنا شعرت بأن الثيمة تترسخ أكثر فأكثر في بالي.

 

 في تلك المرحلة، وبالتزامن مع الفصول، كنت دائمًا ما أفكر ماذا لو أنني حاولت أن أمسك بالموت لأحاول أن أكتبه؟ كتبت قصصًا قصيرة لم أنشرها، ومقالات تحليلية تحاول تشريح التجربة والإمساك بذلك الموت الخاص لمحاولة مهادنته حتى اكتملت الرواية، فهل ستكون الأخيرة في سلسلة التدريب على المهادنة؟ لا أعلم.. ما زلت في خضم التجربة، ما زلنا نحاول التعامل مع فكرة المرض والطريق المفضي إليه، وما زالت الربكة والحيرة هي ذاتها، لكن الكتابة طريق، والحكاية جسر للعبور، طريقٌ ممتد وأحبه.

 

 

 يقول الروائي نيكوس كازانتزاكس في "زوربا": "أنا أعتقد أن لكل إنسان رائحة خاصة، وأننا لا نلاحظ ذلك؛ لأن روائحنا جميعًا تمتزج بعضها ببعض، فيتعذر علينا تمييزها وردّ كل رائحة إلى صاحبها، كل ما نعلمه هو أن الروائح في مجموعها تؤلف رائحة واحدة خبيثة هي التي نسميها "البشرية"... في روايتك كان لجميع الشخصيات رائحة، عدا شخصية واحدة وهي شخصية "عزيز". هل هناك أشخاص لا رائحة لهم وغيرهم يحملون خليطًا ربما من الروائح؟

 

للتصحيح، عزيز يملك رائحة واضحة تكاد تكون هي الأكثر وضوحًا في العمل وأشارت إليها "شمّا" مرارًا، وسنترك للقارئ استكشاف دلالة تلك الرائحة أثناء القراءة.

على الجانب الآخر، هناك شخصيتان مبهمتان عندما يتعلق الأمر بالرائحة الأولى هي عبود بو راسين والثانية ناصر، ومنهما قد نصل إلى فكرة متعلقة بذلك الاستسلام المهادن لكلّ تفاصيل الحياة وناسها، والارتكان التام للحياد الذي وإن منح الأمر حياة يسيرة في بادئ الأمر فإنه يجرده من نكهتها ويجرد حضوره لدى الآخرين من ذاكرة خاصة ترتبط بهم، وهي في هذه الحالة كانت الرائحة. 

 

 

*قرأت قبل سنوات كتابًا قيًّما عن الروائح بعنوان "الرائحة أبجدية الإغواء الغامضة" من إصدارات "كلمة"، وفيه يستعرض المؤلف تاريخ "الرائحة" وتأثيرها في حياة الإنسان والحيوان، إن على مستوى الانفعالات والسلوكيات أو العاطفة والصحة. ومن الغرائب التي عرضها الكتاب هي أن رائحة الإبط التي تفوح من النساء المقيمات في سكن واحد تتزامن فترات الحيض لديهن في الوقت نفسه، فما تأثير الروائح على حياة بطلاتك بشكل خاص، وعلى النساء بشكل عام؟

 

الرائحة هي النواة التي انطلقت منها مصائر بطلاتي، كانت النعمة المباركة في مراحل قوة المرأة وتأصيلها ثم صارت اللعنة في الوقت الذي لم يعد فيه مسموحاً لأي أنثى بالظهور فقط لكونها أنثى، ثم تحول الأمر إلى مصير مرتبك بين الإثنين، هل لعنة أو نقمة، ذلك الاضطراب هو الذي حدى بشريهان إلى أخذ ذلك القرار الأخير في خاتمة حكايتها، أما فيما يتعلق بتأثير الرائحة على النساء، فأعتقد وقد يكون هذا اعتقاد شخصي، هو أن حساسية المرأة للعالم الماورائي للأشياء، هو أعمق من الرجل بشكل ما، الرائحة حدسٌ للأنثى، وعليها ربما قد تتخذ قرارات مصيرية مهمة، لكنها أيضاً لو ارتبط الأمر بهوية المرأة الشخصية، فقد كانت الرائحة طريقاً للحكم عليها واقصائها، في المخيلة الشعبية مثلاً، كنت أرتبك كثيراً من ربط الرائحة الطيبة بالمرأة المغوية سيئة السمعة، لماذا "أم الدويس"، هي الجنية التي تغوي الرجال لتقتلهم وهي تضوع برائحة العود- الذي أحبه جداً بالمناسبة؟ أظنه حكم ضمني على المرأة بانعدام أي شيء يميزها حتى ولو كان على سبيل الرائحة؟ لتخرج سلالة من النساء المهادنات بدون أي حدة، في تلك الحكاية رسم لمصائر ممتدة من أجيال من النساء اللواتي عاصرن  الحكاية وما بعدها أليس كذلك؟  

 

* كيف سيبدو شكل العالم لو أننا كبشر نتمتع بخاصيّة شم روائح حسية أخرى غير التي اعتدنا عليها. ماذا لو كنا نشم حقا رائحة الخوف؟ رائحة الضمير؟ رائحة الحرية والكرامة والظلم والاستبداد والفقر والغنى...

 

نسبياً الأمر موجود في ما يرتبط بالفيرمونات التي يفرزها الجسم، وهي المركبات الكيميائية التي قد تحدد التوافق الجسدي بين الذكر والأنثى، في الأمر رائحة مبهمة وتشبه الدمغة قد تحبها إحداهم في أحدهم وتنفر منه الأخرى وهكذا.

لكن لو تم تأصيل الأمر أكثر وارتبط لما هو أبعد من التواصل الجسدي للذهاب للبعد الروحي فإنني قد أتخيله سيكون عالماً مبنياً على التوجس فوق التوجس المقيم اليوم بيننا وسط ارتياب العلاقات وسيولتها التي لا تنفذ للعمق كما يشرحها زيغمونت باومان، الأمر يشبه ضمنياً أن نستمع لأفكار بعضنا البعض بصوت عالٍ، ضجيج مربك ولا يُحتمل، رغم إغراء الأمر.   

 

 

* اعتمدت الرواية كتكنيك على تحولات زمنية، بحيث تأخذنا الفصول إلى السامراء في العراق سنة 247هجرية – 861 ميلادية وتحديداً إلى شخصية الشاعر العباسي عبدالله بن المعتز، وهو أحد خلفاء الدولة العباسية وإن لم تدم خلافته سوى يوم وليلة بسبب اغتياله، وفي فصول أخرى نقف على دبي في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، فيما نتابع شخصيات أخرى تعيش في دبي اليوم. ما الذي جمع بين شخصيات الماضي والحاضر؟

 

أحب دائما ممارسة كتابة الرواية كلعبة بازل ضخمة وأحب أن يتشارك معي القارئ في لعبة فك وتركيب القطع المتناثرة، وهذا يشبه الروايات التي بقيت في ذاكرتي وهي من نوعية تلك الروايات التي كانت تشركني ذهنياً في الحكاية، كانت تلك متعتي التي لا تضاهى، وبالنسبة الى "دائرة التوابل"، فإن قطع البازل تمثلت في تلك الخطوط الثلاثة: "شيريهان" وغضبها المتفاقم وأشكاله المتعددة وحيرتها أمام حاسة خارقة تملكها ولا تعرف إن كانت نعمة أو نقمة، ثم "شما" التي تمثل سبباً للغضب الذي ورثته شيريهان، وحاستها التي مثلت مركز عالمها وعالم من حولها، وجعلتهم يتشكلون من خلالها بعدما كانت المرأة هي ما يتم تشكيله دائما من خلال ما ومن حولها، قبل أن تُسلب منها تلك القدرة وتتحول الى حسرة وغضب ورغبة في مقاومة اضمحلالها الشخصي جعلها تتجه لمحاولة إحياء الرؤوس الميتة ، ثم جاء ابن المعتز كتأصيل لفكرة الغضب، الغضب المتوارث عبر الأجيال والذي نملك جينات حرائقه عبر التاريخ الدموي، كلنا نتاج تلك الصراعات وكلنا كما ذكرت في إجابتي على السؤال الأول، لا نختبر أيّ شعور طازج خالص، بل هو الشعور، مركباً فوق مركب، وهذا ما يجعله أحياناً يأتي متفاقماً أكثر مما للموقف أن يحتمل، وهناك فاطمة، ربة الغضب وهي تخسر حبها، وربة الحاسة الخارقة وهي تكتسب ما يميزها لاحقاً لتتناسل السلالة، كل ذلك والمدن حول الشخوص تتغير وتتنامى، وتتغير، والمجتمعات تغير من شكلها الظاهري لكنها في العمق، لا تزال تحتفظ بارتباكها وغضبها وحيرتها وأسئلتها التي كثيراً ما تعالجها بشكل خاطىء كأن يعتبر الرجل تميز المرأة خطراً يلغيه مثلاً وأن يكون الوصول للسلطة هو طريق دموي أبدي متعدد الأشكال في مثال آخر.

 

 

*ما انطباعك عن المشهد الثقافي الإماراتي في الوقت الحاضر؟

 

هناك نقطة لاحظتها في المشهد الثقافي العالمي، وهي جزء من تعامل الإنسان مع كل شيء في عصور الاستهلاك والمشهد الثقافي الإماراتي هو جزء منها نسبياً، وهو أمر مرتبط بالفكرة التي لأجلها ننتج الثقافة، فهل نعبر نحن اليوم عن أفكارنا باعتبارها جزءاً أصيلا من كياننا الشخصي أم نمارسها وننتجها كشيء، كمادة، تضيف لما نمتلكه، كما نمتلك أي سلعة فارهة اليوم نجعها تحدد هويتنا، أستشهد هنا بإيريك فروم وهو يحلل بين ما بين ما نمتلكه وما نكونه فعلاً، كثيراً ما تطالعني هذه الفكرة كلما رأيت كاتباً/ كاتبة يتموضع بفخر مصطنع مع صور كتبه وأرتاع كثيراً شخصياً كلما رأيتني قد أتموضع في ذات الصورة اليوم، فهل أنا ما أملكه من كتب أو أنا ما أعبر عنه من أفكار بعيداً عن فكرة ما يجلبه ذلك المنتج من ضوء ولو كان يسيراً؟

هذا السؤال هو جزء من صورة المشهد الإماراتي اليوم، الكثير مما ينتج من الكتب هنا وهناك لكي يقول كثر أنه يملكون كتاباً وليس فكرة... والفارق شاسع، لكنه على الجانب الآخر ولا يمكن أن ننكر ذلك أيضاً وهو أمرٌ قد لا يتبدى حتى لأقرب جيراننا الذي يسطحون كثيراً من المشهد الثقافي الإماراتي ويحصرونه فقط في مؤسسات ثقافية كثيرة ومثقف إماراتي غائب أو سطحي، هو مشهد حيوي، يغربل بين فترة أخرى ، ويخرج بمشاريع رصينة تتأمل وتقرأ وتنتج بهدوء، ومتى ما استلزم الأمر فهي تحاور وتعبر بفرادة. 

 

 

*امتلكت الأصوات الإماراتية في التسعينات من القرن الماضي حضورًا بارزًا، لكنّ حضورها اليوم يبدو باهتا، ما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟ وهل انكفاؤهم عن الأضواء يبدو عزوفًا شخصيًا أم أنهم مبعدون إعلاميًا في ظل تسيّد كتاب العرب معظم الصحف والمجلات الإماراتية والمشهد الثقافي بشكل عام؟

 

الصوت الإماراتي المؤثر لا زال موجوداً، وأعتقد أن المشكلة في السابق والآن هي مشكلة أبعد من نطاق سيطرة جنسيات معينة فالإبداع في أساسه عابر للحدود ومتجاوز لفكرة محدودية الهويات في العرض والتلقي، لكن الفوضى هي المشكلة، فوضى التعامل مع فكرة الأدب وعدم النظر لفكرة النسبة والتناسب، فالأدب مثلا يحتاج وقتاً ومراناً وتأملاً بين نتاج ونتاج لكي ينضج، ويظل عدد الإماراتيين الفعلي في وسط مجتمع ومدينة سريعة التحرك والتطور قليلاً، ومن هذا القليل علينا أن ندرك النخبة وهي وصف حرفي هنا ولا يشير للنخبة بمفهومها المتعالي، بل أعني النخبة العددية التي ستمتلك مشروعاً إبداعياً حقيقياً ومثابراً وممتداً،ويحتاج صبراً ووقتاً تأملياً لكي يعبر بين فترة وأخرى عن نتاجه، السرعة المفرطة التي طالت كل شيء في التعامل مع النتائج والأدب أضحى جزء منها جعلتنا ننظر لهذا الوقت التأملي اللازم باعتباره غياباً، هذا لا يلغي وجود مشاكل من هذا النوع في الوسط الثقافي المحلي اليوم لكنها ليست جوهر الأمر من وجهة نظري، دعك من الأسماء الكثيرة المرتبطة بالبهرجة محلياً وخليجياً وعربياً وتساءلي كم منهم يملك مشروعاً حقيقياً ومثابراً وممتداً بعيداً عن التكرار والحرص على النتاج السنوي لمجرد البقاء في دائرة الضوء؟  

لم يكن الفلاسفة يوماً في الواجهة، ولا أمام الأضواء الباهرة، بل كانوا في وسط عروق المجتمع وطرقاته الهامشية يراقبون ويتأملون ويثيرون السؤال، السؤال الذي حولهم بعد التراكمية الزمنية وبعد رحيلهم بأعوام ربما إلى نجوم في الفكر الإنساني، الأدب وسيلة التعبير الفلسفية في وقتنا الراهن وسط غياب الشكل الأصيل للفيلسوف المتسائل.

 

 

 

*المشهد الأدبي الخليجي له حضور نوعي وحيوي، أين تجدين بوصلة الأدب الخليجي جغرافيا اليوم؟

 

أظن أن العالم اليوم، مرتبك من شكل الخليج الجديد، وهو ليس جديداً علينا، لكنه بقي غائباً عنهم بوعي قصدي أو بدون وعي ومحصور في خليج ما قبل الطفرة النفطية، مرتبك ويشعر بالفضول أيضاً، وهو الفضول المهم الذي يضمن لنا مكاناً على الخارطة، أي خارطة السؤال الإبداعي  

هناك عوامل عديدة جعلت العالم ينتبه للخليج الجديد ولعل أبرزها الجانب السياسي، شكل المملكة العربية السعودية الجديد مثلا وانتباه العالم إلى المنطقة بشكل مختلف ومنها الانتباه إلى ما ينتج من أفكار بشكل أكثر وضوحاً، الجوائز التي جعلت الغربي يواجه المرأة الخليجية الجديدة للمرأة الأولى كما هو الحال مع جوخة الحارثي في مثال آخر، لكن الصورة ستبقى مشوشة بدون مشاريع ترجمة واضحة للآخر، للغات الكبرى اليوم، التي ستساهم أكثر فأكثر في تكسير الصورة النمطية عن المنطقة الجغرافية ككتلة واحدة ليست لها تمايزاتها ومشاكلها وارتباكاتها وتناقضتها التي يجب أن يعبر عنها الأدب بصراحة.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/31/2026 2:25:00 PM
هل موقف بري الحازم والحاسم أتى لتوفير مظلة حماية للحكومة الحالية، أو لضمان حماية الحزب من نفسه ومن جموحه؟
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".