28-01-2023 | 11:54

الكاتب حنيف قريشي يأسر القرّاء بمذكراتٍ يومية من المستشفى

"ليس واضحاً إن كان بامكاني السير مجدداً، أو حتى امساك قلمي بيدي للكتابة مرة أخرى (...) أقصى ما أريده وأتمناه وأحلم به، القدرة على التقاط قلم حبر سائل كي أضع علامة على ورقة؛ أو أخطّ اسمي بمدّادٍ ليلكّي". هكذا، ومن على سريره في المستشفى، يسرد الكاتب البريطاني الباكستاني الأصل حنيف قريشي، تبعات المحنة الصحية التي ألّمت به أثناء زيارته الأخيرة إلى ايطاليا، ومحطات رحلة العلاج القاسية، عبر تغريدات متتالية على تويتر باتت محط ترقب وانتظار متابعيه حول العالم.
الكاتب حنيف قريشي يأسر القرّاء بمذكراتٍ يومية من المستشفى
Smaller Bigger

"ليس واضحاً إن كان بامكاني السير مجدداً، أو حتى إمساك قلمي بيدي للكتابة مرة أخرى (...) أقصى ما أريده وأتمناه وأحلم به، القدرة على التقاط قلم حبر سائل كي أضع علامة على ورقة؛ أو أخطّ اسمي بمدّادٍ ليلكّي".

 

هكذا، ومن على سريره في المستشفى، يسرد الكاتب البريطاني الباكستاني الأصل حنيف قريشي، تبعات المحنة الصحية التي ألّمت به أثناء زيارته الأخيرة إلى إيطاليا، ومحطات رحلة العلاج القاسية، عبر تغريدات متتالية على "تويتر" باتت محط ترقب وانتظار متابعيه حول العالم.

 

بأسلوبه الآسر الذي لا يخلو من المرح، يجرّد قريشي مخاوف كثيرين من انتكاسة صحية مفاجئة تشكل انعطافة في مسار حياتهم، وتؤثر جذرياً في مدى اعتمادهم على من حولهم. قد يتمنون سراً أن يسلموا مما يقاسيه هو الآن، لكنهم يرغبون في معرفة التفاصيل.

 

لذا، ازداد عدد متابعيه أربعة أضعاف في فترة وجيزة. أولوا تغريداته اهتماماً طارئاً. أغراهم، على الأخص، تصرفه النادر بمشاركة محنته عبر مذكراته اليومية أولاً بأول على الملأ، وبصراحة مطلقة، بينما تكون وسائل التواصل الاجتماعي عادة منصات لمشاركة الايجابيات والنعم والرفاهية.

 

في تغريدة أولى عن حادثة سقوطه في روما، قبيل انتهاء عام 2022 بأيام قليلة، قال قريشي: "أعزائي المتابعين، أود أن تعرفوا أنه في يوم البوكسينغ (اليوم الذي يسبق مباراة الدوري الإيطالي) في روما، وبعد نزهة مريحة إلى ساحة "ديل بوبولو"، تلتها أخرى عبر فيلا "بورغيزي" قبل العودة إلى شقتي، تعرضت للسقوط".

وأضاف: "كنت قد رأيت محمد صلاح يسجل هدفاً في مرمى فريق أستون فيلا، عندما بدأت أشعر بالدوار. انحنيت إلى الأمام وسقطت".

 

من غير الواضح لماذا أغمي عليه وهوى أرضاً، لكنه سقط بشكل قاسٍ، فلوى رقبته وأصيب الجزء العلوي من عموده الفقري إصابة خطيرة.

عندما استعاد حواسه، كان مستلقياً في بركة من الدم، غير قادر على تحريك ذراعيه أو ساقيه، بينما تحاول زوجته تهدئته بانتظار وصول سيارة الإسعاف. لاحقاً في مستشفى "جيميلي"، خضع لعملية جراحية دقيقة في عموده الفقري، قبل أن ينقل إلى مصحة للعلاج الفيزيائي للتعافي من شلل في الأطراف.

 

في تغريدته يذكر قريشي: "خطر لي حينها أنه لم يعد هناك أي تنسيق بين ما تبقى من ذهني وبقية جسدي. تطلّقت تماماً من نفسي، بل ظننت أنّي أحتضر؛ أن لدي ثلاثة أنفاس متبقية فقط".

 

 

تغريدة واحدة

تغريدة واحدة أملاها صاحب "بوذا الضواحي"، لابنه للرد على ما تداولته الصحف الايطالية من أخبار حول حادثته، كانت كفيلة بإشعال الإنترنت، وبتشكيل جمهور جديد يتلقف كتاباته اليومية، هو الذي سبق وأن احتل قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في بريطانيا.

 

ولأنه اعتاد أن يوظف بعضاً من سيرته الذاتية في كتاباته، كونه لم يكن يوماً من محبي الخصوصية المفرطة، وجد في ذلك متعة وبوابة أمل ومساندة لتخطي محنته، فأخذ يكتب تفاصيل يومه؛ كل ما يجري من أحداث وأحاديث بارزة في علاقته مع الأطباء والممرضات والمرضى الآخرين ومن يعوده من أصدقاء، فضلاً عن مناكفاته مع زوجته وأولاده بعدما أصبح قعيد الفراش وعرضة لتقلب المزاج.

 

يسرد الروائي وكاتب السيناريو والكاتب المسرحي والمخرج المعروف، في نثر حيّ ومؤثر دراما حاضرة ومستمرة، مستحضراً ذكريات الماضي أحياناً، ومتأملاً في الكتابة والفن والعلاقات الاجتماعية بحيث يصف العمق المرعب والمهيب للاعتماد على حب الآخرين وصبرهم.

 
 

توالت تغريداته فجاءت شجاعة وعميقة تارة، مرحة ومسلية تارة أخرى، يائسة حيناً ومفعمة بالأمل حيناً آخر. في إحداها، يقول:" يدي باردة وفاقدة للحياة. لكن السيدة "اس" (نزيلة في المستشفى) تصر على ضرورة أن أتخطى شعور الإشفاق على الذات. تؤكد أنني إذا ما تحليت بالعزيمة، قد أتمكن قريباً من التلويح بيدي للتاكسي في لندن، أو بإصبعي الوسطى لأعدائي!".

ويضيف: "أخبرتني صديقتي "اس" أنها إثر تعرضها لجلطة دماغية، لم تعد تتواصل مع الآخرين سوى بإغلاق عينها اليسرى أو فتحها، اليوم أراها تتجول على كرسيها المدولب في أروقة المستشفى، تطعمني بيدها، وتشاركني جهاز التدخين خاصتها... يا للّذة الدخان".
 

في تغريدة أخرى يتحدث عن مدى ولعه بأدواته، بوضع قلمه على ورقة بيضاء ليكتب "كلمة، فجملة، ومن ثم جملة أخرى، إلى أن يستيقظ شيء ما بداخلي، وأبدأ بسماع الشخصيات تتحدث (...) أكاد أجزم أن الرسامين والكتاب والمهندسين والرياضيين والجنائنيين يعشقون أدواتهم ويرون فيها امتداداً لأجسادهم. أتمنى يوماً ما أن أعاود استخدام أدواتي الثمينة".

 

لاحقاً، يدلف في ذاكرته، مسترجعاً كيف اهتدى، بعد هيامه الطويل بركوب الدراجة الهوائية بين الطرقات والحقول في ضواحي "كينت"، إلى شغفه بالقراءة، وفي النهاية إلى "الكتابة" التي باتت العنوان الأبرز لحياته.

 

لم يقترح أحد عليه ذلك، كان اكتشافه هو بالذات. عن ذلك يغرد: "في تلك الأيام، كان أهلنا أقل شبهاً بالشرطة. يعطونك قطعة نقدية صغيرة في الصباح، ولا يتوقعون رؤيتك في البيت حتى آخر النهار. كنت أقود دراجتي طوال اليوم، أتوقف كلما أردت الحديث مع شخص لديه قصة يخبرني بها (...) كنت في الرابعة أو الخامسة عشرة من العمر عندما قررت أن أصبح كاتباً. لم أظن أنني سأصلح قط لأي شيء آخر (...) في أحد الأيام، أسميت نفسي كاتباً، لاءمني ذلك كقميص أو قصة شعر جيدة، غمرني تماماً كما العباءة. (...) في مراهقتي، قرأت عشرات السير الذاتية. من بالزاك إلى بروست وزولا، ديكنز وكولين وهنري ميللر (...) لكن ساعدني كتاب لراي برادبوري حول الكتابة في التحرر من كل التحفظات والقواعد البائسة التي نتعلمها في المدرسة. علمني ألّا أكون حذراً، ألّا أكترث".

 

عن وضعه الجديد، يمازح القراء في تغريدة أخرى "لا أنصح بالتعرض لحادث مثلي، لكن الاستلقاء بخمول وسكون في غرفة أحادية اللون، من دون أي إلهاء، أمر جيد حتماً في ما يخص المخيلة. بحرمانك من الموسيقى والجرائد، تجد نفسك واسع الخيال (..) الأمر كما لو أنه علاج بالصدمة للكتاب العالقين في قفلة إلهام".

 

عن أحاديثه مع رفاقه من المرضى الآخرين، يؤكد أن معظمهم يظن أن العالم الخارجي ينظر اليهم بتوجس وخوف، كما لو أن إعاقتهم معدية، مشيراً إلى أن المحنة الصحية للفرد تسقط كالقنبلة على عائلته أيضاً، ليس عليه فحسب، ويترتب عليها إعادة صياغة العلاقات مع من يحب وكل من حوله.

 

 على اختلافها، لامست تغريداته قلوب من قرأها على "تويتر"، حتى أن أحد المتابعين كتب يقول: "نحن جميعاً نلازمك في غرفة المستشفى، نستلقي إلى جانبك، نجلس على سريرك، ونحدق في السقف معك. كتاباتك الجميلة تنقلنا كل يوم إلى عالمك".

 

اليوم، تستمر التغريدات الداعمة لقريشي، بجانب تقديم النصائح العملية والصحية له، وتبرز رسائل الحب والدعم والامتنان لمن اعتبروه نموذجاً غير اعتيادي للأمل والخيال في خضم الكارثة.

الأكثر قراءة

لبنان 6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان 6/6/2026 11:21:00 PM

أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.