27-11-2022 | 01:42

البيان الأخير ضد فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة الثّانية

​ أعود الآن لأكتب كيف كنا نسمع أغنية "وطني حبيبي الوطن الأكبر"في كل الأعياد والمناسبات والحفلات. بدأت انجذب إلى القراءة، وإنما قراءة الأدب والقصص لا السياسة ولا الاقتصاد ولا التاريخ. في مدرسة طاهر بك، كانت السياسة منذ طابور الصباح، فهناك مدرسان يتبادلان الحديث مثل محمد عروق وأحمد سعيد في برنامجهما "أكاذيب تكشفها حقائق" في إذاعة صوت العرب، وكان هذا يملأ الطلبة بالفخر.
البيان الأخير ضد فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة الثّانية
Smaller Bigger

 

أعود الآن لأكتب كيف كنا نسمع أغنية "وطني حبيبي الوطن الأكبر" في كل الأعياد والمناسبات والحفلات. بدأت أنجذب إلى القراءة، لكن قراءة الأدب والقصص لا السياسة ولا الاقتصاد ولا التاريخ.

في مدرسة طاهر بك، كانت السياسة منذ طابور الصباح، فهناك مدرّسان يتبادلان الحديث مثل محمد عروق وأحمد سعيد في برنامجهما "أكاذيب تكشفها حقائق" في إذاعة صوت العرب، وكان هذا يملأ الطلبة بالفخر.

كنت أتمنى أن أذهب إلى الحرب في هذه السنّ الصغيرة من أجل الجزائر وتونس والمغرب، وطبعًا فلسطين فوق الجميع.

تعلّمت وأنا في الخامسة الابتدائية أن أشتري الصحف، وكان السبب مدرّس اللغة العربية الشاب الذي كان اسمه حسان، ويقرأ لنا في الربع ساعة الأخير من الحصة مقالةً لطه حسين أو مصطفى أمين أو غيرهما.

رأيت في الصحف كلها عناوين موضوعات مثيرة عن القومية العربية، والتحرر من الاستعمار والثورات وغير ذلك، فلم أعد أرى العالم غير ما أسمع أو أقرأ في الصحف، وإن كنت في الأدب بدأت أقرأ الروايات.

طبعًا، منها عرفت الكتابة كما كتبت في كتابي "ما وراء الكتابة - تجربتي في الإبداع". كانت السينما التي ندخلها مرتين أو ثلاثًا أسبوعيًا رافدًا للمعرفة كما أوضحت أيضًا في كتابي "أنا والسينما". لكنّ المهم هنا هو السياسة، وأنّ فكرة القومية العربية كانت محرك الحياة حولي.

ماذا يمكن أن تعرف وليس حولك غير ثلاث صحف للدولة هي الأخبار والأهرام والجمهورية، ولا أحد فيها ولا في مَن حولك من أساتذة وجيران يتحدث بأي شيء سلبي عن الدولة ورجالها، وخاصة عبد الناصر ومن معه من رجال ثورة يوليو.

الإذاعات الأجنبية التي يمكن أن يكون فيها شيء مختلف عليها تشويش، ولا أحد من الأهل أو الجيران يفكر في ضبطها وسماعها.

رغم تشابه الأحاديث في السياسة، تقدم الإذاعات المحلية برامج جميلة مثل "ما يطلبه المستمعون" و"ألف ليلة وليلة" و"على الناصية"، وكلها برامج مسلية تتجمع حولها البنات والنساء، وأنا أهوى لعب الكرة الشراب المصنوعة من الإسفنج، وأهوى صيد السمك في بحيرة مريوط، وأهوى السينما، وكل شيء سهل بقروش زهيدة أو ملاليم كما نقول، والحياة جميلة، لقد صرت في الخامسة عشرة من عمري وأكتب روايات وقصصًا بنفسي، ساذجة حقًا لكن تفرحني. أسمع عن مصانع جديدة مثل الحديد والصلب في حلوان، والبترول والأسمنت في المكس في الإسكندرية، ومستشفيات جديدة أو تم تأميمها مثل المستشفى اليوناني الذي صار اسمه بعد التأميم مستشفى جمال عبد الناصر.

أشتري الكتب الرخيصة للقراءة أو أستعيرها من مكتبة البلدية أو قصر ثقافة الحرية – قصر الإبداع الآن – أو مكتبة المدرسة. كل شيء سهل جدًا والحياة بسيطة.

في عشرة قروش تشتري أمي سمكًا من الملاحة أو بحيرة مريوط، تقسمه بين كبير للقلي وصغير للشيّ وأصغر للدواجن والبط الذي تربيه فوق السطح.

أكل الدواجن والبط كلّه من البيت، والبيض كثير منه ذو صفارين، وليس حولك في السياسة غير القومية العربية ثم الوحدة مع سوريا، وحتى بعدما فشلت الوحدة فالحديث عنها لا يتوقف.

حدثت حرب اليمن وجنود من أبناء الجيران سافروا مع الجيش، ولكن لحسن الحظ لم يمت أحد ممن حولنا، فلم نعرف شيئًا عن الموتى. كانت حرب اليمن مفخرة جديدة أيضًا في الصحف والإذاعات.

كنت بعد حصولي على الإعدادية عام 1961 قد التحقت بمدرسة اسكندرية الصناعية في محرم بك. كانت جديدة بها فناء شديد الاتساع، ومطعم كبير نأكل فيه كل يوم غداء من الخضار واللحم أو الدجاج.

الأمر نفسه كان في المدرسة الابتدائية والإعدادية، لكنها كانت خالية من المطعم، فكان الأكل ساندوتشات توزع علينا.

نصيبنا مثلًا من السمن الهولندي الذي عرفناه لأول مرة نحن أهل السمن البلدي، كانوا يعطوننا إياه في شكل علبة تحتوي على كيلوغرام كل شهر لأنهم في الابتدائي والإعدادي لا يطهون الطعام.

ورغم أن أمي وجاراتها كنّ يقللْن من شأن هذا السمن فهو ليس مثل البلدي، لكنهن كن يستخدمنه أيضًا في الطهو، فهو ببلاش. عرفنا الجبنة الفلمنك لأول مرة، وسمعنا أن السمن الهولندي والجبن الفلمنك ضمن برنامج معونات أوروبية.

أدركنا أن ذلك صحيح بعد قرارات التأميم عام 1961، حين غاب السمن الهولندي والجبنة الفلمنك، ولم يظهرا إلا مع سياسة أنور السادات والانفتاح الاقتصاي والاستيراد الذي سيأتي الحديث عنه في حينه. لم ننشغل بالسياسة، فلقد كانت الجبنة الفلمنك جميلة وهذا هو المهم وليس مصدرها.

***

 

في الثانوي الصناعي عرفت تظاهرات جميلة. كنّا ندخل سينما الهمبرا، أو نذهب في رحلة إلى حديقة أنطونيادس أو حديقة النزهة، فيهتف بعضنا بجمل من نوع "يسقط المطر من السماء"، "يعيش السمك في الماء"، وغيرها.

عرفت لأول مرة أن زملائي يفعلون ذلك، لأن التظاهرات ممنوعة إلا إذا كانت بأوامر للخروج ضد الاستعمار أو بعض الحكام العرب أو أعداء القومية العربية.

كنت عرفت من قبل، من بعض الأحاديث التي تتسلّل حولي ممن هم أكبر مني أو أصدقاء لأبي، أن عبد الناصر ألغى الأحزاب، وكما قلت لم يشغلني الأمر، لكن الآن عرفت أنه كانت هناك أحزاب جيدة، وليس كما يقول الأساتذة في المدرسة، فحزب الوفد مثلًا كان محل تقدير من كل من حولي من الكبار وإن بصوت منخفض.

وسرت شائعة حين اختفت لبعض الوقت من الإذاعة أغنية "يا مصطفى يا مصطفى" لبوب عزام المصري، اللبناني الأصل، التي لحّنها محمد فوزي في بداية الستينات، أن ذلك كان بقرارٍ بمنعها لأن مصطفى مقصود به مصطفى النحاس زعيم الوفد، وكانت قد مضت سبع سنوات على إلغاء الأحزاب عام 1954، والأغنية تقول:

وله يا سماره يا غايب من زمان

 امتي راح أشوفك وافرح الجيران

 يا مصطفى يا مصطفى

 أنا بحبك يا مصطفى

 سبع سنين في العطارين

امتى هتيجي يا مصطفى

 أنا بحبك وانت ناسيني

والله بُعدك كان على عيني

 والنبي ما تنسى تبعتلي سلام

لقد أدركوا متأخرًا أنها أغنية عاطفية فأفرجوا عنها. ثم انتشرت في همس الأخبار عمن قُبض عليهم في جنازة مصطفى النحاس عام 1965 حين تحولت الجنازة إلى تظاهرة من الآلاف الحاضرين تهتف باسم النحاس باشا، وكانت هذه أول تظاهرة عفوية لا تنظمها الدولة منذ عام 1954.

سمعت أبي يتحدث في ضيق حين تولى زكريا محيي الدين رئاسة الوزارة عام 1965 ورفع أسعار بعض السلع فزاد سعر السكر والأرز قرشي صاغ.

لم يكن أبي وحده. كان هو وأصحابه الجيران في همس، وانتشرت نكتة صار فيها اسم زكريا محيي الدين "بطل رفع الأسعار".

الضيق نفسه شاهدته من قبل حين تم إلغاء "الأقة" كوحدة وزن، واستخدام الكيلوغرام وبيعه بالسعر نفسه، رغم أنه أقل من الأقة.

ولكن رغم ذلك كان كل شيء حولي جميلًا حقيقة. الشوارع ما زالت نظيفة تغسلها عربات البلدية كل يوم، والحدائق رائعة، والمدارس الجديدة تُبنى، وفصل المرحلة الابتدائية لا يزيد عن عشرين تلميذاً، وفصل المدرسة الإعدادية أو الثانوية لا يزيد عن ثلاثين، والمتفوقون يدفعون نصف المصاريف رغم ضآلتها وكنت منهم.

وفي الجامعة لا يدفع المتفوقون مصاريف بل يحصلون على مرتب شهري بين عشرة واثني عشر جنيهًا.

المصانع تم تأميم القديم منها وبدأت الخطة الخمسية لبناء ألف مصنع جديد، فكانت الوظائف يتم الحصول عليها بعد شهر على الأكثر من التخرج من الجامعة أو المدارس الفنية الثانوية.

الأسعار لا ترتفع كثيرًا، أو بحيلة كما قلت مثل منع وحدة الميزان الأقة واستبدالها بالكيلوغرام. صار التعليم مجانيًا وخاصة الجامعة التي كان مصاريفها ثمانية عشر جنيهًا فصارت أربعة جنيهات.

لا أحد يعرف أنّ في مصر معارضة، ولا صحيفة تتحدث عن المعارضة، وحولنا كل شيء جميل فما معنى الأحزاب وغيره. 

كانت الشعارات مصنعًا جديدًا كل عشرة أيام، ومدرسة جديدة كل أسبوع، وكتابًا كل ست ساعات، وكان هذا يحدث حولي وأمامي. وكانت أجمل سلاسل الكتب تصدر في مصر مثل روائع المسرح العالمي ومن الفكر السياسي والاشتراكي وروايات عالمية وأعلام العرب وإقرأ وغيرها وكلها بقروش قليلة. أعلام العرب مثلاً كانت بخمسة قروش وإقرأ بقرشين وهكذا.

وكانت السينما في أوج ازدهارها تنتج ما قد يزيد عن ستين فيلمًا في العام، وأكثرها عن روايات أدبية وكذلك المسرح في قمة ازدهاره، وكانت الرقابة منفتحة كثيرًا مع السينما الأجنبية فرأينا أفلامًا مهمة وعظيمة يطول الحديث عنها، كما أقامت الدولة أكاديمية الفنون ومعهد الباليه وغيره. وانتشرت قصور الثقافة مع تدشين مشروع الثقافة الجماهيرية. كانت القوة الناعمة في عز ازدهارها.

كان كل من حول عبد الناصر قد تعلموا في الفترة الملكية، فثقافاتهم كبيرة، أو لا يخجلون أن يلجأوا إلي مستشارين متخصصين. كان بين رجال الجيش والبوليس أنفسهم مثقفون وفنانون وكتّاب مثل ثروت عكاشة وسعد الدين وهبة وعز الدين ذو الفقار وصلاح ذو الفقار ومحمد علي أحمد مؤلف أجمل الأغنيات العاطفية. ما المشكلة إذًا؟

كنت قد تخرجت من المدرسة الثانوية الصناعية عام 1964، ووجدت عملاً بسرعة في شركة الترسانة البحرية، وهي مشروع جديد في منطقة الورديان بالإسكندرية.  وقعت هزيمة يونيو عام 1967 وسُميت بالنكسة.

كنت ناصريًا وكتبت عن ذلك، وكيف التقطني شيوعي من كرموز حدثني عن الاعتقالات والمعتقلات التي سمعت بها كغيري لأول مرة. طبعًا كان هناك من يعرف لكنه لا يتكلم.

انفتح الباب للمعرفة الحقيقية بعد الهزيمة، وقفز السؤال: ماذا كان سيحدث لو لم يلغ عبد الناصر الأحزاب؟ هل كان سينهزم؟ كانت الإجابة أنه كان سيعرف الأوضاع الحقيقية للجيش، وكان سيجد معارضة للذهاب للحرب في اليمن، وكان سيترك الحكم لغيره بعد دورة أو دورتين بالانتخابات، لا الاستفتاء الذي يأتي في كل مرة بنتيجة 99%.

كان مجلس الأمة – الشعب في ما بعد - سيشهد تنوعاً في الأعضاء والانتماءات، فيكون الخلاف من أجل الأفضل، لا كما هو قائم، فكل شيء تصنعه الدولة هو الأفضل.

دخول المرأة بقرار إلى مجلس الأمة بنسبة محددة جميل، لكن دخولها بمعارك انتخابية حقيقية هو الأفضل، فتعرف كيف تتمسك بمكانها. لم يكن رجال من الجيش سيتولون كل المؤسسات أو معظمها، ومنها مثلًا نوادي كرة القدم. فرئيس النادي الأوليمبي من 1963-1967 كان الفريق سليمان عزت قائد القوات البحرية.

ورئيس النادي الأهلي من 1965-1967 كان الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجى قائد الجبهة الشرقية في حرب 1967. وفي كل مناحي الدولة كانت قيادات عسكرية. كان لدخول الجيش في السياسة أثره السلبي. الديموقراطية كانت غائبة وهي سبب الهزيمة. هل كانت الديموقراطية موجودة قبل ثورة يوليو. سنرى.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.