ضجت وسائل التواصل بخبر وفاة الفنان الكويتي مشاري البلام (1971 ـ 2021) وانقلبت صفحات نجوم الفن في الخليج وجمهوره إلى سرادق عزاء.
كانت الصدمة كبيرة لأن الوداع عن تسعة وأربعين عامًا فقط وهو مازال في قمة النضج تاركًا وراءه خمسة أولاد.
تضاعف الحزن أيضًا لأنه قبل أيام من رحيله ظهر على التلفزيون وهو يتلقى اللقاح ويحمّس الناس، ما أثار اللغط حول فاعلية اللقاح. فهناك من علق بأنه تعرض ل "مضاعفات" أوقفت عمل الجهاز التنفسي بسبب تلقيه اللقاح وهو مصاب بالفيروس. وهناك من قال إنه إصابته عقب تلقيه الجرعة الأولى مباشرة، أي والجسد ليس في أفضل حالاته للمقاومة.
كما ساهم في اللغط توجيه إحدى المذيعات سهام الاتهام إلى ممثلة يجمعها "لوكيشن" مع الراحل، حيث واصلت التصوير مخفية إصابتها. ما دفع هذه الممثلة- رغم عدم تحديد اسمها- إلى التأكيد أن مشاري هو من اتصل بها وطالبها بإجراء فحص بعد تأكد إصابته.
ومع وضع مشاري في السوشيل ميديا صورة له من العناية الفائقة مطالبًا جمهوره بالدعاء له، وبعدما انتشرت إشاعة وفاته، ظهر ابن عمه الفنان حسن البلام في مقطع فيديو داعيًا الناس إلى عدم بث الشائعات.

روح مرحة
ثمة سبب ثالث للحزن، هو طبيعة شخصية مشاري داخل الوسط الفني، فهو شخص هادئ الطباع، بشوش، أنعم الله عليه بالقدرة على الضحك، حتى من أبسط المواقف. فكان يبث دائمًا بحضوره طاقة إيجابية مرحة. كأن هذه الروح، وتلك الطاقة، ما كانت لتستحق هذه النهاية الحزينة.
رغم قصر عمره نسبيًا إلا أن مسيرة مشاري الفنية بلغت ثلاثين عامًا، بدأها عقب الغزو مباشرة عندما عمل مع الممثل والمنتج عبد العزيز المسلم صاحب مجموعة السلام الإعلامية، في مسرحية "فري كويت" عام 1991 وكان من الواضح أن اسمها مرتبط بعملية تحرير الكويت من غزو صدام حسين.
كان هذا هو توجه معظم الأعمال آنذاك، إضافة إلى انتقاد ديكتاتورية صدام، وهو ما فعله الفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا في "سيف العرب" والتي ضم إليها مجموعة من الشباب أبرزهم طارق العلي ومشاري البلام.
لم يكن الغزو صفحة جديدة في حياة الكويت فقط، بل أيضًا في مسار الفن، كان هناك رغبة في البحث عن وجوه جديدة للشاشة الكويتية في مرحلة ما بعد الغزو.
لذلك ظهر مشاري في أدوار بسيطة ـ آنذاك- إلى جانب الفنانين الكبار- فاستعان به عبد الحسين عبد الرضا في محطات أخرى منها "سوق المقاصيص" و"الحيالة". كما استعانت به حياة الفهد في "سليمان الطيب"، و"الطير والعاصفة"، ونراه ايضًا مع سعاد عبد الله في أكثر من عمل مثل "زوارة خميس".
أدوار مركّبة
ولأن الدراما الكويتية في بنيتها تتشابه مع المصرية، خصوصًا في التركيز على النصوص الاجتماعية وصراع الأجيال بين الآباء والأبناء، لعب البلام لفترة طويلة دور الابن.
وعادة يأخذ "الابن" امتدادًا رومانسيًا مستندًا إلى "الوسامة"، لكن هذا لم يحدث معه حيث وجد المخرجون في ملامحه، رغم وداعتها، ظلالًا من اللؤم أو الشر، أو المرض. فحقق مشاري شهرته، عبر نوعية مركبة من الأدوار ظهر فيها مصابًا بالعته أو الصرع كما في "دروب الشك" أو الأصم الأبكم في "جرح الزمن".
اقتضى الأمر منه سبع سنوات من الصبر إلى أن تحققت له النقلة الأهم التي جعلته نجمًا شابًا، عندما لعب دور "ناصر" في مسلسل "دارت الأيام" الذي كتبته فجر السعيد، وأخرجه عبد العزيز المنصور.
لم يخرج العمل عن الصراع الاجتماعي التقليدي حول الأب الحالم بولد وريث، وعندما لا تمنحه زوجته إلا ابنتين يقرر الزواج عليها، ثم تتعقد الحياة بين الزوجتين وأبنائهما في مسارين مختلفين.
قدم العمل عام 1998، وحقق نجاحًا هائلًا، وصنع نجومية معظم المشاركين فيه، وتزامن مع انطلاق الفضائيات الخليجية بقوة، والتي حققت نقلة هائلة للدراما الخليجية لتخرج من حيز الشاشة المحلية، إلى شاشات العالم العربي كله.
كما كان هذا العمل المحوري من أبرز محطات الشراكة بين الكاتبة والمنتجة فجر السعيد، مع أبناء المنصور وهم محمد وعبد العزيز وحسين المنصور. لكن سرعان ما انتهت الشراكة، لتؤسس السعيد "سكوب سنتر"، وتبدأ في ضم مجموعة كبيرة من الشباب الذين نجحوا معها بعقود احتكار، وتشكل فريقًا دراميًا مهمًا كان مشاري البلام من أبرز هؤلاء.
وتوالى النجاح مع السعيد ومجموعتها في مسلسلات: جرح الزمن، وثمن عمري، ودنيا القوي، وعديل الروح، والإمبراطورة.
بعدها انشغلت السعيد بقناتها التلفزيونية، وتراجع حضور شركتها، مقارنة بشركات أخرى سيطرت على الإنتاج الدرامي في الخليج لمصلحة القنوات الكبيرة.
آنذاك كان مشاري حقق لنفسه الاسم والحضور، ليصبح من نجوم الصف الثاني، بحكم تراتبية الدراما الخليجية المعتمدة بالدرجة الأولى على أسماء الكبار في تسويقها. وربما يكون العام 2010 وهو الأبرز في مسيرته حيث شارك في ستة مسلسلات من بينها المسلسل التاريخي الممنوع من العرض "إخوان مريم". ورغم وباء كورونا إلا أنه في الشهور الماضية شارك في أربعة أعمال على الأقل.
وإذا كان تعاون البلام مع فجر السعيد هو محطة النجومية التي لا تُنسى، وهي نجومية جماعية بالدرجة الأولى، فإن محطته الأخرى المهمة كانت مع الفنان والمنتج عبد العزيز السلام، الذي منحه أول فرصة في حياته، واستمر التعاون بينهما في بعض المسلسلات مثل مسلسل "الجسر" وكذلك في مسرح الرعب الذي يمزج ما بين الضحك والخوف، ومن أشهر هذه الأعمال: "مثلث الرعب" و"مصاص الدماء".
تجربة الوادي
رغم حدة المنافسة أحيانًا بين شركات الإنتاج، إلا أن مشاري وبسبب طبيعته المسالمة والبشوشة، حافظ دائمًا على حظوظ مع معظم الشركات، وهذا ساعده كثيرًا في "تغيير جلده" خصوصًا مع ما يتمتع به من موهبة قادرة على تقديم الضحك والكوميديا الخفيفة إلى جانب براعته في التراجيديا والأدوار المعقدة.
وربما لأنه ليس من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، ابتعد عن الأداء بالفصحى والمسرح الأكاديمي الجاد، وكانت أبرز مشاركاته المسرحية في أعمال الطفل مثل "مدينة الظلام".
لم يحصل البلام عما يمكن أن نعتبره النجومية المطلقة التي تحمل عملًا كاملًا على اسمها، لكنه ظل اسمًا مهمًا محبوبًا من زملائه وجمهوره. واستفاد عربيًا بمشاركته في برنامج تلفزيون الواقع "الوادي" عام 2005، على شاشة LBC.
جعل هذا البرنامج وجهه معروفًا ومحبوبًا على مستوى العالم العربي. وربما لو اختزلنا سر نجاح مشاري البلام، رحمة الله عليه، في ثلاث كلمات فهي: البشاشة، والاجتهاد، والسمعة الطيبة.

نبض