26-12-2022 | 16:10

"التّرند" العربي في عام 2022... تعبير عن غريزة الانتقام وعقدة النّجاح

ليس "الترند" الحدث البارز في "السوشيل ميديا" لأن الأحداث تخص الواقع، وليس هو الشيء الذي يبحث عنه الناس بحثًا محمومًا في الشبكة العكنبوتية. إنه في الأساس فعل ونص ثقافي؛ تفسير وتعليق وحكم على أحداث، معها أو ضدها. يرتكز على الإخبار بأية واقعة، وإعادة تأويلها وتوثيقها بكل أدوات الثقافة من لغة وصور ومقاطع فيديو حية ومسجلة. لكل واقعة بطل وحيد في الحياة، بينما لكل ترند آلاف الرواة والأبطال يعيدون بث هذه الواقعة وتلك، تبعًا لوجهة نظرهم، والوسائط المتوفرة لهم من عبارات وكوميكس وموسيقى تصويرية. وهكذا يُعاد تشييد الواقعة بالكامل حسب وجهة نظر رُواتها.
"التّرند" العربي في عام 2022... تعبير عن غريزة الانتقام وعقدة النّجاح
Smaller Bigger

ليس "الترند" الحدث البارز في "السوشيل ميديا"، لأنّ الحوادث تخص الواقع، وليس هو الشيء الذي يبحث عنه الناس بحثًا محمومًا في الشبكة العكنبوتية. إنه في الأساس فعل ونص ثقافي؛ تفسير وتعليق وحكم على حوادث، معها أو ضدها. يرتكز على الإخبار بأي واقعة، وإعادة تأويلها وتوثيقها بكل أدوات الثقافة من لغة وصور ومقاطع فيديو حية ومسجلة.

لكل واقعة بطل وحيد في الحياة، بينما لكل ترند آلاف الرواة والأبطال يعيدون بث هذه الواقعة وتلك، تبعًا لوجهة نظرهم، والوسائط المتوفرة لهم من عبارات وكوميكس وموسيقى تصويرية. وهكذا يُعاد تشييد الواقعة بالكامل حسب وجهة نظر رُواتها.

لماذا يهتم جمهور السوشيل ميديا بشجار بين زوجين، ولا يلتفت لصدور طبعة شعبية من أشعار وديع سعادة؟ لماذا لم تهتم السوشيال ميديا بوفاة أديب وعالم نفس شهير مثل يحيى الرخاوي بينما اشتعلت عند اتهام منّة شلبي بتعاطي المخدرات؟! سنحاول الإجابة عن تلك الأسئلة عبر تحليل الأنماط الخمسة المهيمنة على الترند المصري والعربي.

 
 

محاكاة هزليّة

بحسب كُتّاب الخيال العلمي، هناك كلام عن الأكوان الموازية والمحاكاة. ليس ثمة حقيقة، بل لعبة مرايا متعاكسة، عوالم تحاكي عوالم أخرى.

وبسبب الظروف السياسية والاقتصادية القاسية التي تمر بها معظم الدول العربية، اتسعت الفجوة بين الرسمي والشعبي، الأثرياء والفقراء، النجاح والفشل.

وما دام لدى الحكومات إعلامها الرسمي العتيد والمسيطر، خلق العالم الافتراضي "محاكاة هزلية" لهذا العالم الرسمي. يظهر صداها في التركيب الساخر لتصريحات الساسة والإعلاميين المؤيدين.

كما يظهر في تجاهل الرسميين وكل من له سلطة، بالمعنى الواسع للمصطلح، من ساسة وأثرياء ورجال دين، وتفضيل "العاديين" لقادمين من المجهول.

ترند "رجل الكشري" خير مثل على ذلك. عامل نظافة بسيط طُرد من محل شهير، فنال في يوم واحد شهرة لم ينلها شاعر عربي في ثلاثين سنة.

استمرّ تمديد الترند وتغذيته بالقصص، تعاطف وتنديد، ضخ صور ومقاطع فيديو، ونشر أخبار ولقاءات معه في البرامج، كأنه أخطر وزير في الحكومة، أو مخترع علاج كورونا.

 

رجل لا حول له ولا قوة، أُجبرنا على تتبع عزومة الممثل المعروف له، وعرض زواج تلقاه من مذيعة حسناء، ومشاركاته في عزاء شخصيات عامة. مع المفارقة الساخرة أن من يعزي فيهم أصحاب تاريخ حافل من الإنجازات، أما هو فكل إنجازه في الحياة أنه استثمر الترند في "قصة مزعومة عن حرمانه من وجبة في مطعم".

يدخل ضمن هذا النمط آلاف المقاطع المصورة لشباب وفتيات، قائمة على "الأفيه" البصري واللغوي، والمحاكاة الساخرة لأغنيات ومقاطع فنية شهيرة. وكل منهم يسعى لنيل شهرة لمدة يومين، والوصول إلى المليون في عدّاد الفُرجة.

تتجاوز المسألة فكرة التفاهة، إلى شعور عميق بالخواء، فالبشر - حتى ضحايا الفساد والظلم الاجتماعي - لا يستحقون أن تصدقهم، والحياة نفسها لم تعد تستحق أن تأخذها على محمل الجد.

 
 

انتقام من المشاهير

إن الجمهور قطيع إلكتروني يكتب نصه المفتوح عبر "الترند" ولا يصنع فقط سلسلة من أبطال التفاهة الشعبيين، لكنه لا يفوت فرصته في الانتقام من الساسة والأثرياء والمشاهير. وبلغة البلطجة يريد أن "يُعلم عليهم بمطواة". يجرح خصوصيتهم، ويفضح نقاط ضعفهم عبر سلسلة من الشائعات والشماتة في الموتى.

أشهر ترندات تلك الآلية، ما يتعلق بالممثل محمد رمضان مع حمولة سلبية، وإلهام شاهين بدرجة أقل، وشائعة "زهايمر" عادل إمام. وفي أحيان أخرى تبدو الحمولة إيجابية كما في ترند اتهام منة شلبي بتعاطي المخدرات. أما المغنية شيرين فكانت الأكثر حضورًا بخليط معقد من ردود الأفعال بين التعاطف والتسفيه.

وتصدر بعض المشاهير الأجانب أيضًا الترند العربي، أبرزهم ويل سميث صاحب أشهر صفعة تلفزيونية، وجوني ديب وقضيته مع طليقته أمبر هيرد.

 
 

مناكفة السّلطة

ثمة نمط يعتاش على مناكفة السلطة، والسجال معها، والسخرية من إنجازاتها، وفضح أخطائها. ليس بالضرورة أن تكون المعارضة الترندية على حق. لكن هي محاولات إزعاج طفولية، كما حدث في ترند "الاختيار" المسلسل المدعوم رسميًا. في النهاية هو مجرد مسلسل لك أن تشاهده أو تتجاهله، مع ذلك تحول إلى ترند لمناكفة السلطة.

ولو وسعنا مفهوم السلطة، فهذه الآلية تضم التقليل من رموز مبدعة، وهو ما يتكرر كثيرًا مع نجيب محفوظ، وحدث هذا العام بالإساءة إلى أم كلثوم في ندوة باتحاد الكتاب المصري.

يرتبط هذا النمط بكيفية التعاطي مع الإبداع، فلا مجال لخلق ترند عبر الإشادة برواية أو فيلم رُشح لجائزة عالمية، أو الاحتفاء بقامة فكرية. لكن المتاح هو إظهار مثالب شخصيات تعد رموزًا، والانتقاص من أعمال إبداعية قارة في الوجدان ولها سلطة على الوعي الجمعي.

ربما كان ترند "سيدتي الجميلة" استثناءً لتلك القاعدة، لأنه انطلق بسبب حب الجمهور لمسرحية شويكار والمهندس، وخوفهم أن يُنتقص منها وتستغل تجاريًا.

إن كل ما كنا نتصوره ذا قيمة ثقافية أصبح عرضة للمناكفة والاستخفاف والاستغلال التجاري والتشويه وإظهار جوانب مظلمة مُضادة لرمزيته المضيئة. نحن في حفلة هائلة للتافه والمظلم، للتدنيس لا التقديس. حفلة تدعوك - لا شعوريًا - لعدم الإيمان بأي قيمة إبداعية، أو معنى، أو رمز.

 

 

قوة العنف

إذا كان الترند حيوانًا خرافيًا يقود وراءه القطعان البشرية، فأهم ما يميزه أنه مضاد لقيم العقلانية، يعتاش على كل قاتم وسلبي وتافه. ويقيم بين عالمي الواقع والافتراض، جسرًا تفاعليًا لقوة العنف والتدمير الذاتي الهائل.

فالمجتمع الإنساني في جوهره تشكل وتعاضد وارتقى بالثقافة، وانفصل بها عن المجتمع الحيواني المحكوم بالغريزة. لكن مع تصفية الثقافة والارتياب في قيمها، جرى تفريغ الوعي من كل ما لها قيمة إيجابية. بات الملايين يديرون حضورهم الافتراضي بالروح المظلمة للغريزة، ويتصرفون في حياتهم بالطريقة ذاتها.

فما يربط بين الواقع والافتراض الآن، هو إنتاج العنف كفعل واقعي، ونص ثقافي.

ظهر ذلك بجلاء في سلسلة قتل الطالبات الجامعيات أشهرهن "نيرة أشرف" قتيلة جامعة المنصورة، وحدثت في الأردن واقعة مماثلة. ولدينا أيضًا حوادث قتل أخرى أشهرها قتل أحد القضاة لزوجته المذيعة الحسناء بطريقة وحشية.

صحيح هناك أصوات عاقلة مستاءة من العنف، لكنّ العالم الافتراضي ضاعف أنماطه المرتبطة بالحب والكره والطمع والثراء والذكورة والطبقية والتشدد الديني، وتعسف السلطة، وهشاشة الأطر القانونية.

بمعنى آخر، كل انسحاب للثقافة والإبداع من واقعنا، ومن عالمنا الافتراضي، تناسب طرديًا مع سطوة العنف الجسدي واللفظي والرمزي.

 
 

ذكورة وأنوثة

في مجتمع محكوم بالغريزة، تُستعاد علاقة الرجل بالمرأة وتُموضع في إطار صراعي حاد أو ساخر. مبالغة في النسوية ضد مبالغة الذكورية، نزاع على سلطة البيت والمال والشهرة والحياة. من أشهر ترندات هذا النمط، رقصة مُدرّسة المنصورة في رحلة وسط زملائها، ما تطلّب إعادة شرح الخاص والعام، ما يحق للرجل ولا يحق للمرأة.

هذا النمط هو الأكثر انتشارًا وضمانًا لركوب الترند، كل ما عليك أن تقول تصريحًا مستفزًا بأن المرأة ليست ملزمة بإرضاع أولادها، ليست ملزمة بأن تطبخ لزوجها، أو عكسه، على الزوجة أن تغسل رجلي زوجها وتقف بجواره بمروحة يابانية كي لا تزعجه حرارة الصيف وهو نائم!

ليس المهم صوابية الجملة ونقيضها، بل المهم تطرفها وتفاهتها، كي يتلقفها مذيعون ورجال دين يقتاتون على "الخاص بين كل رجل وامرأة" ليصبح عامًا وسلطويًا.

هل يحتاج أي زوجين إلى قانون دستوري ينظم حياتهما المشتركة؟ هل يحتاج حبيبان إلى نصائح مذيعة في ما يجب على كل منهما تجاه الآخر؟

مذيعات خاليات من المعنى والثقافة، وهذا شرط ترندي ضروري جدًا، يخرجن علينا بصيغ لا تنتهي من "الهراء" الخاص بشأن الرجل والمرأة. وهو - في حقيقته - لا علاقة له لا بقيم الحرية الغربية ولا القيم الشرقية المحافظة.

 

ملاحظات

في نقد أنماط الترند الخمسة، يتكرر دائمًا بأنها موجهة توجيهًا مضمرًا لإلهاء الناس عن قضايا كبرى متعلقة بغلاء الأسعار، والحريات، ومحاسبة الحكومات. وهو ما يعرف بنظرية "بُص العصفورة". كأنّ السلطة عندما ترغب في صفع المواطن على قفاه، تشير إليه بإصبعها في الفراغ: "بص العصفورة". وكأن هناك مجلسًا أعلى سريًا يخطط ويطلق كل يوم "ترند".

إذا كان هذا صحيحًا - ولو جزئيًا - فلماذا ينساق الناس إليه؟ لماذا لا يظلون منتبهين إلى قضاياهم الكبرى؟ الإجابة ببساطة أن كل ما هو تافه خفيف على القلب وكل ما هو جاد ثقيل على النفس ويتطلب إرادة مفقودة أساسًا.

وإذا كانت جهة رسمية ما هي المحرك الأول - بالمفهوم الفلسفي - للترند، لماذا تُضار الحكومات منه أحيانًا وتجد نفسها في موقف الدفاع عن النفس؟

يصعب القول إن الترند يعبر عن السلطة، ولا المعارضة، لكنه فضاء مفتوح معقد متعدد المصادر، لن ندرك مسبقًا الفائزين أو الخاسرين منه. فعندما كتبت أمبر هيرد مقالتها ضد طليقها مستقوية بحملة me too تصورت أن الريح في صفها، بينما جاءت المحاكمة التلفزيونية الضيقة، ومحاكمة السوشيل ميديا العالمية، ضدها بامتياز.

الملمح الثاني، رغم أن الترند محكوم بالتفاهة والعنف وكل ما هو سلبي، لكن هذا لا يمنع تسرب ترندات ذات قيمة إيجابية، كما حدث من التفاف عربي حول المنتخب المغربي في مونديال قطر.

أما الملمح الثالث والأخير، فهو أن الترند يُولَف غالبًا بهدف الشهرة لصناعه والقائمين على تداوله. يتقدم ويكتسب أرضًا بوصفه "قصة نجاح". رجل الكشري الذي تجاوز كل الشروط الطبيعية، أصبح مشهورًا ولديه دخل جيد.

إن الترند - وهو معجون كليًا في الهراء - يقدم نفسه كتفسير ناجح للعالم. أنا أعرف العالم جيدًا وأعرف أفضل طريقة للنجاح فيه. كلّ مشارك يندفع بقوة لركوب الترند، كي يصبح جزءًا من النجاح وفلسفته وتفسيره.

نحن جميعًا خاضعون لرغبة محمومة كي ننجح نجاحًا مبهرًا، ونحن جميعًا نقتات على كل ما هو سيئ فينا... وحوالينا.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
ايران 4/3/2026 3:13:00 PM
وكانت إيران قد أعلنت، في وقت سابق من اليوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة من نوع إف-35 أميركية الصنع فوق أجوائها، وأشارت إلى أن مصير الطيار "ما زال مجهولاً".
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل