25-12-2022 | 15:17

البيان الأخير ضد فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة السّادسة

والآن سأنتقل إلى ملمح آخر بعد أن أوضحت كذبة الديموقراطية من جهة، وعبث السياسة الإقتصادية، والرهان الخاسر على الإخوان المسلمين والإرهاب، وهو الملمح الجديد في الحياة المصرية. بعد إعلان سياسة الانفتاح الإقتصادي، بدأت الدنيا تضيق على الناس شبابًا وكبارًا. لقد خرج من الجيش شباب أمضى فيه سبع وثماني وتسع سنوات منذ عام 1966 إلى عام 1974 و 1975. حارب بعضهم حربين 67 و73 وحارب بعضهم ثلاثة حروب 67 وحرب الاستنزاف وحرب 73. كان الجنود قد تغيرت صفاتهم، لقد صار أكثر المجندين بعد حرب 67 من حملة المؤهلات العليا، وكان لهذا تأثيره الإيجابي على الحرب لمصلحتنا.
البيان الأخير ضد فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة السّادسة
Smaller Bigger

والآن سأنتقل إلى ملمح آخر، بعدما أوضحت كذبة الديموقراطية من جهة، وعبث السياسة الاقتصادية، والرهان الخاسر على الإخوان المسلمين والإرهاب، وهو الملمح الجديد في الحياة المصرية.

بعد إعلان سياسة الانفتاح الاقتصادي، بدأت الدنيا تضيق على الناس شبابًا وكبارًا. لقد خرج من الجيش شباب أمضى فيه سبع وثمانيَ وتسع سنوات منذ عام 1966 إلى عام 1974 و1975.

حارب بعضهم حربين 67 و73 وحارب بعضهم ثلاث حروب 67 وحرب الاستنزاف وحرب 73. كان الجنود قد تغيرت صفاتهم، لقد صار أكثر المجندين بعد حرب 67 من حملة المؤهلات العليا، وكان لهذا تأثيره الإيجابي على الحرب لمصلحتنا.

لكنّ هؤلاء الذين أفنوا أجمل سنوات عمرهم من أجل الوطن، خرجوا ليجدوا ضيقًا في العيش مع ارتفاع الأسعار، وظهور ما عُرف بخلو الرجل للحصول على شقة إيجار، وغير ذلك من أثر سياسة الانفتاح الاقتصادي. عرفت السفارات والقنصليات العربية أكبر طوابير للهجرة والعمل هناك. استحوذت العراق وليبيا على أعداد مهولة من الناس العاديين تجاوزت المليون والمليونين، واستحوذت المملكة العربية السعودية ودول الخليج أكثر، على أعداد من المتعلمين إلى جوار العمال العاديين.

كان هذا هو الطريق الأوحد للغالبية من الشعب للزواج وبناء أسرة. في الوقت نفسه، كانت الأفكار الوهابية قد انتشرت بشدة في المجتمع من خلال رجال الأزهر والشيوخ في المساجد، فأضيف إليهم العائدون من السعودية أو العاملون فيها. 

لقد وجدوا المال فماذا يمنعهم من اعتناق الأفكار الوهابية؟ كانت صحف ومجلات تقاوم الوهابية مثل "روزا اليوسف" و"صباح الخير" ومجلة "الطليعة"، وكان المثقفون من غير الإسلامويين يقاومون ذلك في مقالاتهم، لكنّ المعركة كانت صعبة جدًا، لأنّ المساجد دخلت فيها بقوة لنصرة الوهابية بكلّ تجلياتها، من زيّ صحراوي إلى قهر للمرأة باعتبارها بئرًا للمتعة فقط لا غير، وهجومًا على المسيحيين النصرانيين، وبدأتْ في مصر الفتنة الطائفية التي لم نعرفها من قبل.

تجلّت في أبشع صورها عام 1981 في حوادث الزاوية الحمراء، التي عرف القاصي والداني أن الدولة لم تكن بعيدة منها لصرف النظر عن المعارضة الشديدة للسادات.

لقد أدّت تلك الحوادث  إلى مقتل سبعة عشر وإصابة مئة واثني عشر، بينهم ضابطان وثلاثة جنود، بسبب شجار بين أسرة مسلمة وأخرى مسيحية لسقوط مياه غسيل من شرفة إحداهما على الأخرى.

لم يكن من السهل أن يصدق أحد أنها تطورت من حادث فردي تافه، واعتبرها السادات أحد أسباب اعتقالات سبتمبر المقبل.

تخصصت مساجد كثيرة في سبّ الأقباط واليهود، وبما أنّه لا يهود في مصر سوى أعداد صغيرة جدًا لا تبلغ الخمسين، فكان ما يبقى هو سبّ المسيحيين. عدم إلقاء التحية عليهم إلا بالسلام عليكم، لا صباح الخير ولا مساء الخير، فهذه كلّها تحية كفار. وملأت الشعارات عن الحجاب الجدران، والدعوة للإنجاب لإنقاذ الإسلام والمباهاة بالنسل، والتقليل من الفن والدعوة لإغلاق الملاهي الليلية والسينمات.

وانتشرت الأدعية في كل عمل وكل خطوة، مثل دعاء الركوب ودعاء الدخول إلى البيت ودعاء الدخول إلى الحمام وضرورة أن يكون بالقدم اليمنى، وصارت تكتب على مصاعد البيوت والجدران. 

لم تكن الأدعية خافية على المصريين من قبل، وخاصة المرض أو الاختبار، لكنها شملت كل شيء، وصار على كل شخص أن يعرفها ويحفظها. 

لقد بدأ إعداد الناس لتكون الآخرة هي هدفهم، وليست الدنيا التي ستكون للحكام ومن والاهم. أشياء صغيرة وأشياء كبيرة دخل بها المجتمع في صورة شائهة لم يعرفها من قبل. لقد صدر أمر بإغلاق مجلة الطليعة اليسارية التي كانت تصدر عن جريدة الأهرام عام 1977 بعد انتفاضة يناير، وموقف المجلة الرائع منها. سُمح للإخوان المسلمين في الجامعات بإصدار صحفهم وبياناتهم ونشرها على جدران الجامعة أو توزيعها باليد، ومُنع ذلك على اليساريين أو الناصريين. وسُمح بإصدار مجلة مثل "الدعوة " الإخوانية بالذيوع والانتشار.

توقفت مجلة "الدعوة" في سبتمبر عام 1981 بعدما اعتقل السادات المثقفين من كل الاتجاهات في حركة سبتمبر الشهيرة، وكان من بينهم قيادات إخوانية، بعدما اختلفوا معه على اتفاقية كامب ديفيد. في غير ذلك لم يختلفوا، توقفت المجلة لأن مُصدرها ورئيس تحريرها صالح عشماوي كان من المقبوض عليهم.

بعد ذهاب السادات إلى إسرائيل وتوقيع اتفاق كامب ديفيد ومعاهدة السلام في ما بعد، شاعت في مصر مسألة التطبيع والترويج له في بعض مجلات الدولة وصحفها، فظهرت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية في إبريل عام 1979 في حزب التجمع. كانت لجنة جبهوية لفصائل اليسار الوطنية والقومية والناصريين بها فريدة النقاش والدكتورة لطيفة الزيات وصلاح عيسي ورضوى عاشور وسيد البحرواي وأمينة رشيد وعواطف عبد الرحمن وسليمان فياض وفاضل الأسود والسيناريست جلال الغزالي وفتحية العسال وجابر عصفور.

أسماء كثيرة كنت أنا من بينهم. كانت اللجنة تُصدر بياناتها ضد التطبيع، وكثير من أعضائها يكتبون في جريدة الأهالي. شاركت إسرائيل لأول مرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في كانون الأول/ يناير عام 1981، فانطلقت التظاهرات المضادة لذلك في المعرض، وقُبض على صلاح عيسي وحلمي شعراوي.

استمر اشتراك إسرائيل بالمعرض بعد مقتل السادات، لكنّ ذلك سيأتي عنه الحديث في حينه حين أتحدث عن عصر مبارك. من أبرز المعارك الثقافية كانت معركة شيخ الأزهر عبد الحليم محمود مع كتّاب مجلة روزا اليوسف باعتبارها مجلة شيوعية وكتابها شيوعيين، لأنهم انتقدوا بعض أفكاره. من أبرز الخطب في المساجد خطب الشيخ كشك التي هاجم فيها كل الفنانين والكتاب.

هكذا انفتحت مصر علي نقطة تحول أخرى أخذت فيها من الليبرالية وجود الأحزاب، لكن حاصرتها وجعلتها شكلية، وعطلت حركتها.

هكذا استمرت في طريق الفترة الناصرية لكن بذكاء أو خبث، عايزين ديموقراطية. خذوا لكن لها أنياب وبالقانون.

انفتحت مصر على الفكر الوهابي الذي غيّر كل مكتسباتها القديمة في الثقافة والحياة. انفتح الفساد والعشوائيات في البناء والنهب باسم الانفتاح. ومن باب الكوميديا ارتفعت أسعار اللحوم عام 1980، وتجاوزت الثلاثة جنيهات للكيلو، لاحظ أنه في تظاهرات 1977 كان الهتاف (سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بأه بجنيه) وحين حدث ذلك، أصدر السادات قرارًا بإغلاق المذابح لمدة شهر تأديبًا للجزارين وفرصة لتنظيف المذابح.

خلال هذا الشهر، أُغرقت الأسواق بدجاج مجمّد من البرازيل كان وراءها مستثمرون قريبون من الحكم وكأنّ القرار كان من أجلهم. بل ظهرت أجزاء من الدجاج مجمدة مثل الأوراك والأقدام صارت فوق العربات في الأسواق، عُرف أنها مستوردة أيضًا، وانتهى عمرها الافتراضي في بلادها.

باختصار صارت مصر ترتدّ إلى الخلف، إلى عصور الظلام، وشعار زعيمها الأوحد أنّه الرئيس المؤمن، وأخلاقها يجب أن تكون أخلاق القرية، أي طاعة العمدة وشيخ البلد.

لم يكن نمو جماعة الإخوان بعيدًا من الدولة نفسها، والأجهزة الأمنية التي يسّرت لهم العمل في الجامعة، وضيّقت على اليساريين والناصريين.

كان السادات يتصور أنه سيعادل بين الإخوان المسلمين والقوى الأخرى، ولا يدرك أنه أخرج الجني من القمقم، ولن يستطيع السيطرة عليه. بدأ الخلاف بينه وبينهم مع معاهدة كامب ديفيد.

لم يكونوا وحدهم مختلفين معه، ولكن كانوا قد صاروا قوة كبيرة فتمت حركة اعتقالات واسعة للجميع في الثالث من سبتمبر عام 1981.

شملت الاعتقالات أسماء من كل الأطياف، وأسماء لا تنسى مثل محمد حسنين هيكل وحسن حنفي ومحمد حلمي مراد وشاهندة مقلد ولطيفة الزيات وصافيناز كاظم ونوال السعداوي وفؤاد سراج الدين وفريدة النقاش وميلاد حنّا وعصمت سيف الدولة وعمر التلمساني وعبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي وصلاح عيسى وعواطف عبد الرحمن وأبو العز الحريري وفتحي رضوان وسيد البحراوي ومحمد حبيب وحافظ سلامة ومحمد عبد القدوس والشيخ عبد الحميد كشك والشيخ أحد المحلاوي وعبد المنعم تليمة وعبد المحسن طه بدر وفريد عبد الكريم وعبد العظيم أبو العطا، وزير الزراعة في حكومة السادات من قبل والذي مات في السجن بعد اعتقاله بأيام والشيخ مصطفى عاصي وكمال الإبراشي وعلي النوريجي.

وفي الخامس من أيلول/ سبتمبر بعد يومين، خطب السادات يهاجم الجميع. كانوا أكثر من ألف وخمسمئة من المثقفين والكتاب والفنانين والصحافيين وأساتذة الجامعة ورجال دين. كانوا أطيافاً من كل الوظائف وكل الاتجاهات ومن كل المحافظات.

من بينهم أكثر من مئة وخمسين من الأقباط  كتابًا ومفكرين، من بينهم أكثر من ثلاثين أسقفًا وكاهنًا من كل المحافظات، منهم على سبيل المثال الأنبا أومونيوس أسقف الأقصر وإسنا وأرمنت وقنا، والأنبا بنيامين أسقف المنوفية، والأنبا بيشوي أسقف دمياط وكفر الشيخ، والأنبا تادرس أسقف بور سعيد وغيرهم.

ومن الآباء الكهنة القمص إثناسيوس بطرس من القاهرة، والقمص بولس باسيلي من القاهرة أيضًا، والقمص بيشوي فخري من بورسعيد، والقمص تادرس يعقوب ملطي من الإسكندرية، وغيرهم. كما قُبض على أكثر من 400 من الإسلاميين والبقية لليسار والوفد والناصريين وباقي القوي الوطنية. بل أبعد السادات الأنبا شنودة بابا الإسكندرية والكرازة المرقصية من منصبه، ونُفي إلى دير الأنبا بيشوي في وادي النظرون لأنه كان ضد زيارة القدس، وأُعلن عن تشكيل لجنة تقوم بمهامه من خمسة أساقفة.

لقد زاد الألف وخمسمئة في الأيام التالية إلى قرابة الثلاثة آلاف. لقد اعتقل السادات الوطن كله معتمدًا على المادة 73 وصلاحيات رئيس الجمهورية في المادة 74 من الدستور المصري.

تمنح المادتان رئيس الجمهورية الحق في اتخاذ ما يراه مناسبًا من إجراءات سريعة وحاسمة إذا طرأ ما يهدد الوحدة الوطنية وسلامة الوطن ويعيق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري. كذلك تنص المادتان على ضرورة قيام رئيس الجمهورية بتوجيه بيان للشعب عما اتخذه من إجراءات، ثم يجري استفتاءً شعبيًا على ما قام به خلال ستين يومًا.

خطب السادات في الخامس من سبتمبر يتهم الجميع بتهديد الوطن والأمن. تم التحفظ على أموال بعض الصحف والمطبوعات وإلغاء تراخيصها، ونقل أساتذة الجامعة الذين لم يُقبض عليهم إلى أعمال أخرى، وكذلك بعض الصحافيين والعاملين في الإذاعة والتلفزيون والمجلس الأعلى للثقافة.

ركز السادات في خطابه على الإخوان قائلًا إنّه تفضل عليهم حين وصل إلى الحكم بإخراجهم من السجون وإعادتهم إلى وظائفهم ومنحهم فرق الرواتب عن فترة اعتقالهم، لكن من الواضح أن الجماعة لم تنسَ ثأرها مع ثورة 23 يوليو 1952.  

 بعد شهر وفي الاحتفال بنصر أكتوبر عام 1981، وقبل شهر من الاستفتاء الذي يقرره الدستور، تم اغتيال السادات  بين وزرائه وقادة الجيش، من عناصر تنتمي إلى تنظيم الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية، بعضهم كانوا ضباطًا في الجيش والمخابرات، هم خالد الإسلامبولي وكان ضابطًا في الجيش وعبد الحميد عبد السلام وعطا طايل وحسين عباس ومحمد عبد السلام فرج صاحب كتاب "الفريضة الغائبة" والمفكر للجماعات الإسلامية، ولم يكن في الجيش ولكن كان مهندسًا ومفكرهم الذي وافق الإسلامبولي على الاغتيال، وأحضر له عطا طايل من الدلنجات وحسين عباس وعبد الحميد عبد السلام.

حكمت المحكمة على الخمسة بالإعدام، بينما حُكم على عبود الزمر رجل المخابرات بالسجن المؤبد وبخمس عشرة سنة بسبب انتمائه لتنظيم الجهاد، كما حكم بالسجن على غيرهم من تنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية.

ضاع الميزان من يد السادات وانقلب السحر على الساحر. ليس مهمًا أنه بدأ الإجهاز على منجزات عبد الناصر في الصناعة والتعليم أو غيره. الأهم أنه حوّل الديموقراطية إلى عملية نصب علي الشعب، ومن ثم لم يبتعد من الطريق القديم. الفارق أن القديم كان أكثر وضوحًا. فهل سيعود مبارك للطريق القديم الأكثر وضوحًا، أم سيستمر في طريق الديموقراطية الشكلية، وتزداد قوة الدولة في الإمساك بكل الأمور مركزيًا مهما بدا من مظاهر خادعة؟

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.