25-12-2020 | 22:17

كيف تُوَدَّع مدينةٌ كبيروت؟

على كورنيش البحر ربما. المنارة، عين المريسة. أو ما بين عين المريسة والبيال، في الباركينغ الذي افتتح ذات يوم في وسط بيروت، مقابل سفارة بوركينا فاسو، مساحةً متروكةً لشباب مثلنا يبحثون عن مكانٍ يقضون فيه شبابهم. كنّا نبحث عن مكانٍ في مدينة من باطون، نشرب فيه القهوة، جالسين في مقاعد سياراتنا أو متّكئين عليها. جيل الثمانينات نحن، جيل الpeace الذي أنهى حقبة البات ديليفانPattes d’elephant إلى غير رجعة.
كيف تُوَدَّع مدينةٌ كبيروت؟
Smaller Bigger
 

على كورنيش البحر ربما. المنارة، عين المريسة. أو ما بين عين المريسة والبيال، في الباركينغ الذي افتتح ذات يوم في وسط بيروت، مقابل سفارة بوركينا فاسو، مساحةً متروكةً لشباب مثلنا يبحثون عن مكانٍ يقضون فيه شبابهم. كنّا نبحث عن مكانٍ في مدينة من باطون، نشرب فيه القهوة، جالسين في مقاعد سياراتنا أو متّكئين عليها. جيل الثمانينات نحن، جيل الpeace الذي أنهى حقبة البات ديليفانPattes d’elephant  إلى غير رجعة.

 

أو ربما في حديقة شارع المصارف. مكانٌ مناسب لجعتين أو ثلاثٍ على الدرج، تجعلنا نشعر بأننا أبناء شوارع بيروت حيث وهم الحرية والانفجارات الشخصية والعامة. وبعض الأثار المنقولة إلى الحديقة تُضفي الى المكان شعوراً مستعاراً.

 

أم عن صخرة الروشة التي كبرنا ونحن نتجاهلها، صورةً على بطاقاتٍ بريديةٍ متحرّرةٍ من متسلّقيها بداعي الانتحار. ماذا تفعل تلك الصخرة هناك، في هذا الموقع المتميّز تميّز من يريد ألا يمضي دون أي وقع؟ أن يكون لك منزلٌ مطلٌّ على صخرة الروشة لهو عبثيّةٌ مفرطة: تخيّل أن تقضي مساءاتك بانتظار من سيتسلّق الصخرة، كسمكةٍ تعلق في صنّارتك الممتدّة من شرفتك باتجاه الصخرة. طلّة مهيبة. زد عليها الغروب واحمل سيجارةً واجترّ المشهد. هذه ليست سمكةً. هذه ليست صورة سمكة. في أي حال، لقد ذهب الجميع إلى "الزيتونة باي" ليتصوّروا أمام اليخوت.

 

 

 من المؤكد أن مساءك اليوم سيكون وحيداً، ذلك أنك إذا رأيت أحدهم هذا المساء على الصخرة ينظر باتجاه المياه، لن تتصل حتى بالشرطة أو بأي رقم من أرقام الطوارئ، كونك بتّ الآن تعرف بما سينصحونك إذا لجأت إليهم.

 

في مدينةٍ مثل بيروت، إذا سُرقتَ تكون نصيحة الشرطة لك بأن تنتبه في المرة المقبلة، و"من المستحسن تركيب كاميرات". لن يأتوا إذا اتّصلت، ذلك أن مئات أبناء اللعينات سبقوك بالاتصال ل"طقّ الحنك" والمخفر مش فاضي أصلاً، وصراحة... مش مجهّز.

 

من أين إذن؟ من البسطة التحتا مثلاً، من سوق الأنتيكا الذي زرته مرتين أو ثلاثاً... من همبرغر حمّودي.... لا ذكريات كافية هناك لأودع المدينة من عبر صرح حمّودي لساندويشات الإسكالوب. إلى الحمرا يا جماعة، من أمام باحة المصرف المركزي. ما قصة المصارف معنا نحن اللبنانيين؟ بئس مدن تُوّدَّعُ من مصارفها.

 

إذا كنتَ من جيل الثمانينات في بيروت، فالوداع قد لا يكون صعباً.  ذلك أن أماكنك كلّها قد تغيّرت في السنوات العشر الأخيرة ربما. حاناتك، ومطاعمك، وشوارعك. لم يبقَ شيءٌ يُذكر سوى "سنتر الديونز" ربما، رغم أفوله حدّ الانطفاء، لا سيما بعد فرض نبيه برّي حزاماً أمنياً مفرطاً على المنطقة، حمايةً لممثّل الشعب من شعبه. هناك كانت مدرستي، في مواجهة سنتر الديونز نفسه، وبمحاذاة منزل صديقنا نفسه. لم يعد ممكناً التجوّل هناك ومحاولة استذكار أيام الطفولة.

 

من البطركية، ومار الياس. شارعٌ واحدٌ ممتدّ من الليسيه عبد القادر باتجاه ثكنة الحلو. يتناثر على جانبيه أصدقاء الدراسة والشباب. ديموغرافيا مكثّفة تعكس فترة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية: مسيحيّون علمانيّون، شيعةٌ علمانيون، بيروتيّون متعوّدون على التخالط، ودروز من قاطني مارالياس. وهم العلمانية في بلدٍ مثل لبنان. لم أدرك بعد تبعات ما بعد الصدمة.

 

نعم، أنا من أولئك الذين كبروا في بيروت علمانيةٍ رغم كل الظروف.

قطنت كانتون الضاحية الجنوبية وكنت أركب الباص يومياً منها وإليها. من العلمانية إلى الكانتون، مشوارٌ يوميّ ثابرت عليه حتى دخولي الجامعة اليسوعية حيث وهم علمانية ٍأفدح بعد. ما يميّز بيروت تركّزها، وفداحة مغالطاتها. ما الذي يمنع جامعةً يسوعيةً من أن تكون علمانيةً؟ وما الذي يمنع ضاحية بيروت الجنوبية أن تكون علمانيةً؟

 

في الجامعة أُغرمتُ بشابٍ أخبره كاهن كنيسته أنه يخالف مسيحيَّتَهُ إن ارتبط بي. لم أصدّق. لم أفهم يوماً لمَ يحتاج المرء إلى رأي الكاهن بعد أن يكون قد بذل في سبيل محبوبته أجمل الأشعار والأغاني؟ ما هذا الاستهتار الإبداعي؟ لا تزال رسالته التي خطّها بقلبه محفوظةً في أحد جواريري. أحبّ هذا الأبله، وأحبّ الكاهن المغدق في مسيحيته، لأنهما كانا أكثر صراحةً مني.

 

الجامعة اليسوعية في مونو ما زالت كما هي. كلّ تفصيل حافظ على نفسه، حتى منسّقة شؤون التلاميذ والخرّيجين تعرفك وتؤهل بك. كل شيء كما كان، لكنّ الحمّام خالٍ منّا وثمة مشحة حزنٍ تشي بمرور الكثير من الزمن دون تغيير.

 

ثم جاء انفجار 4 آب. وكورونا. وفرغت الجامعة بالكامل. أخال أن مشحة الحزن تعشّشت بين الجدران، مروراً بماكينات الصرّاف الآلي، من جميع المداخل. مونو منطقةٌ حامية للمتظاهرين المتراجعين إثر تدخّل ميليشيوي في الثورة، ومكانٌ مثاليّ لرصف سيارات المتظاهرين المتجمّعين في الساحات قبل أن تهاجمها كورونا.

 

إن وقفت جنب مبنى النهار اليوم، سيخطر لي تمثال الشهداء أوّلاً، وجبران تويني ثانياً، والثورة ثالثاً، و"الوايت" رابعاً. أين ذهبت أيّام "الوايت"، و"السكاي بار"؟ من الذي عصف بذاكرة بيروتي؟ كانت لنا بضع سنوات نظافٍ في بيروت من غير المسموح أن نفرّط بذكراها هكذا: سنوات القروض المصرفية، والسيارات الجديدة، والسكاي بار، والوقوف في الصف في انتظار أن يحكم على أشكالنا أحد صقور "الفيزيك" ليسمح لنا بالدخول من عدمه.

 

 

سنواتٌ نظافٌ مارسنا خلالها الاستهلاكيّة التامة وأُخضعنا شيئاً فشيئاً للمصارف. نحن شعبٌ تتغيّر حاناته ومطاعمه وشوارع سهره وأماكن اللقاء الخاصة به كلّ عدة سنوات. تُنسف شوارع بأكملها من خريطة السهر وتُفتتح شوارع أخرى كلياً، كبدارو مثلاً.  تُعرَّف بيروت في نظر شبابها، بباراتها. ولا أعلم حقّاً من أي بارٍ أبدأ بوداع بيروت.

 

"البارومتر" من الصامدين التراثيين. وقد حافظ على أسعاره قدر الإمكان، وقوفاً إلى جانب الليرة اللبنانية ومستخدميها. في البارومتر سهرنا سهرة عيد ميلادي السابع والثلاثين، قبل أشهر من انتشار فيروس كورونا. رقصت كثيراً، وكان أبي معنا. سكرنا وضحكنا وخاف عليّ أبي من كثرة الرقص. ليلتها أخبرني ربيع الزّهر كم يحبّ والدي، وكيف أنه ورفاقه افتتحوا جوّ السهر في بيروت حين كان ربيع شاباً يحبّ أغاني الشيخ إمام. كم كانت لطيفة تلك السهرة! نخبك ربيع، نخبك أبي، كأننا كنا نعلم ليلتها أننا نودّع بيروت!

 

لا مجال لوداع بيروت من الجامعة الأميركية التي سرّحت 700 عاملٍ لديها دفعة واحدة، ذلك أنها لم تعد كما كانت. هذا المول الجديد المواجه للجامعة دخيل على الشارع أيضاً، وجميعنا نشتاق بحرقة لأم ناجي وأبي ناجي. حتى مخفر حبيش أصابه تغيير. جمّلوه. حدث هذا بعد أن سُرقت السيارة التي كانت تقودها صديقتي المقرّبة هناك. صوّب أحدهم المسدس إلى رأسها وطلب منها مغادرة السيارة. نزلت كالمجنونة. أصبح محيط المخفر أكثر بعثاً على الراحة بعد أن جمّلوه. كل شيء على ما يرام أساساً إذ استعادت رنا سيارة أبيها ودفعت للسارق أموالاً تعبت في جمعها في فرنسا. حصل السارق على فريش ماني قبل الآخرين جميعاً.

 

إلى أين أذهب لأودّع بيروت؟ الجمّيزة انفجرت ومار مخايل أكثر تأثّراً أيضاً. و"مطعم بول" طرد موظّفةً كانت تشارك في التظاهرات. وسينما السوفيل أغلقت أبوابها وشاشاتها.

 

إلى بئر العبد مثلاً؟ أو الرويس أو حارة حريك، ومحيط مستشفى بهمن. هناك حفلات المراهقة الصاخبة في التسعينات ورحلة البحث عن "كولّان" الشبه أسبوعية. لا أعلم لمَ ارتأت أختي أن نتحجّج بالكولان تحديداً لنذهب خلسةً إلى الحفلات. ذات مرة راح أبي "يكزدر" في "الكوريدور" في المنزل وهو يغنّي: "قولولو...قولولو... قولولو قولولو الحقيققققققققة". كان يعلم أن شراء كولان لا يستلزم كلّ هذا الوقت وفهم بفطنته أن الأمر يتعدّى الجرابات النسائية كلّها. تلك الحفلات انقرضت بمثل سرعة انتشارها. كنّا مجموعة مراهقين من مختلف شوارع الضاحية الجنوبية تجمّعنا على أن نختلف عن محيطنا بأن نرقص ونرقص ونرقص رغم كل ما حولنا.

 

في تلك الأيام كان الرقص لا يزال ممكناً في الضاحية الجنوبية لبيروت، رغم نظرات الجيران. وكم كانت فرحتي لا توصف حين التقيت بعد أكثر من عشرين عاماً، في بيروت، بثلاث إخوة يعشقون الرقص كنت أراهم في الحفلات عينها، وشكّلوا الدرس التطبيقي الأول بالنسبة اليّ عن الأطفال الهجينين. في مدينةٍ بحجم بيروت، تتشابك مصائر السكّان من دون أن يعلموا، من درس البيولوجيا الحية إلى كيف تكون متحرّراً في الضاحية إلى الرقص إلى أصدقاء مشتركين لاحقين.

 

أتنقّل فوق خريطة بيروت في ذهني. ما سأفقده هو مدينة حفظتها من دون "جي بي إس." لم يعد هذا أمراً يسيراً في أيامنا هذه. طريق الجديدة، والجامعة العربية، حلويات صفصوف تحديداً، وذاك المحلّ الملاصق لصفصوف الذي يبيع أحذية رياضية ماركات. لم يعد لذلك أي أهميّة اليوم.

 

صديقي الذي جنّده الأحباش ولم يعد صديقي. لا أهميّة لذلك أيضاً. كنّا مقرّبين، وفي الوقت نفسه بعيدين جداً. هذا أمرٌ شائعٌ في بيروت، تعتقد أنك تعرف الشخص جيّداً ليُظهر فجأة ما لم يكن يخطر لك في بال: عليك أن تنظر إلى محيط الشخص لتفهم ما قد يدفع بعض قراراته، وعندها قد لا تتفاجأ. محيطك يحمل قراراتك أكثر منك. إحدى معضلات بيروت الأساسية أتركها اليوم من دون حلّ، ثنائيّة قطبية لا متناهية بين بيروت الحرّة وبيروت السجينة، بيروت المنفتحة والعلمانية وبيروت المتشدّدة في الانغلاق، تتذابحان فوق سكّانهما، وتتبادلان دور الملاك والشيطان على الجسد نفسه من دون هوادة.

 

مدينتي هي تلك التي قطعتها مشياً على الأقدام. تلك التي قضيت فيها ما يكفي لأقطعها على قدميّ. لا أعلم من أين أبدأ بوداعها مهما راجعت الخريطة في ذهني.

 

قريباً، ستحفظ قدماي طرقاً أخرى، وقد ترسخ في ذهني خريطة أخرى.

بانتظار ذلك، سيتوجّب على ذهني الإفساح في بعض الغيغابايتات من الذاكرة سأفرغها على الشبكة العنكبوتية، كي يتسنّى لي اتخاذ ذاكرة جديدة أخبركم عنها وإن بعد حين.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 10/17/2026 6:31:00 AM

هل يجب أن تخشى الدول الغربية من الخسائر المادية المحتملة من تلاشي المبتعثين لتبدأ في أخذ التطرف الديني -والذي لم يتوقف الخليجيون عن دق ناقوس الخطر حياله- على محمل الجد؟

الولايات المتحدة 10/17/2026 3:22:00 AM
قال ترامب أمام حشد في دالتون بولاية جورجيا: "أتعلمون.. إذا كنتم في شك بشأن اسم شخص ما من الشرق الأوسط، فما عليكم سوى أن تقولوا محمد... لديكم فرصة صواب بنحو 65 في المئة... مرحبا يا محمد... أفعل ذلك منذ سنوات ولم أخطئ أبدا".
لبنان 10/16/2026 7:49:00 PM
نقلت الوكالة عن تقرير داخلي انتهاء صلاحية شهادة اعتماد المطار، فيما توقّع وزير النقل اللبناني الحصول على الشهادة خلال أيام، مؤكداً العمل لمعالجة المخاوف.
لبنان 10/17/2026 12:00:00 AM
مشروع قطري لتمويل تطوير قطاع الكهرباء وتشغيله يفتح باب انفراج في لبنان، فيما برز توتّر خلال مداهمة مستودع أدوية، وترقّب لزيارة بارو لبحث مرحلة ما بعد اليونيفيل.