25-01-2021 | 15:16

سنة ثقافية قاحلة في مغرب الكوفيد... والغد مأمول ​

من نافلة القول أنّ فيروس كورونا المستجد (19)، قد عطّل العمل في جميع المرافق في بلدان العالم قاطبة، وأضرّ بالإنتاج والمردودية والنشاط في القطاعات المختلفة مع تفشّيه واستمراره. فأصبحت الحياة مواتا، ليس للأجساد وحدها بل للمجتمع كامله، ووصل الأمر إلى حدّ ظهر معه مبحث عند علماء السوسيولوجيا أسموه "الموت الاجتماعي"، لما أصاب العلاقات الإنسانية في مقتل
سنة ثقافية قاحلة في مغرب الكوفيد... والغد مأمول
                                      

​
Smaller Bigger

                       

من نافلة القول أنّ فيروس كورونا المستجد (19)، قد عطّل العمل في جميع المرافق في بلدان العالم قاطبة، وأضرّ بالإنتاج والمردودية والنشاط في القطاعات المختلفة مع تفشّيه واستمراره. فأصبحت الحياة مواتا، ليس للأجساد وحدها بل للمجتمع كامله، ووصل الأمر إلى حدّ ظهر معه مبحث عند علماء السوسيولوجيا أسموه "الموت الاجتماعي"، لما أصاب العلاقات الإنسانية في مقتل.

 بينما، في الدول الغربية خاصة، وصل الحديث عن جمود الحياة الثقافية وتعليقها، كتباً وفناً ومعارض وكلّ ما يتصل بالتغذية الفكرية والروحية إلى درجة الإحساس بالكارثة والمأساة، هو ذا (الموت الثقافي)، خاصة عند شعوب لا يمكن إسكاتها بأن العيش ممكن بالخبز وحده.

لم نبلغ هذا الإحساس في البلدان العربية حيث الثقافة ومنتوجها ومعروضها يقع في الدرك الأخير تقريبا من حاجات الإنسان (لا يسمى المواطن، إلا نادرا!)، وتطلعاتهم تُعنى بالضروري قطعا، تقريباً، أي التغذية المباشرة، بما في ذلك النّخب التي كانت في الماضي المستهلك الأول للمنتج الثقافي.

وعلى رغم ذلك، ظهر الافتقار الى الحاجات الرمزية في بلدان عربية شتى، أخص منها لبنان ومصر والمغرب، هذا الأخير الذي قامت فيه في السنوات الأخيرة منتديات ومؤسسات، بمبادرات خصوصية لما سُمِّي بقطاع الصناعات الثقافية، وهيئات المجتمع المدني والندوات الأكاديمية والإصدارات الموازية.

لوحة في زمن الحجر على أحد الجدران في أصيلة 

 
 

معرض الدار البيضاء للكتاب

 مِثل ضربة حظّ كان معرض الكتاب الدولي للدار البيضاء قد انهي دورته السنوية (8ـ 22  شباط/ فبراير) ليدخل المغرب مباشرة في فترة الحجر الصحي جرّاء ظهور فيروس كورونا 19، الوباء الذي اتخذت إجراءات مكافحته من قبل السلطات  في البداية طابعاً صارماً وشاملاً عمَّ الإدارة العمومية والتعليم بمستوياته والقطاعات الحيوية جميعها في الحواضر والأرياف.

وامتدّ ايضا ليغلق المكتبات العمومية حيث قاعات الباحثين والمطالعة للطلبة والفتيان، وغطّى مكتبات البيع، التي عرفت تناقصاً ملحوظا في السنوات الأخيرة لعديد أسباب، وجاء حلول الفيروس الفتاك ليزيدها وبالا.

أصبح معرض الكتاب الدولي للدار البيضاء موعداً سنويا للسوق المغربية والعربية، ومن بين أهم الفرص لانتعاش الكتاب لجميع الاختصاصات والمشارب، تشارك فيه كبريات دور النشر العربية والأجنبية، الفرنسية خاصة، وتنظّم بموازاته ندوات فكرية وأدبية للمغاربة وزملائهم العرب، أضافة إلى مدعوِّي دولة ضيف الشرف، مع جلسات توقيع هي المناسبة الفريدة ليجلس الكاتب تحت ضوء عابر وينتعش بلقاء قارئه إن وجده.

المعرض الذي يشهد إقبالا لا بأس به لجمهور متعطش فعلاً للقراءة، للأطفال والفتيان فيه نصيب من الكتب الخاصة والعروض واللقاءات، أيضا الطفولة، ورغم إحباط القدرة الشرائية المحدودة يغادر جمهور تعدادُه عشرات الآلاف حاملاً ما تيسّر، وأحيانا الأكياس.

كان الناشرون والمكتبيون، والكتاب خاصة، يندبون حظهم حينا بسبب الركود، ولكن بعد كورونا راحوا يندبونه مرات في شبه مأتم، ولم يجد الكتاب المغربي من يتعهده بالرعاية والمسايرة في الزمن الكوفيدي الحرج.

اعتادت وزارة الثقافة أن تقدم دعما للكتاب فتساهم بقسط وافر في طبع كتبهم عند الناشرين من خلال عملية اختيار تشرف عليها لجنة معتمدة، وهي عملية تمثل سنويا متنفسا يتيح لعشرات الكتب بالطبع، وكذلك لعدد من الإصدارات للبواكير بما يفسح المجال للموهوبين من الناشئين، لكن وزارة الاختصاص أحجمت هذا العام بقرار غير مفهوم عن هذا الدعم مكتفية باقتناء كمية من الناشرين لدعم هؤلاء دون الكتاب! فلو أضفنا إلى هذا إلغاء معرض الكتاب سنة2021 ظهر لنا أي قحط سيضرب سوق القراءة. أما جائزة المغرب للكتاب التي تمنحها الوزارة سنويا للآداب والمعارف المختلفة فقد مرت باهتة زيادة على ما أثير حولها جدل وانتقادات خصت لجانها ومعايير التحكيم وقيمة الأعمال في حد ذاتها، تبدو هذه الجوائز، خلا مبلغها المادي المحدود، لا تسمن ولا تغني من جوع سوق القراءة في شيء.

شعار الدورة السابقة من معرض الكتاب

 

المسرح بلا أضواء

بعد هذا الوباء، جميع المسارح، التي كانت إحدى مجالات التعبير والتمثيل الدرامي، الراقي والشعبي في المغرب- يتقدمها مسرح محمد الخامس بالعاصمة الرباط، بقيت أضواؤها مطفأة وستائرها مسدلة، بينما كانت تعيش الاحتضار قبل أوان الوباء. وفيما اختفت الفرقة الوطنية، تبعثرت بين المدن فرق محلية للهواة وأشباه المحترفين تتعكز دائما على منح الدولة ودعم وزارة الثقافة الذي شحّ أو انعدم هذا العام، فزاد الطين بٍلّةً، فضلاً عن عائق إمكانية العرض للمنع الذي يظل يطول القاعات بحكم إكراه التباعد الجسدي.  

 

 

مسرح محمد السادس

 

السينما والمهرجانات

أسوأ من المسرح هو وضع السينما، ولا سيما المهرجانات الخاصة بها. معلوم أن المغرب تحول إلى إحدى المراكز العالمية للتصوير السينمائي (واحات مدينة ورزازات جنوبي الأطلس الكبير)، وغدا ينظم مهرجانا دوليا للسينما تحتضنه مدينة مراكش ذات الصيت السياحي العالمي يضاهي كبريات المهرجانات ويترأس لجانه أمهر المخرجين، أميركيين وأوربيين، وحضوره ألمع النجوم.

لم تشتعل العام الذي ودعنا قصور وأبهاء فنادق مراكش الأسطورية لتقديم أفضل الأفلام المتبارية للحصول على سعفتها بحضور رسمي رفيع، ولتستقبل على السجاد الأحمر الزاهي لقصر السعدي والمامونية حسناوات هوليود.

ساحة جامع لفنا، وهي المجمع الشعبي للفولكلور المغربي وجنوبه، خصوصا حيث يتجمع سكان المدينة والسياح الأوربيون المنبهرون بالسحر وخيالات الف ليلة وليلة المستعادة عجائبيا قبالة شاشة بملء فضاء الساحة المسجلة تراثا شفويا عالميا لدى منظمة اليونسكو؛ بقيت بل أضحت قاعا صفصفا، والعربات الفارهة خيولُها الشهباء يائسة تصهل مبحوحةً في الفراغ. لا بل إن كل مهرجانات السينما ألغيت العام المنصرم، مهرجان "السينما الإفريقية" في مدينة خريبقة، و"المتوسطية" في مدينتي تطوان وطنجة، و"سينما المؤلف" في الرباط، دعم من مهرجانات الموسيقى والفنون التي تنتعش عادة طيلة الصيف في جميع المدن والساحلية بالذات، وتمثل فرصة للقاء أكبر عدد من الجمهور بفناني الداخل والأجانب من كل الأرجاء، ظاهرة أصبحت من مكونات المشهد الثقافي في المغرب في العقدين الأخيرين.

الممثلة العالمية ماريون كوتيار في آخر دورات مهرجان مراكش السينمائي
 
 

منتدى أصيلة

غير أن أكبر غياب عرفه هذا المشهد هو احتجاب الموسم الثقافي الذي تنظمه كل صيف "مؤسسة منتدى أصيلة" التي يشرف عليها الأمين العام الأستاذ محمد بن عيسى وزير الثقافة والخارجية السابق، والذي أستطاع طيلة أربعين عاما أن يرسي دعائم مهرجان متعدد الاهتمامات والتعبيرات.

ورغم كلّ التحديات، تصدى محمد بن عيسى لموانع الوباء، فلمع ببارقة الأمل الوحيدة في عام كامل الجفاف، إذ خفف من وقع الغياب الاستثنائي ل"موسم أصيلة الدولي الثاني والأربعين" من خلال ورش الفن التشكيلي، جريا على تقليد زينت جدران المدينة ودشنت خلاله معالم فنية زادت أصيلا رونقا، وكانت فعلا حدثا فريدا واستثنائيا.

 لا يفوتنا في رسم هذه اللوحة الواسعة لما لحق الحياة الثقافية في المغرب من أضرار، انقطاع شبه تام لندوات الجامعات المغربية من التمثيلات الرصينة اليوم للفعل الثقافي بوجهه الأكاديمي لم يعوضها ما عقد بوسائط التواصل الاجتماعي وكذلك حال اللقاءات الأدبية والفنية.

يرسم على جدران مدينة أصيلة
 
وجوه مغربية

وإنه لمن المحزن أن أنهي الورقة بما لا مناص منه وهو مؤلم رحيل أعلام شغلوا ساحة الثقافة المغربية ردحاً من الزمن. وجاء غيابهم عصيّا على الاحتمال ليزيد العيش في ظروف الجائحة وحشة.

 في البال، ثريا جبران عميدة المسرح المغربي، ومحمد المليحي، التشكيلي ذو الصيت الدولي، وحسن لمنيعي الأكاديمي منظّر المسرح المغربي والعربي، ونور الدين الصايل من أعمدة السينما المغربية، وأفذاذ غير هؤلاء من فنانين وإعلاميين زاد بفقدهم الواقع قحولة، ليبقى الأمل معقودا في المغرب والعالم العربي كله على خصب يحمله العام الجديد. 

له بشائر أولى في انتعاش نسبي لسوق لكتاب حيث بدأت دور صغيرة بالمغامرة في دخول ميدان النشر الصعب، فظهرت دار جديدة باسم "أكورا"، بإصدارات أدبية جريئة، وكذلك انتقال دار "مفترق الطرق" الكبيرة المتخصصة في الكتاب الفرنسي والفرنكوفوني إلى النشر بالعربية، بينما يقتحم "المركز الثقافي للكتاب"، ويدشن موسم النشر في مطلع العام الجديد بقوة بإصدار روايات ودراسات لكتاب وباحثين مرموقين، رغم استمرار ظروف السوق والكوفيد الصعبة.

الفنان المغربي الراحل محمد المليحي
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
شمال إفريقيا 10/20/2026 12:56:00 PM
استنفار إسعافي عقب تصادم حافلة ركاب وشاحنة نقل ثقيل على طريق القاهرة–أسيوط الصحراوي الغربي، وتوجيهات بتقديم مساعدات عاجلة للمتضرّرين.
لبنان 10/19/2026 12:33:00 PM
ما هي القضية؟ إلى أي عام تعود؟ وما هي حيثياتها؟