الخليلُ والجهل... والمونديال!
لو كنت تعلمُ ما أقول عذرتني/ أو كنت تعلمُ ما تقول عذلتك
لكن جهلتَ مقالتي فعذلتني/ وعلمت أنّك جاهل فعذرتك
لله دَرُّ الخليل بن أحمد الفراهيدي قائل هذين البيتين في وصف الجاهل؛ حيث إنّه تكلّم عن حامل صفة الجهل لا عن الأمّي، لأن الفرق بينهما كبير، فشتّان بين الثرى والثريا. فالثاني لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ولكن قد تكون الحياة علّمته الكثير وكانت خير مدرّس له، وأعطته من التجارب ما يحتاج إلى مجلّدات لتدوينها.
فالفراهيدي خصّ الجاهل الذي يعرف ويحرف كاللبنانيين الذين يعرفون حقائق زعمائهم، ويغالطون الواقع ولا يريدون تصديق ما تراه أعينهم. من هذا المنطلق، علينا أن نكون حذرين في التعامل مع الجاهل وهو صنو الأحمق ونعامله معاملة المريض مرضاً لا يُرجَى برؤه، وفي هذا قال المتنبّي:
لكلّ داء دواء يُستَطَبّ به/ إلا الحماقة أعيت مَن يداويها...
وفي العودة إلى بيتَي الفراهيدي، نرى أنّه يربط بين العلم والمعذرة، وبين الجهل والعذل (اللوم)، فالذي يعلم يلتمس للناس الأعذار دائماً في حلّهم وترحالهم وفي بدوهم وحضرهم وفي سكناتهم وحركاتهم... والذي لا يعلم يرى أنك مخطئ ولو كنت مصيباً.
والجدير بالذكر أنّ هذين البيتين قيلا في أخي الخليل، أمّا المناسبة التي قيلا فيها، فهي أنّ الفراهيدي بعد أن رجع من سوق النحّاسين في منطقة العروض، اعتزل الناس واختلى بنفسه في بيته، وانكبّ على العمل لنظم الميزان الشعري، فأمسك بعود ووضع إناءً نحاساً أمامه وأخذ يضرب عليه محدثاً إيقاعاً، قائلاً فاعلن، مستفعلن، فعولن... وبينما هو على هذه الحال، مأخوذاً بتفعيلاته، سمعه أخٌ له، فما كان من الأخير إلا أن ذهب إلى المسجد، منادياً يا قوم، يا قوم، لقد جُنّ أخي، لقد أصابه مسّ من الجنون، فتوجّه الحشد معه إلى البيت، فلما سمعوه، ناداه أحدهم يا أبا عبد الرحمّن، أبِك شيءٌ؟ هل تشكو شيئاً؟ أتريد أن نأخذك إلى الطبيب؟ فقال ولِمَ ذلك؟ فقالوا: أعلمنا أخوك بأنّك جُنِنت، فما كان منه إلا أن أنشد هذين البيتين.
ما أسعى إلى قوله هنا، أن الإنسان يستطيع أن يكذب بعض الوقت على بعض الناس، لكن لا يستطيع أن يكذب على جميع الناس معظم الوقت. بالتالي، يستطيع أن يتعامل مع الجزء الأول باعتبارهم جهلة كحال اللبنانيين مع زعمائهم ومسؤوليهم، إذ طالَعنا أحد المسؤولين الجهابذة في خصوص نقل تلفزيون لبنان الرسمي مباريات كأس العالم، بمقولة تحتاج إلى ما شاء الله من الأدمغة لاستيعابها، وقد يعجز عن تفسيرها عباقرة العلم والفيزياء والذرّة... حيث أعلن أن الاتفاق مع الشركة المالكة حقوق البث قد أُنجز والمبلغ المطلوب قد تأمّن، إلا أن العائق الوحيد أمامنا هو آلية الدفع، لذا نحتاج إلى فتوى قانونية للدفع باعتبار الحكومة مستقيلة، ولا نستطيع الدفع كي لا نخرق القانون ولا نتجاوزه.
المضحك المبكي أن ما من مناسبة في لبنان إلا ويُنتَهك فيها القانون والدستور، إلا ما يفيد اللبنانيين أو ينفّس عنهم، فهما يُخلَعَان ويُلبَسان بحسب مصالح الزعماء ومآربهم. فلو لم يكن الأمر كذلك، لما كنا وصلنا إلى الدرك الأسفل في جميع المجالات. فهل ما نعيش اليوم إلا نتيجة الجهل والإفلاس الثقافي، ونتيجة استغلال السياسيين مواقعهم ومراكزهم، والاستخفاف بعقول اللبنانيين الذين "يطبّلون" لهم و"يزمّرون"، حتى حين يمتطون ظهورهم ويدقّون أعناقهم؟!
لقد قال أرسطو: يختلف المتعلم عن الجاهل بقدر اختلاف الحيّ عن الميت. وقال أمير الشعراء:
العلم يرفع بيتاً لا عماد له/ والجهل يهدم بيت العز والشرف
ألم نهدم نحن اللبنانيين، بيتنا الكبير، بجهلنا؟
نبض