23-12-2021 | 16:50

رحيل ماجدة الجندي بعد حياة كرّستها للكتابة والأمومة

الكتابة كما أعرفها، عمل شاق، وكما تعرفها أيضا ماجدة الجندي؛ الكاتبة الصحافية التي قضت حياتها وهي تكتب، من دون أن يمنعها عن ذلك التزام أمومي، أو عائلي، أو عارض صحي، على كثرة ما عانت من متاعب صحية أنهكتها، وكانت تتقبلها وتتحملها برضى وصبر هائلين.
رحيل ماجدة الجندي بعد حياة كرّستها للكتابة والأمومة
Smaller Bigger

الكتابة كما أعرفها، عمل شاق، وكما تعرفها أيضًا ماجدة الجندي؛ الكاتبة الصحافية التي قضت حياتها وهي تكتب، من دون أن يمنعها عن ذلك التزام أمومي، أو عائلي، أو عارض صحي، على كثرة ما عانت من متاعب صحية أنهكتها، وكانت تتقبلها وتتحملها برضى وصبر هائلين.

الكتابة عن ماجدة الجندي ليس أمرًا جديدًا بالنسبة إليّ، لكنّه شقّ عليّ كثيرًا هذه المرة. فصحيح أنني كتبت عنها في حياتها، وأحب دائمًا أن أكتب عنها، ولكن أن أكتب لأرثيها فهذا أمر لا يحتمل.

في يوم وفاتها وصلتني رسالة تطلب مني كلامًا عنها، من صديقة وزميلة في الأهرام. بلغتني في يوم كنت مشتتًا فيه بسبب خبر وفاتها الذي صعقني حرفيًا، ولأنني كنت أداري أحزاني أمام التزامات عملية اقتضت وجودي وتركيزي في ما يشبه اجتماعاً.

خرجت من الاجتماع لأرسل رسالة صوتية أطلب فيها الانتظار قليلاً، ووجدت أن صوتي لا يخرج، لأنّ بكاءً مكبوتًا يبدو كان متجمعًا في حلقي. شعرت أنني أخرس. ما الذي يمكن قوله؟ ما الذي يمكنني به التعبير عن خسارة فادحة كهذه؟ كتبت كلمات مقتضبة مشتتة، لا أعرف كيف أجمع شتاتها.

قبل فترة وجيزة اتصلت بي، وكان صوتها يعبّر عن توتر وتشتت. قالت لي إنها ليست بخير، وحاولت أن أفهم. وطال بيننا الحديث، ثم حكت لي عن حلم ترى فيه نفسها تنتقل من ضفة إلى أخرى، ويبدو أنني كنت أرفض داخليًا دلالة الحلم، لأنني نسيت تفاصيله الدقيقة الآن، رغم أنها أعادت حكيه لي على مدى المرتين اللاحقتين لاتصالاتنا.

ولكني قلت، كم من أحلام حكت عنها من قبل، وكم من محن مرّت بها هذه الإنسانة القوية، وهي بدورها كانت تسألني عن أحوالي وزوجتي وابنتي ودراستها، وتتنقل بنا الأحاديث من الخاص الى العام، بينما يفيض شعوري بالونس من حوارنا الطويل.

خلال محنة مرضها عام 2010، فكرت أن أجمع أعمالها في كتاب، وفعلت ذلك بالفعل، ونُشر بعنوان "كما تدور عجلة الفخار" وصدر عن دار العين؛ لأنني كنت أعرف أنها رغم كل ما كتبت في مسيرتها الطويلة، لم تكن ترى في نفسها أكثر من كاتبة صحافية، لا تهتم بأن تجمع كتاباتها في كتاب، فقررت أن أهدي إليها كتابًا يضم أهم مقالاتها في صفحة الكتب "غذاء العقول" التي أسستها في الأهرام، والتي شرّفتني باختياري لملازمتها محرّرًا فيها، في خبرة من أجمل خبراتي الصحافية التي جمعت بيننا في حب الصحافة والكتابة والكتاب.

بكيت إنسانة مهمومة بالوطن، وبابنيها، محمد وماجدة، وبنا نحن زملاء وأبناء المهنة، لا تكلّ عن مراقبة ما يحدث في المجتمع المصري والتفكير في مدلولاته ومآلاته، وأُمًّا كانت تدعم مواهبنا من جهة، وتدافع عن موهبتنا أمام كل ما تراه يبتغي أذاها، وهو ما كان واضحًا لنا جميعًا حين رأست القسم الثقافي في الأهرام العربي، وقدمت لنا مع الصديقين سيّد محمود ومحمد بركة، نموذجًا لإدارة العمل الصحافي الثقافي، وفي الأمومة أيضًا.

ولعلّ هذا الإحساس الفريد هو ما جعل من خبرتها مدرسة صحافية خاصة جدًا، ربما يعود الفضل فيه لعملها في مجلة صباح الخير لأكثر من عقدين قبل الانتقال للأهرام، في مؤسسة احتشدت بالفنانين والرسامين والموهوبين كانت تجعل كل فرد فيها يشعر أنه فرد في عائلة مواهب مؤسسة روز اليوسف العريقة، التي كانت تضم مجلة صباح الخير.

عاينت هذه الروح أيضًا عندما تولت مسؤولية إدارة تحرير مجلة أطفال مرموقة في الأهرام، وغدت رئيس تحرير مجلة علاء الدين.

 

الكتابة هذه المرة شاقة أيضًا، لأن استدعاء سيرة ماجدة الجندي استدعاء مزدوج لسيرة كاتبة عظيمة، وإنسانة راقية، وأيضًا استدعاء لسيرة شخصية، لأنها كانت سندًا كبيرًا في أهم مراحل حياتي. ولأنها كانت الزميلة والصديقة والأم والأخت الكبيرة على مدى لقاءاتنا اليومية في مكتبها بالدور السادس في البداية، وهو المكتب المجاور لمكتب توفيق الحكيم ثم نجيب محفوظ الشهير، وكانت في الغرفة مكتبان، أحدهما كان للكاتب فهمي هويدي الذي كان يحضر مرة واحدة في الأسبوع ليراجع مقالته. ثم بعد انتقالها إلى مجلة علاء الدين، حيث خصصت لي مكتبًا مجاورًا لها، طوال فترة وجودي قبل سفري إلى الكويت.

وقد أجبرت نفسي على كتابة هذه المقالة ربما لأن هذا حقها علي، ولكني على يقين أنني لست مستعدًا للكتابة عنها لكي أرثيها. ربما أيضًا لأن تصديق الخبر نفسه صعب جدًا.

 

وأود التوقف عند ماجدة الجندي، الكاتبة التي تبدو الكتابة بالنسبة إليها حالة حياة، أو ملازمة للحياة، أو معنى من معاني الحياة.

 

بالرغم من أنها، ورغم إلحاحي عليها كثيرًا، لم تجد في نفسها الرغبة في نشر كتاب، لكنّها في المقابل كان لديها شغف كبير بالكتابة. لو توقفت عن الكتابة تشعر بأن معنى من معاني وجودها معطل. تراقب كتابة الأدب بحب وشغف، خصوصًا وهي رفيقة درب كاتب استثنائي هو الكاتب الكبير الراحل جمال الغيطاني، الذي كانت أعماله الأدبية محورًا للحوار بيننا في الكثير من المرات.

ولأنّ الكتابة لديها، رغم مشقتها، وكم كنت أراها صباح يوم انتظار تسليمها المقالة الأسبوعية (عرض كتاب مطول) وهي لا تزال تتأمل ما تكتب، متوترة، ومتعبة، تريد أن تقول ما تريد بأفضل شكل ممكن، من دون إخلال بمضمون الكتاب، وأن تنجح في عرض الالتقاطات التي تلفت انتباهها وترى أنها مؤشر على واقع نعيشه أو معاناة يعاني منها المجتمع.

مع زوجها الكاتب الكبير جمال الغيطاني
 
 

أقول رغم مشقة الكتابة فهي كانت ترى فيها كائنًا حيًّا، يجب أن تنبض بالحياة والحيوية، وهو ما انعكس حتى على إخراج الصفحة فنيًا، وأزعم مطمئنًا أنّ صفحة الكتب التي أسستها، وطوال فترة إشرافها عليها كانت بمثابة نقطة جمال حيوية، شكلًا ومضمونًا، بين صفحات الأهرام، تمتلك جمالًا رشيقًا يتناغم مع جمال الأسلوب والكتابة، وظني أيضًا أن ذلك استدعاء مزدوج لمدرسة صباح الخير من جهة، وللصحافة الفرنسية المختصة في الكتب والثقافة من جهة أخرى، وخصوصًا أنّها كانت شغوفة بالقراءة بالفرنسية أيضًا، وقدمت أكثر من عرض لكتب فرنسية في الصفحة، إضافة للقاءاتها مع كتاب فرنسيين وإيطاليين (جون لاكوتير، أندريه ماكين، أمبرتو إيكو(، أجرت الحوارات معهم باللغة الفرنسية، وآخرين بطبيعة الحال مثل جونتر جراس، واليوغسلافي فيدوساف شتيفانوفيتش، والتركي نديم غورسال، وغيرهم كثر، إضافة لمثقفين وكتاب عرب كبار.

أعرف أهمية ما كتبته، والشفرات التي كانت تلتقطها في الكتب أو المجتمع لتكتب عنها تعبيرًا عن هموم الناس والمجتمع، وحلمها بوطن عادل يليق بحياة المصريين، وباسم مصر الذي كان محركًا ودافعًا لكل ما كتبت. وأعرف أن من حقها أن ترى كل هذه الكتابة النور في كتب يقرأها الناس والأجيال.

كتبت هذه الكلمات وهي ليست كل ما أرغب في كتابته عن إنسانة لا كلمات تعبر عن حجم خسارتي الشخصية في وفاتها، ولا يمكن أن تعبّر عن مشاعر كل من يشعرون بالخسارة الفادحة، خصوصًا عائلتها الصغيرة المكونة من محمد الغيطاني وماجدة الغيطاني، والحفيد مالك. ولا تعبر عن حجم إسهامها في الثقافة والصحافة الثقافية. لكني من المؤكد سأفعل.

ماجدة الجندي مواليد مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، تلقت تعليمها بمدرسة الليسيه، وفي عام 1971، التحقت بكلية الآداب، جامعة القاهرة، حيث درست الفلسفة، وبدأت في العمل الصحافي منذ أول سنوات دراستها بالجامعة.

بدأت حياتها العملية محررة وكاتبة صحافية في مجلة روز اليوسف، وظلت تعمل في مجلة صباح الخير لأكثر من عقدين، في قسم "أفيش"، ثم التحقت بعدها بمؤسسة الأهرام وتدرجت فيها حتى رئاسة القسم الثقافي.

تولت الراحلة رئاسة القسم الأدبي والأقسام الثقافية في الأهرام، كما تولت رئاسة تحرير مجلة علاء الدين الصادرة عن مؤسسة الأهرام.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 5/13/2026 7:34:00 PM
يأتي انتشار الفيديو مع تراجع الآمال في تسوية وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.
لبنان 5/13/2026 12:30:00 PM
ماذا نعرف عن نهر الليطاني؟ وكيف تحوّل من مجرى مائي إلى اختبار مفتوح لحدود السيادة في لبنان المعاصر؟
لبنان 5/13/2026 7:33:00 PM
هافن برنابا، ابنة الأعوام الستة، توجه من مركز إيواء في المنصورية رسالة مؤثرة إلى رئيس الجمهورية تختصر وجع قرى الجنوب الحدودية وحنين أهلها إلى العودة