بين الموت والحياة فكرة!
لا ريب في أنّ الحياة ثمينة/ لكنّ نفسك في حياتك أثمنُ
الحياة أجمل عطية من الخالق للإنسان، ومفهومها يختلف من شخص لآخر، حيث إنّه لا ينحصر بكلمات محدّدة، بل قد يختلف عند الشخص نفسه، بحسب ظروفه وأحواله وتبدّلاتها... ولكن ما لا نختلف عليه هو أنّها ثمينة، وعزّة النفس في الدنيا أثمن من الحياة نفسها. وهذا ما أشار إليه الشاعر القروي رشيد سليم الخوري في بيت الشعر الآنف الذكر.
من هذا المنطلق، إمّا أن يحيا الإنسان أبياً عزيز النفس، وإمّا أن يكون عائشاً كالأموات. فأيّ الحياتين أنت طالب؟
قال المتنبي:
خير أعضائنا الرؤوس ولكنْ/ فَضَلَتها بقَصدِك الأقدامُ
فلا نجعلنّ عقولنا في مستوى أقدامنا بقصدنا، والمراد أن نكرّم آلة التفكير عندنا وننزلها منزلتها، وأن نرتقي بتفكيرنا إلى أعلى المستويات، أقلّه لنحيا حياة كريمة ولا نكون كالبهائم ترتع هنا وهناك وهنالك، وكالحمير تحمل أسفاراً.
لا تُقاس حياة الإنسان بالفترة الزمنية الممتدّة من لحظة ولادته إلى يوم مماته، بل تُقاسُ بما قدّمه لغد وبما أنجزه وبما ترك من أثر يثبت وجوده فيها، وهنا لا أقصد المكانة والرتبة والشهرة... فلن يكون الناس كلهم ذوي سلطان ورفعة... بل أقصد تحقيق وجوده كإنسان خلقه الله فأحسن خلقه وكرّمه... فإذا لم تكن قد اخترت حياتك، فلتختر فيها عزّتك واحترامك لنفسك، واخلق لذاتك حيّزاً تكون فيه كبيراً، وكن من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وينطبق عليهم بيت شعر المتنبي الذي يقول فيه:
وإذا كانت النفوس كباراً/ تعبت في مرادها الأجسامُ
فليس أصعب من أن تفقد الحياة وأنت فيها، وهذا للأسف ما نحن فيه اليوم في لبنان بما كسبت أيدينا، حيث إن الحثالة والرعاع ينتخبون أشخاصاً ويفرضونهم علينا لا لحكم البلاد بل للتحكم في العباد. والسؤال المطروح هنا: ماذا قدّم لنا هؤلاء غير الغربة في الوطن ونحن فيه، والبطالة وقلّة القيمة والذل والمهانة... والانفصال عن الواقع والناس، والعزلة والاكتئاب وحتى الانتحار؟ والسؤال الآخر: أي ملفّ في البلد يسير كما يجب، من الغذاء إلى الماء إلى الدواء إلى الطرق إلى الكهرباء إلى المعاملات في الدوائر الرسمية... إلى النفايات التي لم تسلم هي أيضاً من شرّهم. هذا كله ألا يستدعي منّا لحظة تفكر وتأمل وإعادة حساباتنا لنرى ماذا فعلنا بأنفسنا باختيار الأشخاص أنفسهم لتمثيلنا وهم سبب المصائب وسبب الفساد والإفساد؟ أليس من حق أنفسنا علينا أن نحترمها وإن بأقل الممكن؟
إنّ عدم معرفتنا بأهدافنا في الحياة يجعلنا بلا قيمة وبلا نفع، الأمر الذي يفقدنا هويتنا، ويُشعِرنا بالضياع وبالنقص عن الآخرين. يمكن كل واحد منا تحديد هويته في العمل الذي يرغب فيه وتحقيق طموحاته، والتمتع في الحياة، والعيش بعزّة وكرامة، وهذا ما ليس متوفّراً عندنا، حيث نُعتبَر أرقاماً في الانتخابات فقط لمصلحة الزعيم أياً كان ومَن يُوالونه من مزمّرين ومطبّلين وتقديم أنفسهم فداء له مهما فعل ومهما استغلّ وسرق ونهب وأجرم... بحجّة أنّه يحمي طائفته من الطوائف الأخرى، وهذه الحجة أقبح من أفعاله وممارساته وبهلوانيّاته، هذه الكذبة الكبيرة حماية الطائفة من الآخرين، ليست إلا شمّاعة لضمان بقائه على الرقاب، ألم يحن الوقت لنطرح على الزعماء الذين يريدون حماية طوائفهم، السؤال: مَن يحمينا منكم أنتم ومن أفعالكم المشينة؟
ألم يَئِنِ الأوان لمعرفة قيمتنا كبشر، ونعيش ما تبقّى من أعمارنا ونحن ندرك قيمة الحياة التي وهبنا الله إيّاها؟ لقد قال مارسيل آشار: "ثمّة شيء واحد فقط مؤكد في الحياة هو أنّنا نضيّعها". وقال مصطفى محمود: "قيمة الإنسان هي ما يضيفه إلى الحياة بين ميلاده وموته"، فهل سندرك يوماً قيمة الحياة قبل الموت ونضيف إليها ما كان يجعلنا نستحقّها؟
نبض