18-12-2022 | 15:50

البيان الأخير ضدّ فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة الخامسة

كانت الحرب التي أعلنت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر)، بداية للتجمع الوطني بين كل قوى الشعب. ولن أدخل في تفاصيل الحرب ومن أخطأ ومن أصاب. هي في النهاية كانت أعظم ما تم انجازه بالنسبة إلينا نحن المدنيين.
البيان الأخير ضدّ فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة الخامسة
Smaller Bigger
كانت الحرب التي أعلنت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر)، بداية للتجمع الوطني بين كل قوى الشعب. ولن أدخل في تفاصيل الحرب ومن أخطأ ومن أصاب. هي في النهاية كانت أعظم ما تم انجازه بالنسبة إلينا نحن المدنيين.

بدت الحياة تتسّع أمامنا، لكن بقي العمل السياسي من باب واحد هو الاتحاد الاشتراكي. في ذلك الوقت عرفت الحياة السياسية أحزاباً شيوعية سرية مثل "حزب العمال" و"الحزب الشيوعي المصري" و"التيار الثوري" و"8 يناير"، وهي إحياء للأحزاب الشيوعية القديمة التي انتهت إلى المعتقلات في عهد عبد الناصر، وطبعاً ذلك لم يكن خافياً على الأمن، ولا على السادات نفسه، رغم أنه في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1975 قام بتمثيلية لطيفة، وهي هدم أحجار من سجن طرّة وعنبر السياسيين في احتفال ظهر في التلفزيون، وشارك في الهدم بعض المسجونين السياسيين.
قيل إنها بداية لهدم الليمان كله، وطبعاً لا يزال الليمان في طرة، وأقيمت ليمانات أخرى سيأتي الحديث عنها في مكانه من هذا الكتاب. لكن  ظاهرة جديدة طفت على السطح.

لقد كان ذلك مقدمة للإفراج عن المسجونين من جماعة "الإخوان الملسمين" منذ أيام عبد الناصر. بدأت في مصر لعبة غريبة، وهي أن يوازن السادات بين اليسار الذي يجمع الناصريين والشيوعيين، وبين "الإخوان المسلمين". كان في دستور 1971 الجديد قد أضاف في مادته الثانية أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع.
بدأت سياسة إرضاء "الإخوان" والاتصال بقياداتهم الهاربين في الخارج، وفي السعودية، وأفرج عن القيادات التي في السجون، وأعطي تعليمات بعودة الجنسية لمن سُحبت منه الجنسية في الخارج في عهد عبد الناصر.
كان محافظ أسيوط محمد عثمان اسماعيل بداية العمل في هذا الاتجاه فبدأ في إحياء تنظيم "الإخوان" في أسيوط، فصارت أكبر مرتع للجماعات الإسلامية في ما بعد.
عرفت الجامعات ظهور "الإخوان" من الطلاب، فقد كان يتم جذبهم وتدريبهم على أعمال الكاراتيه والمصارعة، ليقفوا ويمنعوا الطلاب اليساريين والناصريين.
ظهرت في الأزهر وفي المساجد دعوات للحجاب وغير ذلك ما أحدث تغيراً كبيراً في الحياة المصرية نعاني منه حتى الآن. وصار اسم السادات لا يُنطق إلا يسبقه محمد، فصار محمد أنور السادات.

على الجانب الآخر قرر السادات إقامة حياة ديمواقراطية شكلية، فكان قيام الأحزاب الذي بدأه عام 1974 بورقة لتطوير الاتحاد الاشتراكي. بدأ حوار في مجلس الأمة الذي تغير اسمه إلى مجلس الشعب، لتحديد مستقبل الحياة السياسية في مصر. انتهى الأمر إلى تشكيل ثلاثة منابر داخل الاتحاد الشتراكي، هي منبر اليمين بزعامة مصطفى كامل مراد، سيصبح في ما بعد "حزب الأحرار الاشتراكيين"، وآخر للوسط بزعامة ممدوح سالم سيصبح "حزب مصر"، وثالث لليسار بزعامة خالد محيي الدين سيصبح "حزب التجمع".

 الدنيا في الخارج كانت يساراً في الأحزاب الشيوعية السرية، أو في الأوساط الثقافية والصحافية وبين الطلاب والعمال، وناصريين أيضاً في الأوساط الثقافية والصحافية وبين الطلاب والعمال لكن ليس في السرّ.

لا معنى لوجود أحزاب سرية للناصريين. أما اليمين فبدأ يتبلور في "الإخوان المسلمين" الذين ينمون كل يوم، ولا أحد يذكر الوسط أو يدعي انتماءه إليه في الخارج، رغم أن ذلك موجود وحدث داخل الاتحاد الاشتراكي. في أيلول (سبتمبر) عام  1976 أقيم استفتاء على رئاسة السادات من جديد ففاز بنسبة 99.93 في المئة. صحيح كان الفخر بحرب تشرين الأول (أكتوبر) لا يزال سارياً في البلاد، وصحيح أن الإخوان المسلمين كانوا رصيداً له، لكن الرقم يذكرنا بعهد عبد الناصر "وكأننا يا زهر لا رحنا ولا جينا".

في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، أقيمت انتخابات مجلس الشعب. وللمرة الأولى يتنافس المرشحون، ممثلين منبر اليمين واليسار والوسط. تمت الانتخابات، وبالمناسبة كانت انتخابات جيدة إلى حد كبير فلم تشهد تزويراً كبيراً، وظهرت فيها شخصيات معارضة مثل الدكتور محمود القاضي وكمال أحمد وأبو العز الحريري والشيخ عاشور محمد نصر وممتاز نصار وعلوي حافظ ومحمد حلمي مراد وخالد محيي الدين وكمال الدين حسين من رجال الثورة، ومن "الإخوان المسلمين" المستشار عادل عيد والشيخ صلاح أبو اسماعيل، وإن لم يدخلوا الانتخابات ممثلين لأحزاب، لكن كمستقلين.

كانت النتيجة برلماناً صاخباً لم يتحمله السادات بخاصة بعد اتفاق كامب ديفيد في أيلول (سبتمبر) 1978 والمعارضة لها فتم حلّه. لقد وافق 239 نائباً على الاتفاقية، واعترض خمسة عشر فقط، وامتنع نائب واحد عن التصويت، لكنّ السادات لم يتحمّل فحلّ المجلس. 

في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1976، بعد انتخاب مجلس الشعب كان السادات قد أعلن في خطابه في المجلس تحويل المنابر إلى أحزاب وانتهاء عصر الاتحاد الإشتراكي، مع التحذير من قيام أحزاب على أساس ديني أو طائفي، في الوقت الذي كان يعيد وجود "الإخوان المسلمين". تأسس "حزب مصر" عام 1977 وهو الذي أصبح في العام التالي 1978 "الحزب الوطني الديموقراطي" برئاسة السادات نفسه، وتأسس "حزب التجمع" الوطني التقدمي الوحدوي من جماعات اليسار المختلفة والقوميين والناصريين ممثلاً لليسار، و"حزب الأحرار" الاشتراكيين عام 1977 أيضاً، ثم في ما بعد عام 1978 تأسس "حزب العمل الاشتراكي" و"حزب الوفد الجديد" وتوالى ظهور الأحزاب في عهد مبارك وبعد ثورة يناير 2011.

هل كانت الأحزاب تعمل بحرية في عهد السادات؟ الإجابة لا. لقد كانت زيارة السادات لإسرائيل في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1977 محل معارضة من "حزب التجمع" وغيره. كانت جريدة "الأهالي" التي يصدرها "حزب التجمع" تُصادر تقريباً كل أسبوع من قِبل المستشار أنور عبد الفتاح ابو سحلي.

أيّد السادات ما يفعله المستشار في مؤتمر صحافي قال فيه نريد يساراً لا ينتمي للاتحاد السوفياتي. وكان ذلك أيضاً لأن الجريدة انحازت لانتفاضة 18 و19 كانون الثاني (يناير) عاشم 1977 وكان هو يعتبرها "انتفاضة حرامية".

بل دعا في 21 أيار (مايو) 1978 إلى استفتاء على "مبادئ حماية الجبهة الداخلية"، ومثل أي استفتاء ظهرت النتيجة 98 في المئة قالوا نعم.
كانت المبادئ منها ثلاثة بنود تحرم فئات معينة من العمل السياسي، منهم من تقلد مناصب وزارية قبل "ثورة تموز/ يوليو"، أو كان منتمياً إلى أحزاب قبل الثورة –مثل فؤاد سراج الدين مثلاً مؤسس "حزب الوفد الجديد"– واستثني من ذلك من كانوا في "الحزب الوطني" القديم و"حزب مصر الفتاة" أيام الملكية، لأنه كان بصدد إنشاء "الحزب الوطني" ليكون رئيسه، و"حزب العمل" برئاسة ابراهيم شكري، وكانت بعض قياداته تنتمي الى "حزب مصر الفتاة" قبل "ثورة يوليو" – وأضاف أيضاً منع الذين تمت محاكتهم في 15 أيار (مايو) أو ماسماه بثورة التصحيح من العمل السياسي.

هكذا كان يحاصر كل شيء يمكن أن يقف معارضاً له. لقد أعلن بوضوح أن الديموقراطية لها أنياب لكن بالقانون. وإنما يبقى للسادات أنه في عام 1979 ألغى الرقابة الداخلية على الكتب وإن ظلت الرقابة على الكتب القادمة من الخارج.
ولكن ظلّ لكلّ شخص الحق في الطعن في أي كتاب بعد نشره وإمكانية مصادرته بل وتكفير صاحبه وهو ما سنراه بقوة في عهد مبارك بعدما اشتدت قوة "الإخوان" والوهابيين الذين فتح لهم السادات الدنيا حتى قتلوه. لم يلغ السادات ولا غيره قانون الحسبة حتى الآن.
والآن ننتقل إلى الوجه الآخر لحكمه الذي أشعل المعارضة من كل الاتجاهات، وهو الوجه الاقتصادي.
 
***

أصدر الرئيس السادات ما سمي بـ"ورقة اكتوبر" عام 1974، وهي الورقة التي جعلت سياسة الانفتاح الاقتصادي مهمة رئيسة. أي ينتقل الاقتصاد من التخطيط في الصناعة والزراعة وغيره إلى فتح المجال للقطاع الخاص.

رفع يد الدولة عن الصناعة والتجارة وفتح المجال للقطاع الخاص. قال إن ذلك هو السبيل للتقدم، وليس التخطيط الاشتراكي القديم. لم يقل إنه بعد حرب تشرين الأول (اكتوبر) مال إلى أميركا والابتعاد من الاتحاد السوفياتي، ومن ثم فالطريق الجديد هو طريق الرأسمالية، لكن ذلك كان واضحاً ومفهوماً.

صدر القانون الرقم 43 لسنة 1974 ليفتح باب الاقصاد المصري لرأس المال العربي والأجنبي في كل المجالات تقريباً. وصدر القانون 118 لسنة 1975 للإستيراد والتصدير، ينصّ على أن يكون الاستيراد مفتوحاً للقطاع الخاص كما هو مفتوح للقطاع العام وكذلك مجال التصدير، وكنتيجة لهذه التعديلات تم تفكيك احتكار الدولة وسيطرتها على التجارة الخارجية.
ثم قانون النقد الأجنبي الرقم 97 لسنة 1976، وهذا القانون قصد به تحرير معاملات النقد الأجنبي في الداخل، وبذلك مكّن البنوك الخاصة والتي يشارك فيها رأس المال الأجنبي بحكم القانون 32 لسنة 1977 من الحصول على الودائع بالعملات الأجنبية، وغير ذلك من القوانين.

لكن الذي حدث هو أنه تم التضييق على شركات القطاع العام تمهيداً لبيعها. وفتحت البنوك باب القروض للقريبين من الدولة من دون ضمانات وهرب الكثيرون جداً بما أخذوه من قروض.

بدأت سياسة رفع الأسعار وفقاً لتعليمات البنك الدولي فانفجرت التظاهرات في 18 و 19 كانون الثاني (يناير) عام 1977. الانتفاضة التي سميت انتفاضة الخبز، لكنّ السادات وصفها بانتفاضة الحرامية، لم تكن الأولى. سبقتها تظاهرات عام 1975 و1976 احتجاجاً على النهج الرأسمالي الجديد، لكنها كانت هذه المرة أقوى الانتفاضات.

ارتفعت أسعار الخبز إلى الضعفين، فالرغيف الذي كان ثمنه خمس مليمات صار بقرش صاغ، وارتفعت أسعار الأرز والسكر والزيت والبنزين والسجائر وغيرها.

أُعلنت هذه الزيادات وغيرها يوم 17 كانون الثاني (يناير) فخرجت التظاهرات في اليوم التالي بلا أيّ تخطيط مسبق من الجامعات والمصانع من كل البلاد. لقد كنت شاهداً ومشاركاً مع شباب المعارضة في كل ما قلته عن أيام السادات، لكن يمكنكم الرجوع إلى كتب كثيرة عن هذه الانتفاضة مثل كتاب كمال خليل "حكايات من زمن فات" أو كتاب حسين عبد الرازق "مصر في 18و  19 كانون الثاني (يناير)... دراسة سياسية وثائقية" أو غيره من الكتب. أو مقالات سعد الدين وهبة وأحمد بهاء الدين وكثير جداً كتب فيه صلاح عيسي وغيره من الكتاب. شعارات الانتفاضة ستعيدني إلى أيام جميلة، لكني كتبت عنها في روايتيّ "الإسكندرية في غيمة" و"هنا القاهرة" لذلك لن أطيل فيها:
" ياساكنين القصور الفقرا عايشين في قبور"
"ياحاكمنا في عابدين فين الحق وفين الدين"
"سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه"
"عبد الناصر ياما قال خللوا بالكم م العمال"
"هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة ف أوضة"

في صباح يوم 19 كانون الثاني (يناير) ظهرت الصحف كلها تتهم المتظاهرين بالشيوعية، وفي الساعة الثانية والنصف ظهر نفس اليوم، أذاعت الإذاعة إلغاء القرارات كلها، وفرضت حالة الطوارئ وحظر التجوال على البلاد، ونزل الجيش في الشوارع بعد أن عجزت الشرطة عن السيطرة على الوضع. اعتبرها السادات انتفاضة حرامية لأن البعض هاجم الملاهي الليلية في شارع الهرم وسرقوها.

كل من ساهم في هذه التظاهرات رأى بعينيه كيف أخرج البوليس المتهمين من الأقسام، وكيف كانوا هم وراء أي تخريب. بمجرد إذاعة نبأ التراجع عن القرارات عاد المتظاهرون في كل البلاد إلى بيوتهم. لم يكن نزول الجيش مخيفاً لهم، لكن هكذا شعروا بأن مهمتهم انتهت.
في ليل 19 كانون الثاني (يناير) بدأت حركة الاعتقالات لأعداد كبيرة جداً من الطلاب والكتاب والصحافيين والفنانين كالعادة.
يطول الحديث عن ذلك فأنا أمرّ بسرعة على الأحداث لأصل إلى نتائجها، كما أن في كتابي "ما وراء الكتابة - تجربتي مع الإبداع" تفاصيل كثيرة عن هذه الانتفاضة التي كنت بينها، وكذلك في الروايتين اللتين أشرت إليهما. السياسة الاقتصادية أزادت المعارضة للسادات.

في تظاهرات كانون الثاني (يناير) 1977 كان المشاركون من "الإخوان الملسمين" أعداداً قليلة جداً قياساً على الناصريين والشيوعيين أو اليساريين والعمّال. لكنّهم ازدادوا بعد ذلك ودخلوا في معارضة السادات بعد زيارة إسرائيل في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977 ثم كامب ديفيد ومعاهدة السلام في أيلول (سبتمبر) 1978.

هكذا بدأ المارد الذي أخرجه السادات من القمقم يتمرد عليه بعد أن اشتد عوده. كان السادات في سنتيه الأخيرتين قد دخل في حلف أميركي - سعودي - مصري ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي، وبدأ في مصر تدريب الإسلاميين الجهاديين ليشاركوا في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

لقد شهدت تلك الفترة خروج عدد كبير من الكتاب والمثقفين المصريين يساريين وناصريين وليبراليين من مصر إلى بيروت وسوريا والعراق وباريس ولندن. أسماء كثيرة جداً أذكر منها محمود أمين العالم وأحمد عبد المعطي حجازي وغالي شكري وسمير عبد الباقي وسيد خميس والمخرج كرم مطاوع. وأسماء كثيرة كانت قد سبقتهم إلى الخروج. حدث ذلك كله رغم أنه في ذلك الزمن بدأت السينما في إخراج أفلام جريئة تدين اعتقالات عبد الناصر مثل "الكرنك" و "أحنا بتوع الأوتوبيس" وغيرها في الوقت الذي لم يختلف الزمن، بل وأضاف السادات إلى الديكتاتورية، الجماعات الجهادية والإرهاب.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.