تمرّ هذه الأيام الذكرى السادسة لرحيل الفنانة فاتن حمامة، التي اختارها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته العشرين كأفضل ممثلة مصرية في القرن العشرين، فيما حلت سعاد حسني ثانية، وشادية في المركز الثالث.
راهن عليها الموسيقار عبد الوهاب طفلةً في "يوم سعيد"، ثم استعان بها مراهقة في "رصاصة في القلب" قبل أن يطلقها يوسف بك وهبي في سماء النجومية ممثلة محترفة.
قضت فاتن حمامة (1931ـ 2016) عمرها كله تقريباً أمام الشاشة، وقدمت نحو مئة فيلم، ونالت أرفع الأوسمة بما يفوق أي ممثلة أخرى.
نقلت فاتن مهنة الممثلة من القصور والبارات، وصراعات الطبقة المخملية، إلى الشارع والناس العاديين، ومن الحضور الثانوي للمرأة إلى البطولة الفاعلة، وربما لا يسبقها اسم نسائي مهم إلا ليلى مراد.
ولا شك بأن أكثر ممثلتين لديهما رصيد ينافسها، هما شادية - ابنة جيلها - وسعاد حسني الأصغر سناً. وكثيراً ما عُقدت المقارنات، أيهما أفضل فاتن أم سعاد؟

فاتن حمامة الطفلة مع عبد الوهاب
ممثلة القرن
وتجدّد الأمر عند منح حمامة لقب ممثلة القرن وخلفها جاءت سعاد ثم شادية، بزعم أنها صاحبة عشرة أفلام ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري، وهي على ترتيب الأهمية: "الحرام، ودعاء الكروان، وأريد حلًا، وصراع في الوادي، ولك يوم ظالم، وبين الأطلال، وأيامنا الحلوة، وابن النيل، وإمبراطورية ميم، والمنزل رقم 13".
بينما حلّت سعاد في المركز الثاني بتسعة أفلام هي: "الزوجة الثانية، والقاهرة 30، زوجتي والكلب، أهل القمة، والكرنك، وعلى من نطلق الرصاص، والاختيار، وغروب وشروق، وخلي بالك من زوزو".
أي أن حسم المنافسة بينهما، جاء على أساس كمّي وعددي، بفارق فيلم واحد، وتبدو أن النية كانت مبيتة كي يبقى هذا الفارق بينهما، فلو زادت فاتن فيلماً آخر، سيضاف لسعاد فيلم، حفاظاً على الفارق ذاته.
فهي "قائمة" مرتكزة على توازنات كثيرة، وأحكام مسبقة، وخلت من أفلام لفاتن نفسها، أكثر أهمية، ربما، من المذكورة مثل: "الباب المفتوح"، "الخيط الرفيع"، و"أرض الأحلام"، و"يوم مر ويوم حلو"، و"أفواه وأرانب"، و"ليلة القبض على فاطمة". وهي أفلام في مجملها تحمل مقولات أكثر جرأة، وظهرت فيها فاتن أكثر تمرداً على "الصورة النمطية" التي اشتهرت بها.
وخلت القائمة من أفلام مهمة لسعاد مثل: "موعد على العشاء"، و"الدرجة الثالثة"، و"الجوع"، و"عصفور من الشرق"، و"حب في الزنزانة"، و"غريب في بيتي"، و"شفيقة ومتولي"، و"المشبوه"، و"المتوحشة"، و"أين عقلي"، و"نادية"، و"الحب الضائع"، و"صغيرة على الحب"، و"الطريق"، و"عائلة زيزي"، و"السفيرة عزيزة"، و"إشاعة حب"، و"أميرة حبي أنا".
كان هذا الاستبعاد لكلتا الفنانتين متعمداً، لضمان الفارق بينهما، وكذلك التوازن بين حصص المخرجين، خصوصاً المؤسسين الكبار: صلاح أبو سيف، ويوسف شاهين، وكمال الشيخ، وإن جاء على حساب إبداعات جيل السبعينات والثمانينات مثل عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة وداود عبد السيد.
كذلك نظر واضعو القائمة باستخفاف للفيلم الكوميدي، برغم أن "إشاعة حب" أكثر تأثيراً في الجمهور إلى اليوم، من نصف الأفلام المذكورة!
من المعايير المضمرة هنا، فكرة الأسبقية والأقدمية التاريخية، فلا يمكن لسعاد أن تسبق ممثلة تسبقها بجيل تقريباً.
ثمة معيار آخر مضمر يفضح النظرة الأخلاقية والرجعية، فمعظم أفلام فاتن، هي قصص اجتماعية وكلاسيكية و"رومانسية" ناعمة، بالمقارنة مع أفلام سعاد ذات النزعة التجريبية والجريئة جداً مثل "زوجتي والكلب" والتي لعبت فيها أدوار العاهرة والمتمردة، وحوت الكثير من المشاهد الحميمة والعارية. ولا يمكن تصوّر أن تقوم فاتن ببطولة أي فيلم منها.
وهذا ينقلنا الى نقطة جوهرية جداً في مقارنة الممثلتين الكبيرتين، فكل ما تقوم به فاتن من أدوار المديرة والأستاذة والمحامية، تستطيع أن تؤديه سعاد. لكن لا يمكن لفاتن أن تؤدي معظم ما تلعبه سعاد.
في أعمال سعاد كسر للمألوف، والتقاليد، ونزوع تجريبي، نخبوي أحياناً كما في "الاختيار" فهي صوت ثوري، خاص جداً أحياناً. أما فاتن فهي معبرة عن التقاليد، عن الصوت العام والرسمي، غالباً، حتى في انتقادها لجريمة الشرف في فيلم مثل "دعاء الكروان".
لم توضع نوعية الأفلام في الاعتبار، ولا جرأة كل ممثلة في الاختيار النوعي، والتجريب. أيضاً لم تكن هناك أهمية لطبيعة أداء كل منهما. بل هناك تحيّز مسبق واضح وفاضح لفاتن. فمثلاً تمّ وضع فيلمها "الحرام" في المركز الخامس ضمن قائمة المئة فيلم، أما "الزوجة الثانية" فجاء في المركز السادس عشر. وفي ظني أن "الزوجة الثانية" يستحق أن يوضع بجدارة كأفضل فيلم مصري، وهو إلى اليوم أكثر حضوراً لدى أجيال من المشاهدين من "الحرام"، وكادراته محفوظة بالصوت والصورة. وفي هذا ظلم بيِّن لصناعه جميعاً، وليس لسعاد فقط.

دور الفلاحة
ولو أخذنا الفيلم كنموذج لمقارنة الأداء، خصوصاً أن كلتا الممثلتين لعبت دور "فلاحة"، البعيد عن تكوينهما الثقافي، بحكم ولادتهما في المدينة. فإن أداء سعاد أفضل وأكثر تلوناً، لأنها تذوب في الشخصية ذوباناً حسياً، وعاطفياً، وعفوياً. أما فاتن فتظل في هذه النوعية التلميذة الذكية المجتهدة، المحافظة على "رسمة الدور"، بقدر من الرتابة، من دون أن تذوب فيه. وتظلّ عيناها فيهما ذكاء فاتن وثقافتها، وليس الفلاحة.
ثمة جانب آخر، غاب عن المقارنة، وهي أن فاتن كانت دائماً حذرة في اختيار مخرجيها، ونصف أعمالها على يد مخرجها المفضل "بركات"، في حين أن سعاد وإن عرفت الثنائيات، خصوصاً مع زوجها علي بدرخان، إلا أنها كانت أكثر ولعاً في تنويع مدارس الإخراج، مع الكبار، ومع شباب في بداياتهم.
وما يجعل المقارنة لمصلحتها أيضاً، القصر النسبي لعمرها الفني، فهي اشتغلت حوالي ثلاثين سنة فقط، ورحلت مبكراً عن ثمانية وخمسين عاماً، قدمت خلالها قرابة تسعين فيلماً. أمّا فاتن فعمرها الفني حوالي خمسين سنة، ورحلت عن أربعة وثمانين عاماً، ومع ذلك قدمت نحو مئة فيلم، بزيادة طفيفة عن سعاد. وربما لأن الأخيرة قبلت بعض الأدوار الشرفية البسيطة، أو البطولات الجماعية أكثر.
ولأن كلتيهما أخلصت للسينما أولاً، فلم تكن لأي منهما تجارب تُذكر على خشبة المسرح، وهو الاختبار الأعظم لموهبة أي ممثل. كذلك ليس في رصيدهما - على حد علمي - أي أعمال باللغة العربية الفصحى، ذات طابع تاريخي أو ديني.

إذاعة وتلفزيون
أما تلفزيونياً وإذاعياً، فتبدو فاتن أكثر نشاطاً، حيث قدمت مجموعة لا بأس بها من المسلسلات مثل: "وجه القمر، ضمير أبلة حكمت، وحكاية وراء كل باب، وليلة القبض على فاطمة، والبراري والحامول". والطريف أن بعض مسلسلاتها في الراديو عقب نجاحها، أُعيدَ تقديمها في أفلام. وهو ما فعلته سعاد في مسلسل وفيلم "الحب الضائع".
من ناحية الكم، كانت فاتن أكثر نشاطاً في الراديو والتلفزيون، وهذا لا يمنع أن سعاد يكفيها مسلسلها "هو وهي" مع أحمد زكي، فهو عمل فريد في تاريخ الدراما العربية.
مبكراً كان هناك نزوع لتسييد فاتن حمامة بلقب "سيدة الشاشة العربية" لتكون أم كلثوم السينما، بهذه التراتبية التي لا تقبل منافساً، فيما مُنحت سعاد لقب "السندريلا" بهذا الحضور الرومانسي والمأساوي للأسطورة، التي تشبه ومضة من الجمال الفاتن، لكنها لا تمنحها سيادة ولا تؤهلها رسمياً للقب ممثلة القرن.
وكان هناك وعي دائم بعدم جواز جمع المتنافستين، في فيلم واحد، قد يرجح بجلاء كفة إحداهما على الأخرى، اللهم باستثناء محاولة فاشلة من محمد خان في "أحلام هند وكاميليا".
ويُقال إنّ سعاد ظلت مُستاءة عندما ذكرت فاتن بعض الممثلات الشابات المهمات مثل زيزي البدراوي، وتعمدت تغييب اسمها. وحتى على مستوى الجوائز والتكريمات، كان ينظر إلى فاتن بوصفها الأكثر أهمية. والأمر نفسه في قضية صلاح نصر الشهيرة، كانت فاتن هي المرأة المحافظة التي نجت، وسعاد هي الشابة اللاهية التي سقطت.
وفي ظني، لو أقيم استفتاء شعبي واسع على مستوى العالم العربي، فسوف تحسم سعاد اللقب بكل سهولة، مستفيدة من نوعية أفلامها، ومن مأساة حياتها التي تسربت إلى مشاهدها السينمائية، وأيضاً إلى ذاكرة الجمهور العربي.
نبض