غوغل نغرام... ضرورة ثقافية غائبة عربيًا
غوغل نغرام، برمجية عجيبة مدهشة، سهلة الاستعمال، وسريعة الردّ، لا يمكنكم الاستغناء عنها.
يَستخدمها يوميا الجميعُ بدون استثناء، لا سيّما المهتمون بالثقافة، باللغات، بالتاريخ، بعلوم الاجتماع، وبالعلوم الطبيعية والرياضية، والاحصائيات المتنوّعة...
ولعلها أجمل وسيلة تثقيفية ممتعة لقضاء ليالي رمضان الساهرة، لا سيّما في زمن التصفيد الكوفيدي؛ ولتقديمها لطلابكم (الذين يعشقونها عادة) وأصدقائكم، قبل هذا وذاك...
تجدون في هذا المدخل المختصر المفيد أمثلة متنوِّعة لاستخدامها، وملاحظة في غاية الأهميّة والجوهرية، في نهايته.
للتذكير: في عام 2010، كانت مكتبة غوغل تحتوي على حوالي 7 مليون كتاب باللغة الإنكليزية، تمّ رَقْمَنَتُها (أي تحويلها من كتب ورقية، إلى نصوص رقمية) منذ 2007.
أما الآن، فهي حتما أكبر من ذلك (لا حسد! قولوا جميعا: ما شاء الله!)...
غوغل نغرام (1) يسمح، بادئ ذي بدء، برسم منحنيات بيانية لِعدد استخدامات أي مجموعة كلمات، في كل مليونيات قاعدة مكتبة غوغل العملاقة، وذلك منذ أكثر من قرنين!
أكثر الكلمات استخدامًا
لمة "أحبك" صارت تستخدم اليوم أقلّ من كلمة: "غوغل" التي تُستخدم بدورها أقل من كلمة "فيسبوك".
أجمل وأهمّ استخدامات غوغل انغرام هي المعرفيّة طبعًا. الأمثلة بلا عدّ. من خلال رسم بياني عن استخدامات عِمادَي مفهوم الحرية: حرية التعبير، وحرية الضمير (أن تؤمن، لا تؤمن، تُغيِّر إيمانك).
يتبيّن أنّ الأولى منها لم يبدأ استخدامها إلا في الخمسينات من القرن العشرين! الثانية تمّ انتزاعها بعد الثورة الفرنسية، وازدهر الحديث عنها كثيرا في العقود التالية لها.
أضع هنا مثالا آخر، لمعرفة ترتيب الكلمات الأكثر استخداما بعد كلمة "يقتل"، منذ بداية القرن 18.
الأكثر: "يقتل ناسًا"، ثمّ "يقتل رجلا"، ثم، بعيداً جداً عنهما: "يقتل الوقت"... وقبل النهاية: "يقتل الملك".
مثال ثالث للمقارنة بين استخدام خمس كلمات (الحياة، الله، الحب، الموت، الحرب) منذ عام 1800.
وبعد قراءة الرسم البياني، اتضحّ منه مثلا أن "الحياة" هي الأكثر استخداما الآن (قبل الثورة الصناعية في منتصف القرن 19، كانت كلمة: "الله"، هي الأكثر). وكلمة "الحرب" هي الأقل استخداما دومًا (باستثناء فترتي الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث فاق استخدامها بقية الكلمات الأربع)!
محمود درويش... الأكثر استخدامًا أدبيًا
هنا مقارنة بين عدد استخدام اسماء نجيب محفوظ، أمين معلوف، ومحمود درويش (لسوء الحظ، لا يمكن وضع اسم أدونيس معهم، لأسباب سأشرحها في الملاحظات النهائية أدناه).
محمود درويش يتجاوز الجميع حاليًا، ويصعد، يصعد، دون توقف، وكما يوضح الرسم البياني فإنه استخدم أكثر من 32 ألف مرة في عام 2018.

محمود درويش
أمّا الصدمة التي تلقّيْتُها، فعندما لاحظت قلّة ذكر أبي العلاء المعري. وكانت موجعة: 84 مرة فقط في 1992!
لحسن الحظ أن روايتي "تقرير الهدهد" (هو بطلها) تُترجم حاليا إلى الفرنسية، في دار آكت سود، على يد الشاعرة المبدعة S. Labbize.
لا يبقى إلا أن تصل ترجماتها لكل بيت في العالم (دعوني أحلم!). ثم أقارن هذا الرسم البياني، مع رسم بياني آخر، بعد 10 سنوات!
ملاحظات مهمّة
1) نتائج نغرام غوغل تتوقف حاليا عند عام 2019. لم يتمّ التحديث بعد بنتائج عام 2020.
2) المكتبة الفرنسية على غوغل غير مكتملة. الموجود فيها من الكتب آتٍ من رقمنة مكتبات بعض الجامعات الفرنسية فقط.
هناك مواقع خاصة أخرى، لمثل هذه الدراسات والإحصائيات، مع بنك كلمات اللغة الفرنسية Corpus.
2) عند استخدام غوغل نغرام لمعرفة تطورات عدد استخدامات اسم شخص معروف، يلزم إعطاء اسم الشخص واسم العائلة معًا.
الاكتفاء باسم العائلة غير جيد (قد يكون هناك آخرون لهم الاسم نفسه، أو قد يكون هذا الاسم مرتبط باسم منطقة، أو هو اسم مثيولوجي يستخدم منذ قرون، مثل اسم الشاعر أدونيس Adonis).
3) استغربتُ وتأسّفتُ شخصيًا عندما لاحظت أن اسماء عربية مهمة لا وجود لها في إرشيف نغرام غوغل بالإنكليزية.
وبعضهم نتائج ذكرهم جاءت أقل مما تصورتُ بكثير. مثل الطيب صالح (نحو 200 مرة فقط، عام 2019، و550 في أكثر سنوات ذِكْر اسمه)...

الطيب صالح
ملاحظة ختامية، و"بيت قصيد" هذا المقال
لامتلاك برمجية نغرام لأي لغة، يلزم أوّلا أن تكون معظم كتبها القديمة والحديثة في صيغ نصوص رقمية (أي كما لو طُبعت على ناشرٍ إلكتروني، مثل وورد)، وليست في صيغة صوَر سكانير أو بي دي أف.
صوَر النصوص، بالنسبة الى الكمبيوتر، لا تسمن أو تغني من جوع: لا يمكن معالجتها، ترجمتها، تمييز كلماتها...
هي أشبه بلوحة بيكاسو في أعين قطّة.
فيما النصوص الرقمية شيء آخر. أنظر مقالي (2) في المرجع أدناه.
لتحويل الكتاب الورقي إلى نصٍّ رقمي، يلزم أن يكون للّغَة "متعرِّف ضوئي" OCR.
اللغة العربية هي الوحيدة من اللغات الكبرى التي لا تمتلكه! وهذه إحدى أكبر فجائع اللغة العربية في الزمن الرقمي التي لم أتوقف عن الحديث عنها، منذ أكثر من 12 سنة. (أنظر الفجيعة الرابعة والثالثة في رابط مقالي (2)، في المرجع أدناه).
لامتلاك هذا المتعرِّف الضوئي، ولِرقمنة كل الكتب بالعربية، يلزم مشروعٌ تتبنّاه دولة عربية على الأقل.
بدونه لا توجد للعربية ذاكرة، أو وجود حقيقي في العالم الرقمي.
ومن لا ذاكرة له لا حياة له.
ألم يحن الوقت، بعد كل هذا التأخّر المريع، للإسراع بذلك اليوم، لا سيّما من قِبَل دولتي الإمارات العربية وقطَر، حيث يوجد مركزان مهمّان للغّة العربية.
كلّ الدول الأخرى قد حلّت ذلك منذ عقد ونصف تقريبًا.
وعند رقمنة أوّل كتاب عربي بالمتعرِّف الضوئي، سيحقّ لنا الاحتفال به، وإطلاق ألعابٍ ناريّة من المحيط إلى الخليج...
سيكون ذلك موعدَ بدء دخول اللغة العربية العصر الرقمي. موعدٌ تاريخيّ تستحقّهُ لغة الضاد وكلّ محبّيها.
مراجع:
(1): لاستخدام نغرام:
https://books.google.com/ngrams
ولمزيد من المعلومات عن طريقة استعماله:
https://books.google.com/ngrams/info
(2) مقالي الأوّل في "القدس العربي"، نُشر في 2009، لحقتهُ مقالات عديدة عن ذلك.
http://my-last-articles-and-texts.blogspot.com/2009/03/blog-post_23.html
ولقراءة المقال كاملاً مع الرسوم البيانية التوضيحية، يمكن زيارة موقع الكتاب
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.
نبض