مَن علَّم الجعاسيسَ كيف يحكمون؟!
نحن نعيش في حلكة الدّجى المدلهمّ، ولا أمل لنا بانجلاء فجر أبي القاسم الشابّي، ولا لحرية أحمد شوقي الحمراء التي يُدَقّ بابها بكلّ يدٍ مضرّجة. نحيا المأساة الكالحة بجميع معانيها، نعلم هذا التحايل وهذا الكذب على وعينا ونعلم من يتحفنا بهما، إنّهم الجعاسيس[1] الذين هم في حالة إنكار دائمة، وعرفوا كيف يجعلون هذا الإنكار لواقع مرير ينسحب على حيواتنا وحياة أتباعهم الذين لم يروا إلى الآن دليلاً على ما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد من انحدار وانحطاط إلى الدرك الأسفل في أيّ حضارة...
ما كانت هذه المقدمة إلّا لمحة بسيطة عن الوضع المزري في بلد ما زال السياسيون يتناوبون على اغتصابه ما لاح ضوء وما غرُبَت شمس حتى حولوه مستنقعاً كحظيرة خنازير يعجّ بالمرذولين الذين يشبهونهم، واعتادوا تمريغ وجوههم في وحول الذلّ وأصبح سمة يمتازون بها وما عادوا يشعرون بمشاعر البشرية ولا يميزون الخبيث من الطيب، فـ: "من يهُن يسهل الهوان عليه/ ما لجرحٍ بميّت إيلامُ".
لقد اقتصرت حياتهم على الترف اللامنطقي والانفصال عن الواقع من أجل رموز سياسية وزعماء حرب تسيّدوا المشهد الوطنيّ في معانيه كلّها...
إن الأمر يتلخّص تماماً بما يتحفنا به الخناخس [2] في البلد من خثرود وإنجازات وهمية... لهذا، اعتاد كل هَقِلٍ كلام زعيمه الذي أتخمه وعوداً وحماية جوفاء و... عرجاء.
لقد تقاسموا السلطة والنفوذ والمصالح المشتركة لتظل المسلكيات المنهجية في العمل على حالها، باعتبارها الحل الأمثل لانخفاض مستوى الوطنية للفاعلين الأساسيين في البلد! ليست المشكلة في هؤلاء المدّعين، بل هي في الأتباع الذين ما زالوا يصدقونهم في مقولة "نحن صنّاع الكرامة وحماتها". ونسوا "أنّ ماضينا أطول من مستقبلنا، حيث كان يجب أن نتعلم ولكن لم نفعل". وتناسوا أنّ الكرامة لا تُجَزَّأ، وأنها ليست استنسابية. فلا يجوز أن نطالب بمحاربة العدو الخارجي – أيًّا كان – لأنّه استباح كرامتنا وأرضنا، ونترك عدوّ الداخل محتلّاً مفاصل الدولة وإدارتها ومرافقها... يسرح ويمرح ويعيث فيها فساداً، بحجة أنّه زعيم الطائفة – أيّاً كانت – ويريد حمايتها من الطوائف الأخرى ومن الأحزاب الأخرى التي تبحث في الوقت ذاته عن احتواء المواطن في تناقض تامّ مع عدم قدرتها على إصلاح ذاتها.
ليست الكرامة في "كرتونة إعاشة"، يقدّمها لنا الزعيم لنسدّ بما فيها رمقنا، حيث هو يريدنا كذلك مرهونين له خوفاً من الجوع، علماً أنّنا نحن المواطنين أولياء نِعم المسؤولين، لأنهم يتقاضون رواتبهم منا ليكونوا في خدمتنا لا لنكون في خدمتهم. هذه الأعطية أصبحت أكبر همّ عند الأتباع وأقصى طموحاتهم، وعند هذا تقف الحياة، ولم يدروا أنّ "مَن كان همّه ما يدخل في جوفه فقيمته ما يخرج منه"! فهل هذه الكرامة التي عنها يبحثون؟!
نبض