البيان الأخير ضد فيلم "أحب الغلط": الحلقة الرابعة
في أيلول/ سبتمبر 1970، توفي جمال عبد الناصر. كان الخبر صدمة كبيرة للشعب. لقد أعلن أنور السادات نائب رئيس الجمهورية الخبر في المساء على شاشة التلفزيون التي ظهر عليها حزيناً وبتأثر بالغ يقول: "فقدت الجمهورية العربية المتحدة، وفقدت الأمة العربية، وفقدت الإنسانية كلّها، رجلاً من أغنى الرجال، وأشجع الرجال، وأخلص الرجال، هو الرئيس جمال عبد الناصر، الذي جاد بأنفاسه الأخيرة في الساعة السادسة والربع من مساء اليوم 27 رجب 1390 الموافق 28 سبتمبر 1970 بينما هو واقف في ساحة النضال، يكافح من أجل وحدة الأمة العربية، ومن أجل يوم انتصارها...
لقد تعرَّض البطل الذي سيبقى اسمه خالداً إلى الأبد في وجدان الأمة والإنسانية، لنوبة قلبية حادة بدت أعراضها عليه في الساعة الثالثة والربع بعد الظهر، وكان قد عاد إلى بيته بعد انتهائه من آخر مراسم اجتماع الملوك والرؤساء العرب الذي انتهى بالأمس في القاهرة، والذي كرّس له القائد والبطل كل جهده وأعصابه ليحول دون مأساة مروعة دهمت الأمة العربية. إن اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الوزراء، وقد عقدا جلسة مشتركة طارئة، على أثر نفاذ قضاء الله وقدره، لا يجدان الكلمات التي يمكن بها تصوير الحزن العميق الذي يلم بالجمهورية العربية وبالوطن العربي وبالإنسانية. إن جمال عبد الناصر كان أكبر من الكلمات، وهو أبقى من كل الكلمات، ولا يستطيع أن يقول عنه غير سجله في خدمة شعبه وأمته والإنسانية، مجاهداً عن الحرية مناضلاً من أجل الحق والعدل، مقاتلاً من أجل الشرف إلى آخر لحظة من العمر. إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفي فيه بحقه وبقدره، هو أن تقف الأمة العربية الآن كلها، وقفة صابرة صامدة شجاعة، حتى تُحقق النصر الذي عاش واستشهد من أجله، ابن مصر العظيم وبطل هذه الأمة ورجلها وقائدها. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. والسلام عليكم ورحمة الله".
ألهب الحدث والكلمات الشعب المصري كله ولم ينم الناس. ولقد ذكرت هنا رثاء السادات كاملاً لتتخيلوا ماذا يمكن أن يحدث للناس وكيف ستمر بهم الليلة.
صارت جنازة عبد الناصر في اليوم الأول من أكتوبر يوماً لا ينسى في مصر. احتشد لها الملايين من القاهرة وجاءت الملايين من بقية المحافظات في القطارات وعلى أسقف القطارات وبكل أنواع السيارات وعلى الأقدام . شارك في تشييع الجنازة من الخارج ثلاثون رئيس دولة، ومئة وفد يرأس أغلبها إما رؤساء وزراء أو وزراء خارجية، علاوة على رؤساء الأحزاب وحركات التحرير فى العالم كله.
خرج الجثمان من مبنى مجلس قيادة الثورة في منطقة الجزيرة، ملفوفاً بعلم الجمهورية العربية المتحدة فوق عربة مدفع، متجهاً إلى كوبري قصر النيل في طريقه إلى مدفن الرئيس بمنطقة كوبري القبة، لكن احتشاد الملايين جعل الأمر صعباً.
كانت الجنازة تكاد لا تسير، بخاصة أن الجماهير كانت تندفع إلى الجثمان الملفوف لتلمسه وكان البكاء يملأ الفضاء. عند كوبري غمره بعد ساعات طويلة، تم نقل الجثمان إلى عربة مدرعة وظلت الجماهير حوله حتى وصل إلى مثواه الأخير. بلغت تقديرات من ساروا في الجنازة بخمسة ملايين، وكانت مصر ثلاثين مليوناً وقتها وصاروا يغنون:
«الوداع يا جمال يا حبيب الملايين/الوداع
ثورتك ثورة كفاح..عشتها طول السنين /الوداع
أنت عايش فى قلوبنا.. يا جمال الملايين/الوداع
أنت ثورة أنت جمرة.. لأجل كل الشقيانين/الوداع
يا فقير يا بن الفقير.. انت أب الكادحين/ يا جمال
أنت نوارة بلادنا.. واحنا شوقنا الحنين/ يا جمال
أنت قلة مية صافية.. تسقى كل العطشانين
أنت عصفور الكناريا ..لأجل كل الحزنانين / يا جمال
أنت قنديل الغلابة.. تهدى كل المحرومين / يا جمال
أنت ريحة زكية.. فى قلوب الفلاحين
أنت جمعت بعزيمتك.. النفوس الغضبانين"
تُنسب الأغنية لفرقة "شباب البحر" البورسعيدية الذين كانوا قد تركوا بورسعيد من قبل وعاشوا بالقاهرة. كانوا وقت إذاعة الخبر جالسين بمقهى أسترا - كنتاكي الآن - في ميدان التحرير، وكان مكاناً لتجمع الفنانين والكتاب مثل مقهى ريش.
مع إذاعة الخبر المؤلم كتب عبد الرحمن عرنوس مؤلف الفرقة ومخرج عروضها هذه الأغنية، مستلهماً أغنية عبد الحليم الوطنية القديمة "يا جمال يا حبيب الملايين" التي ألفها إسماعيل الحبروك، لكنه هنا يعبر عن أقسى درجات الألم مع الحب. كانت أغنية الوداع. بعد أن كتبها ذهبت الفرقة إلى ميدان طلعت حرب وجلسوا ينشدونها، فصارت نشيد الجميع في تشييع الجنازة. كان وداعًا لم يحدث مثله منذ عام 1927 حين توفي سعد زغلول.
***
لماذا أقف عند الجنازة المهيبة لعبد الناصر طويلاً هكذا. ليس للتعبير فقط عن شعور الشعب البسيط بالفقد الرهيب. الشعب الذي كان ينتظر النصر ويتابع حرب الاستنزاف بكل أمل. ولكن لأوضح كم الإرث الصعب الذي ورثه السادات.
تولى أنور السادات الذي كان نائبًا لرئيس الجمهورية منصب الرئاسة.
في جلسة القسم لليمين الدستوري في مجلس الأمة، في السابع من أكتوبر من العام نفسه، وأمام تمثال صغير لجمال عبد الناصر، وقف السادات وانحنى تقديراً واحتراماً له.
مشهد لا ينساه من رآه في التلفزيون مثلي. كانت هذه إشارة من السادات ليكسب بها الجماهير. لن أحكي عن تفاصيل بعينها. سأتحدث عموماً عن مجمل تلك الأيام.
بلا شك كان إرث السادات كبيراً في ما يخص تحرير سيناء. كل شيء يمكن تأجيله إلا تحرير سيناء. في داخل دهاليز الحكم كانت هناك خلافات كبيرة بين السادات ومن بقي من حكم عبد الناصر هناك كثير من الكتب عنها. فاجأنا السادات في الخامس عشر من أيار/ مايو 1971، بما سُمي بثورة التصحيح.
أبعد كل من كانوا يعيقون تصرفاته من رجال عبد الناصر، أو من يعيقون الاستفتاء عليه كرئيس للجمهورية والذين أسماهم مراكز القوى.
من أبرز الأسماء التي تم القبض عليها بتهمة تدبير انقلاب ضده، بل والتخطيط لاغتياله، علي صبري نائب رئيس الجمهورية، محمد فوزي وزير الدفاع، أحمد كامل رئيس المخابرات العامة، شعراوي جمعة وزير الداخلية، محمد فائق وزير الإعلام، لبيب شقير رئيس البرلمان، وسامي شرف سكرتير رئيس الجمهورية. ودون الدخول في تفاصيل ما جرى ولماذا، فلقد بدا كل ذلك تمهيداً لتحرير الأرض. ونجحت الدعاية في تشويه الجميع وأن يمرّ الأمر بسلام.
أعلن السادات أن عام 1971هو عام الحسم. ومن خطاب السادات في لقاء له بضباط القوات البحرية في الإسكندرية في 22 يونيو 1971 يقول:
"إنني أقول لكم ولشعبنا بكل أمانة ووضوح إن سنة 1971 هي سنة حاسمة ولا يمكن أن يطول انتظارنا إلى الأبد فلنكن دائمًا مستعدين… وأحب أن أقول لكم إنه جايز في المعركة وفي مواجهة العمق بالعمق إننا نخسر ضحايا. نحن مستعدون أن نقدم كل ما تتطلبه المعركة منا .سواء من إمكانيات أو ضحايا"
لكنّ الأيام مرت دون حسم وأعلن السادات في يناير عام 1972 مقولته الشهيرة بأن العام شهد ضباباً قادماً من آسيا عطل كل شيء، فسمي العام بعام الضباب. ومن خطبة للسادات وقتها.
"أنا قلت إن عام 71 عام الحسم، أنا كنت اتخذت القرار فعلًا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحضوره كله. وتعليماتي للقائد العام الفريق أول صادق - يقصد الفريق أول محمد صادق الذي عينه بدلاً من الفريق أول محمد فوزي - كانت جاهزة، واتنفذت إلى آخر مرحلة. الضباب اللي حصل في جنوب شرق آسيا هناك… والاتحاد السوفيتي صديقي اللي واقف معايا، كان في هذه المعركة، الموضوع عايز مراجعة" كان يقصد الحرب بين الهند وباكستان وانشغال الاتحاد السوفياتي بها.
عادت الجامعة إلى غلياناها، وكنت قد صرت طالباً في كلية الآداب فشاركت في الغليان. ثار الطلاب في القاهرة والإسكندرية وغيرها، وانضم إليهم العمال رافضين حالة اللاسلم واللاحرب التي تعيشها البلاد. خرجت المسيرات من الجامعات بالقاهرة ووصلت إلى ميدان التحرير.
تفاصيل كثيرة ليس مكانها هنا، ومن يريد أن يعرف فليعد إلى ما كتب عنها ممن كانوا طلاباً وما أكثره. بدأت حركة الاعتقال تنشط من جديد وطاولت المئات من الطلاب مثل أحمد عبد الله رزة وأحمد بهاء الدين شعبان وشوقي الكردي وكمال خليل وتيمور الملواني في الإسكندرية وحسني عبد الرحيم، وشعراء مثل أحمد فؤاد نجم وزين العابدين فؤاد وغيرهما. لم يتم اعتقالي ولكن تم التحقيق معي في مبنى أمن الدولة أكثر من مرة.
كان الطلاب في القاهرة قد وصلوا إلى ميدان التحرير وصاروا يغنون من أغاني أحمد فؤاد نجم والشيخ أمام "رجعوا التلامذة ياعم حمزة للجد تاني" وغيرها.
وكان الشاعر أمل دنقل قادمًا من الإسكندرية فدخل إلى الميدان وسهر مع الطلبة وعاد إلى بيته في الفجر ليكتب قصيدته الخالدة "أغنية الكعكة الحجرية"، التي حين نشرها في مجلة سنابل التي كانت تصدر في كفر الشيخ وكان يرأس تحريرها الشاعر محمد عفيفي مطر أُغلقت المجلة.
لم تنقطع التظاهرات والاعتصامات داخل الجامعة، وفي 8 يناير 1973 انضم المثقفون إليهم ببيان وقَّع عليه أكثر من مئة كاتب، من بينهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وأحمد عبد المعطي حجازي ولويس عوض وألفريد فرج.
كتب توفيق الحكيم البيان بنفسه فسمي ببيان توفيق الحكيم. لم تكن مطالب الطلاب والعمال والمثقفين تقف عند الحرب وتحرير سيناء فقط، ولكن امتد الأمر إلى المطالبة بالديموقراطية وحرية التعبير والمساواة.
كانت أجهزة الأمن قد شنت حملة واسعة النطاق، شملت أكثر من 400 من قادة الحركة الطلابية في الجامعات، وقادة النقابات المهنية والعمالية، كان من بينهم كالعادة عدد من الصحافيين والكتاب والشعراء.
كان التبرير الرسمي للحملة هو أنهم ناصريون أو ماركسيون يخططون مع دول أجنبية لإثارة القلاقل وتخريب الجبهة الداخلية.
أما الحقيقة فإن هؤلاء جميعاً، وربما الشعب كله، كان يريد أن يخرج من حالة اللاسلم واللاحرب، وأن يتضح حقيقة موقف السادات من استرداد الأرض. استمرت اعتصامات الطلاب داخل الجامعات، ومنعتهم أجهزة الأمن من الخروج إلى الميادين، وكان بيان المثقفين في 7 يناير وغيره من البيانات النقابية تضامناً معهم. كانت حركة الغليان كبيرة جداً.
بعد أقل من شهر قرر السادات تصفية الحساب مع المثقفين، فأمر بفصل أكثر من مئة كاتب وصحافي وفنان من عضوية الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو ما كان يعني طبقاً لتقاليد ذلك الزمان، حرمانهم من ممارسة مهنتهم في الأجهزة التابعة للدولة كالصحف والإذاعة والتلفزيون.
شملت القوائم أسماء مثل صلاح السعدني ومحسنة توفيق وعلي عبد الخالق وفؤاد التهامي وألفريد فرج وسامي السلاموني ومن الشعراء أحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم وسمير عبد الباقي، ومن الروائيين يوسف إدريس وجمال الغيطاني، ومن النقاد لويس عوض ومحمود أمين العالم وصافيناز كاظم وفريدة النقاش، ومن الصحافيين محمد عودة وفيليب جلاب وحسين عبد الرازق ومصطفى نبيل وصلاح عيسى ومحمود المراغي وعادل حسين ومكرم محمد أحمد وسمير تادرس ومصطفى الحسيني وأمير اسكندر وفتحي عبد الفتاح ولطفي الخولي وأمين شفيق وغيرهم...
كانت التهمة هي الخروج عن الخط الوطني، والتحريض ضد الوحدة الوطنية، والخروج عن الالتزام بمواثيق الثورة، والتوقيع على بيانات مضللة، والإخلال بواجباتهم كأعضاء عاملين بالاتحاد الاشتراكي العربي.
النكتة أن أكثرهم لم يكونوا أعضاء في الاتحاد الاشتراكي العربي، وطبعاً كان هو الحزب الوحيد من أيام عبد الناصر الذي أنشئ بديلاً من الأحزاب وتغييراً في اسم "الاتحاد القومي".
كان حديث السادات لا ينتهي عن الديموقراطية ولكن لا شيء يحدث. صحيح أنه بعد أكثر من ستة شهور في 28 أيلوا/ سبتمبر 1973 أعلن في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الثالثة لوفاة عبد الناصر، أنه أصدر قراراً بحفظ التحقيقات مع الطلبة الذين قُبض عليهم في مطلع العام والإفراج عنهم، وأصدر قراراً بإعادة العضوية العاملة للاتحاد الاشتراكي إلى المثقفين الذين أُسقطت عنهم، وبالتالي إعادتهم إلى أعمالهم، لكنّ ذلك كان في إطار الخداع لإسرائيل، فالحرب على الأبواب، وهو يحتاج هنا إلى كل قلم، وسوف يعود السادات بعد الحرب إلى العداء مع المثقفين والطلاب والعمال وإن بطرق أخرى. سيعود إلى الطريق القديم. طريق الزعيم الأوحد، والمفكر الأوحد، وكل الناس يجب أن تكون رهنا بقلب الزعيم وفكره.
نبض