09-02-2023 | 18:59

"الزلازل" في الأدب... روايات تستمدّ حوادثها من وقع المأساة

​ تؤرق حكايا الكوارث الطبيعية، وصورها المثقلة بالموت والدمار، أرواح كل من عايشها. تنشب أظافرها في ذاكرتنا الفردية والجماعية، لتترك مكاناً مزمناً لها، منه قد تنسلّ إلى مخيلتنا، تظللها حيناً ولربما تشحذها أحياناً أخرى. ولأنّ الأدب وليد واقعنا وخيالنا معاً، اختار روائيون حدثاً كارثياً جللاً ليكون بمثابة العمود الفقري لنتاجهم الأدبي، يبنون حوله سردًا دراميًا للمأساة قد يحاكي مخاوفنا وطرق تعافينا منها، أو حتى تعاطينا مع ارتدادات الحدث وآثاره على المدى البعيد.
"الزلازل" في الأدب... روايات تستمدّ حوادثها من وقع المأساة
Smaller Bigger

 تؤرق حكايا الكوارث الطبيعية، وصورها المثقلة بالموت والدمار، أرواح كل من عايشها. تنشب أظافرها في ذاكرتنا الفردية والجماعية، لتترك مكاناً مزمناً لها، منه قد تنسلّ إلى مخيلتنا، تظللها حيناً ولربما تشحذها أحياناً أخرى.

ولأنّ الأدب وليد واقعنا وخيالنا معاً، اختار روائيون حدثاً كارثياً جللاً ليكون بمثابة العمود الفقري لنتاجهم الأدبي، يبنون حوله سرداً درامياً للمأساة قد يحاكي مخاوفنا وطرق تعافينا منها، أو حتى تعاطينا مع ارتدادات الحدث وآثاره على المدى البعيد.

 

فعلياً، تكاد لا تحصى الروايات والنصوص الأدبية التي كانت مسرحاً لإعادة توثيق الكوارث الطبيعية أو تخيلها. وللزلازل نصيب منها. الكاتبة التركية أليف شافاك، على سبيل المثل، تستعيد في نص حمل عنوان "صيف في المدينة"، تفاصيل حقيقية لليلة كارثية حلت على اسطنبول عام 1999، "كانت ذروة الصيف في اسطنبول، مزيجاً من الحرارة والرطوبة، خانقاً جداً، حتى أننا أصبحنا جميعاً عرضة للأرق: القطط في الشوارع، والناس في منازلهم، وطيور النورس تطفو على سطوح المنازل".

 

تضيف: "في الليلة نفسها، لفحنا نسيم عذب كما لو أنه هدية غير متوقعة من السماء. أخيراً تمكنّا من النوم، القطط والبشر وطيور النورس. ولكن في تمام الساعة الثالثة صباحاً، بدأت. هزة في البداية، ثم قعقعة مروعة تتصاعد من باطن الأرض، ليحدث الزلزال (...) قضينا تلك الليلة في الشوارع، نستمع إلى الراديو ونحاول فهم حجم الكارثة. لم نكن نعرف آنذاك أن أكثر من 17000 شخص قد لقوا حتفهم في تلك الثواني القليلة، وأن ما يصل إلى 50 ألفاً قد أصيبوا".

تستمر شافاك في توثيق مشاعرها في خضم الكارثة، لكن الأكيد أنها لا تتحدث عن حالها فقط، "لن أنسى أبداً صيف 1999 في اسطنبول. المعاناة الإنسانية الهائلة. مشاعر التعاضد والصداقة غير المتوقعة في مواجهة الموت والدمار. استغرق الأمر بضعة أيام فقط للعودة إلى "الوضع الطبيعي"، العودة إلى طرقنا القديمة وتحيزاتنا، واستمرت المدينة في النمو والنمو كأنها لم تتعلم شيئاً".

 
 

كذلك، يبرز الزلزال كمحرك رمزي وحسي في رواية أخرى بعنوان "في حالة الطوارئ"، للكاتبة الإيرانية مهسا محب علي، تروي فيها الأخيرة تداعيات زلزال ضرب طهران حسبما عايشته بطلة روايتها. تستيقظ شادية، الشابة المدمنة على الأفيون، على اهتزاز سريرها بقوة. لا تدري ما إذا كان الارتعاش بداخلها فسيولوجياً أم أنه جيولوجي، أو لعله كلاهما. تقوم بوصف دقيق لكل ما ومن حولها. في المنزل، عائلتها مفككة: أمها تبكي بحرقة أثناء التسبيح والصلاة، بينما يحاول شقيقها إيجاد سيارة لنقل العائلة إلى مكان آمن. فيما اختفت جدتها المسنة فجأة، ولم تنفع محاولات الاتصال بوالدها الغائب كالعادة. تغلق شادية عينيها وتمتص بشدة الأفيون المتبقي في مخبئها السري. لا يمضي وقت طويل قبل أن تغافل الفتاة عائلتها لتخرج إلى الشارع متنكرة بزي رجل.

 

هناك، وإثر سلسلة من الزلازل المروعة وارتداداتها، تشهد شادية الضرر الذي أحدثته الكارثة الطبيعية التي حلت من دون سابق إنذار. تراقب محاولات السكان الفرار من المدينة، فيما حركة المرور غير المسبوقة تعيق الطرق. تتعالى الصرخات وتندلع المعارك الكلامية، كل على أعصابه. تنطفئ خدمة الهاتف ويتحرك الجميع بخوف. تشاهد مجموعة نساء قرب صراف آلي وهن يتناوبن على سحب المال استعداداً  للمجهول بعيداً من بيوتهن ومدينتهن، بينما يدخل أطفالهن في نوبة بكاء.

 

تستحوذ الشابة على المدينة وكأنها ملك لها. تلتقط أصواتها كاملة، وتقول "ألصق أذنك بالأرض واستمع مثلي. استمع إلى الشوارع تتحدث. أستطيع سماع تصدع الرصيف وهو يفرقع ويتمطى، كما لو أنه يطقطق مفاصل أصابعه بعد يوم طويل".

وفيما نقلت الكاتبة بدقة الهلع الجماعي عند حلول الكارثة، لا يخفى على أحد البعد السياسي للرواية، واستخدام الزلزال كرمز للتبدلات التي طرأت على الساحة الإيرانية إثر الثورة الشبابية الأخيرة.

 

صوت جوفي غريب

 

عن الزلازل في الأدب أيضاً يبرز "رومبو"، وهو عنوان إحدى روايات الكاتبة الألمانية إستر كينسكي، ومعناه ذلك "الصوت الجوفي الغريب" الذي يحدث عند وقوع زلزال.

 على أرض الواقع، سمع سكان فريولي في شمال شرق إيطاليا هذا الصوت المدوّي للمرة الأولى في 6 مايو 1976، قبل أن يتسبب زلزال كارثي في مقتل ألف شخص وتشريد عشرات الآلاف.

في كتابها، توثق كينسكي الصدمة الجماعية التي خلّفها الزلزال،  معتمدة مزيجاً مميزاً من الحقيقة والخيال. على لسان أبطال روايتها السبعة تصف الزلزال بأنه "ندبة لن تختفي أبداً. وكما طبع نفسه في ذاكرة مجتمعنا، سيظل محفوراً في التضاريس المضطربة في المنطقة. الزلزال في كل مكان. ربما توقفت الاهتزازات، لكننا لا نزال نسمع صوت الرومبو".

من خلال الجمع بين التاريخ الشفوي المتناقل عبر شهود عيان، والوصف الطبوغرافي المرصود باهتمام، تهتم الرواية أساساً بإحاطة الحدث المأسوي من جوانبه كافة، ونقل الحوادث التي تلت الزلزال وكيفية التعاطي مع كارثة طبيعية بهذا الحجم.

 

نسمع قصص أبطالها كما لو أنها تأتي مضطربة ومباشرة من أفواههم. تفصل شهاداتهم، وأماكن وجودهم، وكيفية تعاطيهم مع تداعيات الزلزال. يتذكر "أنسيلمو" مثلاً النوم في السيارة مع أطفاله تلك الليلة بعدما تدمر منزله بالكامل، بينما تتحدث "أولغا" عن رعبها الليلي المستمر بحيث لا تزال تستيقظ فجأة وطعم الغبار في فمها، كما حدث ليلة الزلزال.

 

كذلك، في رواية كينسكي، نجد أن الأرض تتحدث إلينا. النهر يصف ما جرى، والجداول تكتب عن نفسها أثناء عبورها الأودية بسرعة. تقوم الكاتبة ببراعة بتحريك العالم الطبيعي من حولها بخبرة. في بعض الفصول، تخفي يدها البشرية، تاركة السرد للشجيرات المحترقة والأحجار المتناثرة والصخور المتحركة لتتحدث عن هول الكارثة الطبيعية التي ألمّت بالجميع.

 
 

أما رواية "زلزال في تشيلي" للكاتب هينريش فون كليست، فتجري حوادثها خلال زلزال سانتياغو عام 1647. يوثق فيها الكاتب معاناة شاب فقير وفتاة غنية رفض المجتمع علاقتهما، وحكم عليهما بالموت عندما أنجبت الفتاة طفلاً غير شرعي. الزلزال هذه المرة، جاء لينقذ الحبيبين من موت محتم، فتمكن الشاب من الفرار من السجن وعاد ليجتمع مع فتاته وابنهما، قبل أن تعود الرواية لتنتهي نهاية مأسوية.

 
 

في إحدى صفحاته، يروي الكاتب على لسان بطل روايته شعوره إثر الزلزال: "فقط عندما استدار ورأى المدينة تتهاوى على الأرض خلفه، تذكر اللحظات المرعبة التي مر بها للتو. أحنى جبهته إلى الأرض وشكر الله على هروبه الذي يشبه المعجزة. كما لو أن هذه الذكرى المروعة، التي ستطبع نفسها في عقله للأبد، قد محت كل الذكريات الأخرى. بكى بنشوة عندما وجد أنه لا يزال يتمتع بنعمة الحياة، بكل ثروتها وتنوعها".

الأكثر قراءة

Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime. 
دوليات 2/6/2026 6:02:00 PM
 ما ظهر في التسجيلات شخصاً يحمل أغطية أو أمتعة خاصة بالنزلاء.
دوليات 2/6/2026 8:04:00 PM
القيادة المركزية الأميركية تعلن إبحار مجموعة حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في بحر العرب بمشاركة سفن إمداد وقطّاعات خفر السواحل وطلعات جوية للجناح التاسع