06-09-2022 | 21:26

رحيل الفنّان ممدوح قشلان... عاشق دمشق وتراثها ​

​ بعد رحيل الفنان السوري ممدوح قشلان (عن 93 عاماً)، تكون الحركة التشكيلية في العالم العربي قد خسرت واحداً من أقطابها البارزين، ومعه تُطوى صفحة مضيئة من الزمن الجميل لفنون الحداثة التشكيلية العربية. وغالبًا ما اعتُبر قشلان شاهداً بريشته على عصره، ومساهماً فعالاً في صوغ المعنى الحداثيّ للتوجه نحو إحياء التراث الشعبي للمدن العربية. هو عاشق دمشق وغوطتها وحاراتها وزخارف بيوتها وحدائقها، كما عُرف عنه حبه لرسم معالم بعض المدن العربية، فرسم تونس وبيروت وجال بريشته في الأحياء القديمة لمدينة اليمن، وظلت دمشق معشوقته الابدية، لا يبرحها ولا يسأم من تصوير ناسها وعاداتها وتقاليدها ومناخاتها الشعبية التي نشأ عليها وألهمته وسحرت مخيلته بدفئها ورحابة العيش فيها. حقق في حياته العديد من الانجازات المهنية، فهو من مؤسسي نقابة الفنون الجميلة في دمشق (العام 1969)، وعُيّن نقيبًا لها عدة مرات. وهو أيضًا من مؤسسي الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب (العام 1971)، ومؤسس ومدير صالة إيبلا للفنون الجميلة في دمشق منذ العام 1980.
رحيل الفنّان ممدوح قشلان... عاشق دمشق وتراثها

​
Smaller Bigger
 
 

بعد رحيل الفنان السوري ممدوح قشلان (عن 93 عاماً)، تكون الحركة التشكيلية في العالم العربي قد خسرت واحداً من أقطابها البارزين، ومعه تُطوى صفحة مضيئة من الزمن الجميل لفنون الحداثة التشكيلية العربية. وغالبًا ما اعتُبر قشلان شاهداً بريشته على عصره، ومساهماً فعالاً في صوغ  المعنى الحداثيّ للتوجه نحو إحياء التراث الشعبي للمدن العربية.

هو عاشق دمشق وغوطتها وحاراتها وزخارف بيوتها وحدائقها، كما عُرف عنه حبه لرسم معالم بعض المدن العربية، فرسم تونس وبيروت وجال بريشته في الأحياء القديمة لمدينة اليمن، وظلت دمشق معشوقته الابدية، لا يبرحها ولا يسأم من تصوير ناسها وعاداتها وتقاليدها ومناخاتها الشعبية التي نشأ عليها وألهمته وسحرت مخيلته بدفئها ورحابة العيش فيها.

حقق في حياته العديد من الانجازات المهنية، فهو من مؤسسي نقابة الفنون الجميلة في دمشق (العام 1969)، وعُيّن نقيبًا لها عدة مرات. وهو أيضًا من مؤسسي الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب (العام 1971)، ومؤسس ومدير صالة إيبلا للفنون الجميلة في دمشق منذ العام 1980.

أعماله مقتناة من قبل وزارة الثقافة السورية (قصر الشعب)، والمتحف الوطني بدمشق، ومتحفيْ تدمر وحلب، فضلاً عن متاحف عربية وأجنبية منها القاهرة وتونس والرباط، ومتاحف عدة في بلغاريا ومتحف بلدية مدينة ليل الفرنسية، إضافة الى مجموعات خاصة. إضافة إلى أنه عضو المجلس الدولي للمتاحف التابع لليونسكو، وقد تبوأ مناصب رسمية عدة كنقيب للفنون الجميلة، وألّف مجموعة من الكتب عن الفن والتربية الفنية، وكتب عن حياة وأعمال بعض الفنانين السوريين منهم محمود جلال ولؤي كيالي، كما أعدّ دراسة شاملة عن الفن في سوريا بعنوان: "نصف قرن من الابداع التشكيلي".

حاز على العديد من الأوسمة والجوائز التكريمية، واختارت منظمة اليونيسف بعض أعماله وطبعتها كبطاقات فنية تُوزّع في أنحاء العالم.

 
حلقات الدرواويش إيقاع الابتهال
 
 

دمشق والعشق الازليّ

ولد الفنان في حي القنوات الدمشقي عام 1929، كان ابناً لأحد مشايخها المرموقين (الشيخ أحمد قشلان) ولأسرة عريقة اشتهرت بالعمل في تجارة الأقمشة، كان لها دور بارز بين تجار دمشق. في خمسينات القرن العشرين، اتخذ ممدوح قشلان قراره الصادم بدراسة الفن في الخارج، وهو المعروف بانتسابه الى بيئة دينية محافظة.

في العام 1953، كان واحداً من أوّل دفعة طلّاب فنون أوفدتها وزارة المعارف (التعليم) للدراسة في "أكاديمية الفنون الجميلة" في روما، ثم تابع دراسة فن الحفر والغرافيك في معهد سان جاكومو، قبل أن يعود إلى بلاده عام 1957.

أقام أول معرض فردي له في المتحف الوطني عام 1958، وخلال ستة عقود من عمره الفني أقام  قشلان 104 معرضاً فنياً ليتربع بذلك على قمة النشاط التشكيلي في تاريخ الحركة الفنية في سوريا.

لعلّ الميزات الفنية والجمالية التي انطوت عليها أعمال قشلان نابعة من مشاهدات الطفولة أكثر من الدراسة الاكاديمية الغربية، فهي تدين لتلك المؤثرات العاطفية واللاواعية بما فيها من سحر وانجذاب واختزان وتشرّب، لأيقاع الحياة اليومية التي عاشها في بيت العائلة في احد الأحياء التراثية القديمة في دمشق، قوله "أنا ابن هذه المدينة العريقة.. نشأت وترعرعت في أزقتها وحاراتها القديمة حيث تشربت من كل شيء أصيل فيها عاداتها وتقاليدها وأجوائها المفعمة بالتدين والأصول والأخلاق، كان بيتنا القديم عبارة عن صورة مصغرة لقصر العظم الأثري.. بحيرات مائية وأشجار ونباتات وورود وأحجار ملونة وفسحة مفتوحة على السماء والياسمين وزقزقة العصافير.. لذلك تبقى دمشق هي ذكرياتي الأجمل.. هي معشوقتي الأبدية الأزلية التي سحرتني في وقت مبكر.. وحين أقدمها في لوحاتي أرسمها بحلتها الأجمل.. أرسمها كما أحلم بها أن تكون". يتحدث المؤرخ عفيف بهنسي عن تعلق ممدوح قشلان بدمشق فيقول بأنه كرّس عمره ليرسمها بطابعها الخاص "فقد حملها بلوحاته طيلة سنين وتجول بها في أرجاء العالم ليعرّف بفنونها وجمالها وسماتها".

 
حي من احياء دمشق القديمة
 
 
 

تميّز ممدوح قشلان بأسلوبه الفطري الحافل بالحب والفرح اللوني وبراءة العيش، في محاكاة الموضوعات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبيئة الشعبية الدمشقية، وهذا المنحى يتراءى في أساليب العديد من الفنانين المحدثين العرب (خصوصاً في مصر والعراق وفلسطين).

لقد شهدت حقبة أواخر الخمسينات والستينات تحولاً كبيراً نحو السردية التي تصف بالتفاصيل خصائص المكان بصفاته الانسانية كهوية ثقافية ومجتمعية، وهي ميزة لا تنسحب على الفن فحسب بل على الأدب (روايات نجيب محفوظ على سبيل المثل)، وسائر أنواع الفنون التي عسكت التراث الحيّ للمجتمعات العربية بكثير من الحنين، من خلال السعي لالتقاط الصور الهاربة من الذاكرة، خصوصاً ذاكرة المدن والحواضر العربية بمناخاتها التراثية وعاداتها وتقاليدها الشرقية، خوفاً من هجمة الحداثة بما تحمله من تغيير جذري على الحياة المدينية بمظاهرها العصرية المتأتية من الغرب.

 

مدرسة الكتّاب للفنان ممدوح قشلان

 

 

لغة الوصف بين الفطرية والتكعيبية

في هذا السياق نستطيع أن نتفهم ذلك الوعي لجماليات المكان لدى قشلان في تسجيله لذاكرة العيش في أحياء دمشق القديمة، حين رسم مشاهد بانورامية لمعالمها وأشكال ابنيتها المتراصة وبيوتها ومساجدها ومآذنها وقناطرها، كما تغلغلت ريشته الى داخل تلك البيوت لتسجل ايقاعات حياة النسوة بلباسهن الشرقي وأعمالهن المنزلية، ثم أخذت ريشته لتروي سيرة حياة الناس وحكاياتهم وعاداتهم وتقاليدهم ومناسباتهم.

لقد رسم الأعراس وحلقات الذكر الصوفية (رقص الدروايش) وحلقات الدبكة الشعبية وعازفات الموسيقى، ودكاكين السوق، والأزقة الضيقة، وفتح منافذ العين نحو مشاهد طوبوغرافية لمدينة دمشق برؤية بانورامية شاملة لا يغيب عنها مشهد قبة النسر للمسجد الأموي الكبير الذي يغمر فضاء دمشق بالحب والخشوع.

 
 

لم يكن الوصف يكفي ممدوح قشلان بل ذهب الى الألوان المشعة المضيئة وسعى إلى تجسيد الواقع بأسلوب تعبيري متحرر، أي بتصرّف كبير في التوليف والتحوير والتكوين للموضوع مع ميل واضح نحو رسم معالم الأشكال وتحليلها وفق الهندسة التكعيبية. وهذا التوجه نحو التكعيبية هو من ابرز الميزات الحداثية التي طغت على اسلوب قشلان أسوة ببعض الفنانين العرب في تلك الحقبة التي شهدت على موجات التسطيح اللوني والتفكيك الشكلي- الهندسي والدفء اللوني في التعاطي مع الواقع.

 
لوحة من أعمال الفنان ممدوح قشلان كأنموذج لأسلوبه التكعيبي-1959

 

 

رسم ممدوح قشلان ما لا يحصى من اللوحات لدمشق، عاصمة الامويين، التي شكلت له موضوعاً ملحاحاً فكانت مفتاحاً لإبداعاته، حين راح ينتشل من ماضيها ذاكرة الدفء وطقوس الحياة والموت والولادة ودروب الحارات ونوافذ البيوت وهمس الجدارن العتيقة، قيل أن دمشق كانت لممدوح قشلان "أكبر من لوحة، وأرق من قصيدة، وأطول من رواية، وأكثر امتداداً وغنى بالقصص والحكايا والشخصيات من حلقات مسلسل. كانت دمشق قشلان معماراً اجتماعياً، وطقساً دينياً، وعالماً جمالياً لا تنتهي تفاصيله".

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.