موت الطّفل ريان يفضح زيف العالم
بعد أكثر من مئة ساعة في بئر عميقة شديدة الضيق، أسلم الطفل المغربي ريان الروح، وأخفقت الجهود الرسمية، والدعوات الشعبية، في إنقاذه. لتنضم قصته القصيرة جداً مع الحياة إلى أطفال عرب آخرين لفتت مآسيهم أنظار العالم، مثل الطفل السوري الغريق إيلان والطفل الفلسطيني القتيل محمد الدرة.
هناك مقولة شهيرة مفادها أن قتل شخص جريمة بينما قتل الآلاف مجرد "رقم" تصدُق أيضاً على المآسي؛ فالوعي الجمعي ينتفض للمأساة الفردية ويهتم بكل تفاصيلها، بينما لا يجد في "آلاف المآسي" المشابهة ما يثير شهيته للتعاطف والتضامن. فلو حدّثته عن موت آلاف الأطفال السوريين واليمنيين والليبيين والعراقيين في الملاجئ والمخيمات والحروب من البرد والجوع، فستبدو جملة غائمة ومألوفة في سياق الواقع.

تأطير الوعي
شيء من محدودية الوعي والولع بالتأطير، يدفع البشر للانشغال بالتفصيل البسيط لا قراءة الصورة الكاملة. نحن نميل إلى صورة نعرف حدودها جيداً، بينما تخيفنا وتربكنا الصور اللانهائية.
تتحدث منظمات الأمم المتحدة في أحدث الإحصاءات عن تعرّض مليار طفل للإساءة والعنف النفسي والجسدي، بما في ذلك زيادة معدلات الانتحار بين المراهقين، وانتحار الأطفال مجاراة لألعاب افتراضية غريبة، وتركهم وقتاً مأساوياً طويلاً مع المعتدين بسبب العزل الذي فرضه "كورونا".
أي أن طفلاً من كل اثنين تعرّض لمأساة ما، من التنمّر والتحرّش والعمالة في ظروف قاسية، والنوم في الشوارع والملاجئ، والخطف والقتل والاعتداء الجنسي، والحروب وتجارة الأعضاء وتجارة الجنس.
نصف أطفال العالم حملوا وصمة ما (بسبب الكبار)، ستظل عالقة في أرواحهم وتفسد عليهم مستقبلهم.
مع ذلك لا تستثير هذه الإحصاءات الدولية أي فزع. لا تدفع أحداً لإيقاف الحروب والصراعات الأهلية. بل قلما تكون هناك مؤتمرات تعزز حق كل طفل في بيئة صحية وآمنة.
لأن كل الإحصاءات مجردة عمياء لا تثير شهوة الحكي، ولأن مصالح كثيرة ومعقدة- في السر والعلن - لن تُبالي بالضحايا. هل سمعنا عن تجريم دولي حقيقي لقتلة الأطفال ومرتكبي المذابح ضدهم في الحروب؟! هل سمعنا عن منع وتجريم دولي للألعاب الإلكترونية التي تدفع الصغار للانتحار؟
موجة عاطفيّة
براءة الطفل ريان مع فداحة المأساة أن يبقى وحيداً في بئر ضيقة بعمق ثلاثين متراً، خلقت مفارقة حادة بين الحياة والموت. فلو كان رجلاً طاعناً في السن لكان التعاطف معه أقل.
هذا الانفعال العاطفي ترتبت عليه أمنيات ودعوات وصلوات، حتى الأزهر الشريف في مصر أصدر دعاءً، وهو انفعال لحظي هش لا يطرح الأسئلة العقلانية المفترض طرحها. لماذا تُركت هذه البئر مكشوفة مصيدة للصغار؟ هل حدث إهمال من أسرته؟ هل ثمة مخطئ سوف يحاسب؟ ما الذي يمكن أن تفعله الحكومات والشعوب كي لا تتكرر مآسي الأطفال؟
ثمة توجيه مضمر باتجاه الشحن العاطفي فحسب، حتى بعد إعلان وفاة ريان تحدث أحد المسؤولين في المغرب بأن مشيئة الله كانت فوق كل شيء. هذا صحيح طبعاً، لكن نجاة ريان كانت لتعبّر أيضاً عن مشيئة الله. بمعنى آخر، اعتبار كل مآسينا "قضاءً وقدراً" يوفر غطاءً للجناة والمهملين والمقصرين للهروب والتنصل من المسؤولية. تغيب رغبة المحاكمة والمحاسبة من الوعي تحت شعار "قدر الله وما شاء فعل". نكتفي بالشجن العاطفي لأنه أكثر سهولة من إرادة التغيير والمواجهة.
فهل شعوبنا العربية تعيش في أمن ورخاء ثم مرت بها تلك المأساة الفردية قضاءً وقدراً، أم أنها شعوب تعاني الفقر والمجاعات وشح الكهرباء والبنزين والفحم وسوء التعليم وغياب العدالة الاجتماعية والفساد والرشوة؟ ولو عالجنا بنزاهة كل هذا لظلّ ريان حياً، ولم يغرق إيلان في البحر؟ وستكون تلك أيضاً مشيئة الله.
تأثير البراءة
نحن نضعف عندما نرى طفلاً يبكي في الشارع ونضعف أمام ضحكة طفلة نابعة من قلبها. يكون الأطفال قريبين من الله. يكونون كالملائكة. لأن الواقع لم يلوثهم والكبار لم يشوّهوا مخيلتهم وبراءتهم بعد.
لذلك نحب الأغاني والدراما والمواقف الكوميدية التي فيها أطفال، ويحب الساسة أن يصطف لهم الأطفال بالثياب البيضاء والورود، كما يحبون التقاط الصور وهم يداعبونهم ويحملونهم بين أيديهم.
يظهر الأطفال حليقي الرؤوس في إعلانات بشعة لجمع التبرعات استغلالاً لبراءتهم ومآسيهم. يظهرون في أغاني الفيديو كليب لجلب الجمهور. استغلال سياسي واستثمار لتأثير البراءة على الناس. كأنّ تقبيل السياسي للطفل سوف يظهره بمظهر الأب العطوف على أبنائه.
بالمنطق نفسه، يسعى العالم لإحاطة مآسي الأطفال الفردية بكل العناية، بدافعين نقيضين.
ثمة دافع إيجابي وفطري لأن أي محنة لطفل هي محك مباشر لأخوتنا في الإنسانية، وقدرتنا على التضامن، وأملنا في المستقبل. هي انتصار لغريزة الحياة ضد غريزة الموت والعنف والدمار.
في مقابل الدافع السلبي الاستثماري الذي يجد في مثل مأساة ريان، فرصة لإنجاز مكاسب تجارية وسياسية وركوب "التريند"، ونقد أو نفاق الحكومة. هنا لا يصبح الانتصار لريان هو الغاية، بل توظيفه كأداة في مسار آخر. تماماً مثل ظهور الطفل في الإعلان، فالمهم ليس براءته بل ترويج الإعلان نفسه.
إن العالم الذي يحيط نصف أطفال البشرية بالعنف والإساءة، هو نفسه الذي يحاول غسل سمعته، وتحسين شعوره الجمعي بالذنب، عن كل ما ارتكبه في حقهم.
ويتغذى كلا الدافعين على ما يسميه الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو "التشديد على المرسلة"، أي انتقاء تفصيل محدد والتمركز حوله، لتمرير أيديولوجية خاصة بالمرسل.
تضارب رسائل
لا تحكي مأساة ريان قصته الشخصية ولا حزن أبويه (لهما خالص التعازي) بل تحكي لنا القصة المضمرة والأكبر: قصة العالم نفسه. واقعنا البشري الرديء.
أصبح ريان - لا شك - أيقونة مثل إيلان والدرة وبوعزيزي. لكن الأيقونات لا تعرف صرامة التأويل، بل تظل مفتوحة الدلالة ومتعددة الرسائل حد التضارب أحياناً.
ثمة من سيلوم الحكومة على الإخفاق ومن سوف ينتصر لها على الملحمة والكفاح والسباق مع الزمن. ثمة من سيعرض رسومه وقصائده الشعرية كي تلحق بالتريند.
إن ريان نفسه، بكل هذه البراءة، وعتمة البئر، والبرد والوحدة، يذكرنا بقصة يوسف والبئر.
كانت البئر في القصة الدينية رحماً لولادة ثانية ليوسف، ونقلة نحو مستقبل مشرق أنجز فيه السعادة واقتص أيضاً من إخوةٍ غدروا به.
بينما بئر ريان كانت أقرب إلى الكابوس، والنهاية الحزينة المضادة لكفاحه الشخصي، وكفاح منقذيه.
كأنّ رحلته القصيرة جداً، هي في ذاتها رسالة لنا. للعالم أجمع. هل نحن حقاً جادون في إيقاف الحروب والعنف وإنقاذ آلاف الأطفال اسمهم "ريان" واسمهم "إيلان"؟ هل نحن - شعوباً وحكومات - نسعى للدفاع عن حق كل طفل (وليس أطفالنا فقط) في حياة آمنة وكريمة؟
غادر ريان ضيق البئر إلى رحابة السماء مثل ملاك بجناحين، كأنه يقول لنا انتبهوا لتلك البئر التي يموت فيها آلاف الأطفال حول العالم.
نبض