05-02-2021 | 20:39

عزت العلايلي... حامل أختام الطبقة الوسطى ​

بدأ الفنان القدير عزت العلايلي (1934- 2021)، رحلته على الشاشة قبل أكثر من سبعين عامًا. تعوّد والده المحب للقراءة والثقافة، اصطحاب نجله إلى مسرح الريحاني ويوسف بك وهبي. فصمّم الطفل عزت على بناء مسرح في بيتهم. ثم أتيح له أن يشارك كصبي كومبارس في فيلم "يسقط الاستعمار" كي يصيح بمقولة ثورة 1919 الشهيرة "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" وهو على أكتاف زملائه.
عزت العلايلي... حامل أختام الطبقة الوسطى

​
Smaller Bigger


بدأ الفنان القدير عزت العلايلي (1934- 2021)، رحلته على الشاشة قبل أكثر من سبعين عاماً.

 

تعوّد والده المحب للقراءة والثقافة، اصطحاب نجله إلى مسرح الريحاني ويوسف بك وهبي. فصمّم الطفل عزت على بناء مسرح في بيتهم. ثم أتيح له أن يشارك كصبي كومبارس في فيلم "يسقط الاستعمار" كي يصيح بمقولة ثورة 1919 الشهيرة "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" وهو على أكتاف زملائه.

مع محمود المليجي في "الأرض"

 

الفدائي في السجن

عندما اندلعت المواجهات ضد الإنكليز، ذهب وسجل اسمه للتطوع، وشارك في نقل السلاح الى الفدائيين وهو في سن السابعة عشرة. ولسوء حظه بعد ثورة يوليو التي أيّدها بحماسة (كسائر أبناء الطبقة الوسطى)، مَن سجّل اسمه، كان منتمياً إلى جماعة الإخوان، وعقب محاولة اغتيال عبد الناصر واستحكام العداء مع الجماعة، تمّ القبض على الأسماء الموجودة في "الكشف" فقضى بضعة أشهر في السجن جعلته مُرتاباً في السلطة، بدرجة ما. وغالباً احتفظ بدرجة الارتياب نفسها في عصور السادات ومبارك. حتى قيل إن مبارك غضب منه لأنه استأذن مبكراً من حفل أقامه للفنانين!

فضل العلايلي الاحتفاظ بعلاقته مع مفهوم "الوطن" وليس "السلطة" وتقلباتها عبر العصور التي عاشها من الملكية إلى "الإخوانية" بعد كانون الثاني ( يناير).

 

من هنا كان ولعه بالأعمال التاريخية والوطنية، لعلّ أهمها مسلسله "النديم" 1982 عن خطيب الثورة العرابية عبد الله النديم، وعن الحقبة نفسها تقريباً قدم "بوابة الحلواني". وصولاً إلى سلسلة من الأفلام والمسلسلات المؤرشفة للذاكرة الوطنية مثل فيلم "الطريق إلى إيلات" 1993 ومسلسل "الجماعة" 2010.

 

بعض هذه الأعمال كانت بمباركة السلطة، لكنها معبرة عن مسارات مهمة في تاريخ الوطن والناس، كما في عمله "المواطن مصري" 1991، للمخرج صلاح أبو سيف، الذي يظهر صفحة سوداء من تاريخ العبودية والسخرة.

 

وبفضل هذه الأعمال ضمن العلايلي لنفسه مكاناً دائماً للقيام بدور الشرطي الطيب، ورجل المخابرات الوطني، والضابط، والمستشار حامي القانون، والأب المثقف الحريص على الوطن.

كان بطلاً لـ"صورة" مثالية خالية غالباً من "الندوب". صورة معبرة عن التمني أكثر من تعقيدات الواقع ومآلاته. وقد شارك - على الشاشة - في جميع ثورات مصر، طوال قرنٍ ونصف القرن.

 

وهكذا عبّر تعبيراً راسخاً عن الطبقة الوسطى من موقع السلطة، من ضباط وقضاة وأطباء ومهندسي ثورة يوليو وما تلاها، مثلما عبّر عن الخطاب الوطني المعتمد، غالباً.

 

 

رجل الدين واليساري المعارض

للطبقة الوسطى وجه آخر متدين، لذا كان للعلايلي مشاركات كثيرة جداً في أعمال دينية أشهرها فيلم "القادسية" 1981، وكذلك مسلسله "أبو عبيدة بن الجراح" 1988 والذي أصدر الأزهر وقتها قراراً بإيقافه بعد عرض حلقاته الأولى، بفتوى لا تجيز تجسيد المبشرين بالجنة على الشاشة!

 

ومثلما تقمص العلايلي قناع الطبقة الوسطى "السلطوي" و"الديني"، مثّل أيضاً قناعها "اليساري" المعارض، والقلق، والمثقف. وهي التجربة التي قدم من خلالها أهم أعمالها مثل "الأرض" 1970، و"الاختيار" مع يوسف شاهين، وكلاهما من أهم ما قدمت السينما المصرية، "زائر الفجر" 1973، لممدوح شكري، و"على من نطلق الرصاص" 1975، لكمال الشيخ، ورأفت الميهي كاتباً، وكذلك "السقا مات" 1977، لصلاح أبو سيف عن رواية يوسف السباعي، و"أهل القمة" 1981 لعلي بدرخان، و"المجهول" 198، لأشرف فهمي عن نص ألبير كامو، و"الإنس والجن" 1985 مع عادل إمام...

 

 وعام 1986 قدم مجموعة من أهم أعماله: "الطوق والأسورة" لخيري بشارة عن قصة يحيى الطاهر عبد الله، ثم "التوت والنبوت" عن "ملحمة الحرافيش" لنجيب محفوظ، "والهروب من الخانكة" لمحمد راضي.

 

خلال عقدي السبعينات والثمانينات قدم العلايلي أهم إبداعاته، ووقف أمام كل أساطين التمثيل في عصره، وأمام كاميرا جميع المخرجين الكبار، ليثبت أن الراحل توفيق صالح كان محقاً عندما منحه البطولة وشارة النجومية في فيلمه "السيد البلطي" عام 1968.

 
 
من فيلم سيد البلطي
 

شروط النجومية القاسية

بالعودة إلى بداياته في أدوار صغيرة، فهي تتماشى مع عقلية الطبقة الوسطى عبر الصعود التدريجي بمباركة الأساتذة ونيل النجاح درجة بعد درجة، برغم أن بعض مشاركاته الثانوية كانت في أعمال مهمة مثل دور الدرويش الضرير في "قنديل أم هاشم" عام 1968.

وكان العلايلي قد تخرّج من معهد المسرح متأخراً بعض الشيء، وجاءته الفرص متأخرة قليلاً، قياساً إلى تاريخ ميلاده. ولأنه انشغل بمساعدة إخوته عقب الوفاة المبكرة للأب، كما يليق بالأخ الأكبر ابن الطبقة الوسطى، وجرب حظه في مهن عدة مثل الإعداد والإخراج التلفزيوني، حتى قيل إن فيلمه الأشهر "الاختيار" كان من المفترض أن يخرجه هو ويلعب بطولته يوسف شاهين، ثم حدث العكس.

 

تشبه رحلة العلايلي إلى حد كبير مسيرة نور الشريف، فهذا ابن حي باب الشعرية وذاك ابن حي السيدة زينب، كلاهما ابن مخلص للطبقة الوسطى، يعمل بمنطق "الأسطى" و"الصنايعي" المجتهد، وبحس ثقافي لا يخفى، وهم وطني صادق ومتسق مع عروبته. مع فروق أفضلية لصالح الشريف في الفرص والنجومية، والحضور على الشاشة.

 

ومع مسيرته الطويلة جداً قدم العلايلي قرابة مئتي عمل منها المسرح، خصوصاً مسرحيته المهمة "أهلا يا بكوات" للكاتب لينين الرملي. لكنّ محطاته الفنية شهدت مراحل تذبذب - بطبيعة الحال - وقبول أدوار شرفية، وأعمال تجارية أو متوسطة، ويكفي أنه بطل أحد أسوأ الأفلام في تاريخ السينما وهو "ذئاب لا تأكل اللحم" (1973) الموصوف بأنه أشهر فيلم "إباحي" في تاريخ السينما، ولليوم ما زال محظوراً عرضه رسمياً!

لم يتعامل العلايلي بشروط النجومية القاسية، بل فضل استمرار الحضور بمنطق "الصنايعي" من يحترم مهنته ويعتاش منها، راضياً بصيرورة الزمن.

 

مع نور الشريف

 

زوج مثالي وأب حنون

خارج الشاشة، حرص على بناء سمعة محترمة جداً بين زملائه، أيضاً بمنطق ابن الطبقة الوسطى المحترم، الكريم مع العمّال والفنيين، والحاضر دائماً في أفراح ومآتم زملائه. وهو أيضاً الفنان البعيد عن أدوار الشهرة والغراميات والشائعات الحريفة، لأنه "رجل بيتوتي" زوج مثالي وأب حنون وجد طيب، لم يخجل أن يبكي في آخر لقاء تلفزيوني وهو يخبر الجمهور أنه يفتقد زوجته الراحلة، مشيداً بدورها العظيم في مسيرته، وأنه أحياناً كان يستيقظ على سماع صوتها، ليعبر عما يعنيه الزواج من حب وعشرة وعطاء.

 

ففي حياته، كان أكثر صرامة في الانتماء إلى طبقته، مما هو في أعماله، فقد يتنازل عن دور الطبيب والمهندس والضابط على الشاشة، لكنه لا يرغب أن يتنازل أولاده وأحفاده عن تلك المهن المحترمة، ولا عن السمعة الطيبة.

وبوداع عزت العلايلي، نودع ممثلاً كبيراً شارك في عدد لا يُستهان به من روائع السينما العربية، وعاش حياته وفنه حاملاً لأختام الطبقة الوسطى، رغم كل الانهيارات والضربات التي تلقاها أبناء تلك الطبقة طيلة سبعة عقود.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

آراء 5/19/2026 4:27:00 AM

المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...

لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.