03-08-2022 | 20:11

"قماش أسود"... رواية إنسانيّة تنفذ إلى جوهر المأساة

أبادر في مستهلّ هذا المقال، إلى القول بأنّ هناك نصوصًا حين تنال جائزة وتحظى بتقدير فهي إذ تحوز الاعتراف في وسطها وتكرم الكاتب تشرّف الجائزة أيضًا وتمنحها شرعية ومصداقية وتؤهلها للاستمرار. منها رواية الكاتب السوري الشاب المغيرة الهويدي" قماش أسود" الذي تُوِّجت موهبته بجائزة غسان كنفاني للرواية العربية المحدثة في فلسطين بمناسبة الملتقى الخامس المنتظم فيها هذا العام (من 17 حتى 21 تموز/ يوليو المنصرم). صدرت الرواية للمرّة الأولى عن "منشورات تكوين" في الكويت (2020)، وأصدرتها (دار طباق) في طبعة فلسطينية أخيراً، نعتمدها في قراءتنا. وسيكون مؤسفاً أن يكون هذا النص المحكم مبنى ومعنى، كما سنفصل، قد وقع فرَضًا بين يدي لجنة تحكيم سابقة فأضاعت فرصته الذهبية التي قنصتها عين قارئة بصيرة وذائقة مجرّبة نفذت إلى العسل وأهدتنا الشهد وأنصفت.
"قماش أسود"... رواية إنسانيّة تنفذ إلى جوهر المأساة
Smaller Bigger

 

أبادر في مستهلّ هذه المقالة، إلى القول بأنّ هناك نصوصًا حين تنال جائزة وتحظى بتقدير، فهي إذ تحوز الاعتراف في وسطها وتكرم الكاتب تشرّف الجائزة أيضًا وتمنحها شرعية ومصداقية وتؤهلها للاستمرار. منها رواية الكاتب السوري الشاب المغيرة الهويدي "قماش أسود" الذي تُوِّجت موهبته بجائزة غسان كنفاني للرواية العربية المحدثة في فلسطين بمناسبة الملتقى الخامس المنتظم فيها هذا العام (من 17 حتى 21 تموز/ يوليو المنصرم).

 

صدرت الرواية للمرّة الأولى عن "منشورات تكوين" في الكويت (2020)، وأصدرتها (دار طباق) في طبعة فلسطينية أخيراً، نعتمدها في قراءتنا. وسيكون مؤسفاً أن يكون هذا النص المحكم مبنى ومعنى، كما سنفصل، قد وقع فرَضًا بين يدي لجنة تحكيم سابقة فأضاعت فرصته الذهبية التي قنصتها عين قارئة بصيرة وذائقة مجرّبة نفذت إلى العسل وأهدتنا الشهد وأنصفت.

 

 تنتمي رواية المغيرة الهويدي، بدايةً، إلى المدوّنة السردية التخييلية التي نشأت وتنامت من أقلام كاتبات وكتّاب سوريين، عاشوا ما شهدته بلادهم من هزات وتقلّبات عصفت بأوضاعها منذ الحوادث التي بدأت في عام 2013 في سياق موجة الربيع العربي.

 

إنها إذًا تيمة اشتغلت بها الرواية السورية واقترنت بأعلام تخصصوا فيها تقريبًا، وأجادوا التناول والقبض على جمرها والحطام والعارض في حرائق وطنهم، من أبرزهم نبيل سليمان، خالد خليفة، وسمر يزبك.

 

من اللافت أنّ الأزمة السورية بفداحاتها السياسية والاقتصادية والبشرية خاصة، اخترقت الحدود وأصبحت موضوعًا لنصوص أجنبية، آخرها رواية شعرية للفرنسي أنطوان ووترز بعنوان"Mahmoud ou la montée des eaux"(2021).

لقد أثار انتباهنا أن البنية السردية لهذه الأخيرة وطرائق أدائها المتراوحة بين الخبري والإيحائي بالأسلوب الشعري، متماثلة إلى حد بعيد مع قصة الهويدي، لا نتردد في القول مسبقًا بأنها جماع نصوص ومقاربات بما أنها مائدة حافلة (banquet) تنتظم في خيط حكاية تروي الواقع وأكثر، وهو ضروري، وبالخيوط تطرز الأنسجة، من تعدد حكايات الفاعلين البانين لقصة هم فيها أبطال وضحايا، موضوع ومشاعر، بشر في معركة كأنها نشبت منذ الأزل وتتواصل.

لتنوير القارئ، فإن مؤلف "قماش أسود" يحكي ما جرى لمجموعة من ساكنة مدينة الرقة السورية وإحدى قراها في فترة تسلط ما تسمّى (الدولة الإسلامية، برمزها "داعش")، واستيلائها على أجزاء من التراب، وانتهاكاتها لفرض ما يعتبره (التنظيم) الإسلام الصحيح.

 

 

تاريخ دموي

إنه تاريخ دموي همجي وقريب العهد، جرّ خرابًا هائلًا على مناطق في سوريا وشمال العراق. لكنّه في الرواية يبقى خلفية ورجع صدى، وإن تعين الفاعل الرئيس الصانع لوضع الشخصيات والأزمة المعيشية لديها: أبو كريم، المكلف في القرية من التنظيم بالإمامة، بينما مهنته خياط. زوجته المشلولة عالة عليه؛ سعاد زوجة ابنه كريم الذي اختطفه التنظيم وهو في حكم الميت، اسم مستعار موضوع للحقيقي نسرين ومُدعى بوصفها ابنة أبي كريم حماية لها من التنظيم.

يستخدم، بل يستغل أبو كريم نسرين في خياطة العباءات بنوع الهندام الداعشي ويبيعها في الأسواق، يُمنيها بتمويل هرب قريب من سلطة التنظيم نحو تركيا، ويعيشان سوياً بعد وفاة الزوجة المشلولة، يومها كله خياطة خلا إطلالة من خلف باب الدار لشخصية يدخلها المؤلف، يوسف صاحب دكان يحمل المواد الغدائية، ومعه تخيط تدريجًا علاقة خفية تصعد كرشندو حتى النهاية.

 

ثم يضيف شخصية جديدة هامشًا في البداية، وما تلبث أن تغدو مركزًا ثانيًا: هي أسماء، سيدة جلبها أبو كريم زوجة للمعاشرة، وبعد مناكفات عابرة تصبح هي ونسرين ثنائياً ينمو بالألفة، بالرغم من اختلاف المستوى التعليمي والتربوي والتجربة الشخصية والطموح، وسرعان ما يربطهما مصير واحد عندما يهرب عائلهما ويضطران للنزوح إلى المخيم.

 

هذا هو القسم الأول من حكاية "قماش أسود"، وضع اللبنات الأولى لمبنى القصة، وحدد هوية وملامح المتصارعين ووجه السطوة الداعشية، ذلك أن علينا نحن القراء أن نعرف من خلال الحكي من هم وعلاماتهم، منها، صبغ شاخصات الطريق "باللون الأسود(...) وآيات تحث على الجهاد وقتال المنافقين"(19)؛ ومنعهم كل ما كان مسموحًا به في الماضي، منه أجهزة التلفاز "تبث أخبارًا كاذبة وتقدم برامج تحرض على الفسق والكفر" (20) ومنعهم التدخين جاعلينه خطيئة، و"يجلدون كل امرأة تحمل هاتفًا"(31). ناهيك أنهم" قتلوا رجلًا بطلقة في الرأس بعد أن صلبوه"؛ ووضعهم "رجالًا في أقفاص حديدية وسط أكوام من الجماجم والعظام البشرية"(32). يلي بعد هذا القسم الثاني، بهروب ساكنة القرية نحو أرض الزَّور صاروا عرضة بين التنظيم لخطر المعارك بين الدواعش وخصومهم من حركة قوات سوريا الديموقراطية الأكراد(قسد)؛ الهروب شأن عائلات أخرى نحو مخيم قريب، هنا حيث يصنع ويرسم المؤلف نطاق مجتمع التشرد والاقتلاع والعيش تحت طائلة نزاع مسلح هم ضحاياه ومصير معلق بغد مجهول. هنا، في فضاء المخيم المشرف على ديار اقتلعوا منها.

 

 

ضراوة الأفعال

هنا بالذات يبدأ قصة، رواية أخرى، تلتحم فيها وتتفاعل محكياتٌ سابقة ولاحقة، تجسّد شراسةَ الخصم مثلما تكثف ضراوة الأفعال يمارسها جناةٌ ومقاتلون يستنكف المؤلف عن إصدار أي حكم عليهم ولا شخصياته، لا خطابية أو إدانة شاغلُه، ورؤيته، يتم تصعيدها في ملعب آخر، هو مسرح الذات، بتذويت الواقع الموصوف بدقة متناهية وبواقعية حاذقة تسمّيه وتخصّصه في المكان والبيت والوجه والطقس والأشياء والحركات كما السكنات والظلال، للانتقال إلى تكليمه والتعبير عنه من جوف إحساس ومعاناة الشخصيات. بعد روايات سابقة عن هذا النزاع غرقت في واقعية طبيعية وخطابية فجّة بلسان أيديولوجيات، يكتب الهويدي نصه روائيًا لا جنديًا في ميليشيا أو مقاتلًا في جبهة، لا عجب لن ترى وتسمع لديه سوى أصداء الانفجارات والدخان من بعيد أو الأرض والخيام تهتز تحت القصف شكلها وأثرها على أديم الضحايا، يباغتهم موت عشوائي بعيون مفتوحة قبل هنيهة أحياء فلا يفهمون ويُطوون في دفن عاجل.

أقول التعبير عنه روائيًا بواسطة شخصيتين متكافلتين متقاطعتين وترسمان كما تنموان بالتدريج، تصعدان وتتناقضان أيضًا على سُلّم الرغبات والتجربة: نسرين، زوجة كريم المفقود، (البطلة) والساردة، والتي سنعرف متأخرين أنها خريجة وماجستير آداب، ما يبدّد نسبيًا من استغرابنا لتأملات وأفكار متعالية وحديث يسري على لسانها نقول إنه أكبر منها، ممن نتعرف عليها في البداية خياطة عباءات سوداء بالتقليعة الداعشية، فإذ بها مؤهلة لمنصب معيدة في كلية الآداب، ومتمردة على تقاليد المجتمع باختيارها زوجًا من خارج طائفتها، ووفية لذكرى الزوج المختطف وحيرى متولّعة بحب طارئ، وهي في وضع ضحية للعائلة وللمجتمع كله، ما (التنظيم) إلا عضو جديد في هيئة قمعية متواصلة تنكّل بالمرأة، بالإنسان. تقابلها وتكملها من الطرف الآخر، آسيا، لا تعليم لها وإن زاخرة بتجارب أزواج وحياة، امرأة تحس ولا تتفلسف، مجروحة وأبيقورية، في قلب فاجعة المخيم حاجتها إلى (مراية) وسجائر وهل ستدخن (بعر الغنم)، الرجال عندها بلا تمييز هم المسؤولون عن الخراب، والنجاة في مغادرة هذه البلاد[سوريا] بلا أسف، تبدو تركيا هي الملاذ والفردوس المفقود، شأن حلم نساء أخريات في المخيم للالتحاق بأزواجهن في لبنان أو ألمانيا والنجاة من الجميع بلا استثناء.

 

يُعنون المغيرة الهويدي فصول روايته بـ"النبش" الأول، حتى الأخير بعد خمسة وعشرين. ليست حذلقة، بل تسمية تناسب "استراتيجية" سرد مبنيّ فعلًا على عملية نبش وحفر في ترابين: خارج (واقع) وداخل (ذوات)، في صورة استرجاع وبحركة استخراج لما مضى، حدث، ولِما رَسَب في النفوس من جرّاء وضع في بلده "سوريا" يتردد المؤلف بلسان السارد عن الحسم في اسمه تفاديًا لأيّ ورطة (أزمة، حرب ، ثورة) بحياد يتعالى به عن الظرفي كي يبقي رؤيته وشخصياته على صعيد أسمى، وذا جزء من روائية وأدبية النص.

براديغمات الواقعي

في النبش الذي تنجزه نسرين، بطلة وساردة في آن واحد، تتم التعرية للوصول إلى المردوم والمدفون المكنوز، حيث تشتغل فاعلية أركيولوجية نصٍّ ذي طبقات ومحكيات ولغات وسجلات وأكثر من خطاب، تتناوب على النبش أدوات حفر بالحواس والأظافر، وثانية بالحدوس والشكوك والأحلام والاستيهامات، وعلى أي صعيد تتبدل اللغة ويتنوع الأسلوب، ويتراوح الحكي بين السرد والتداعي الحر، ومثله الزمن السردي يتقطع جيئة وذهابًا (فلاش باك)، يمضي فيه خطّيًا كلاسيكيًا مع فعل محدد، وقبيل اختتامه يصنع بياضًا يكسر الكرونولوجيا ويرتدّ إلى ما قبل إن لم يستبق، وهو ما ينسجم مع ما نعتبره بنية سردية مركبة تتعالق فيها عناصر الواقع والحلم والغرابة ببراديغمات الواقعي والإيهامي والتحويل، لإنتاج رؤية مشوّشة وملتبسة عمدًا من طبيعة التيمة المطروقة، والحدث المرصود في سياق زمن تاريخي، مع المواجهات والتشخيصات الطباقية، بمنطق الأطروحة ونقيضها لصنع جدل وتصعيد درامي، الخ، وهي بهذه الطبيعة والتركيب لا يمكن أن تكون إلا أليغورية حادثةً بمحكيّها وأفعالها وفاعليها، لكن غرضها أبعد بدلالات الرمز والصورة واللون، وبالوسائط الاستعارية والعبارة الشعرية، الموجهة كلها لخدمة فكرة عليا وقيم تتوّج دلالات، أبلغها ما يبنيه الدال السيميائي للعنوان "قماش أسود" لم يأل الكاتب جهدًا في رسمه والتلفظ به وشرحه على امتداد النبوش، تكفي الإشارة إلى فقرة واحدة: "لماذا لون العباءات أسود؟ [تسأل آسيا] "الأسود سيد النساء"، "الأسود سيد الحزن"،" الأسود لون حياتنا"،" الأسود موت"، "الأسود عزاء"، "الأسود قهر"، "الأسود ليل موحش"(105ـ106).

 

لون أسود يسربل روح الترجيديا الناهضة جنازًا رهيبًا في رواية هي تركيب(synthèse) من الفاجعة الفردية والمأساة الوطنية، والمحصلة ثلاث تيمات لا واحدة كما ذكرنا سابقًا، صنعها الكاتب بجنس الرواية وأوالياته، عندي أنه فَعَل بنزعة اختبارية وتشغيلٍ لتعدد أجناسي تعبيراتُه السردُ الروائي، الحكاية، الحوار المسرحي، المقطع الشعري، المثل، الأهزوجة، التقرير السياسي، والتأمل، الفكرة، متراوحة بين ذهن الشخصية وتفكير المؤلف. هذا امتحان ما زال الروائي العربي يتعثر فيه، ويخونه، رأيه يندفع صوته الخاص جهيرًا، وإلا من يتحدث هنا ونحن على مشارف النهاية، الشخصية (نسرين) أم المؤلف؟ "هل نحن حكاية مكرورة؟ أتساءل الآن، وأفكر أن الحياة ليست أكثر من مجموعة كبيرة من النماذج، تعديلات طفيفة وندخل في النظام لنعيد اجترار حقيقتنا، الزمان وحده المتغير، يعيد تدويرنا لنصبح أكثر انسجامًا مع النموذج الذي ننتمي إليه، هي[الحياة] هكذا!"(189).

 

الحق أنه صاغ بوضوح لا مزيد عليه فلسفة عمله، هي جوهر ألِغورية روايته، وزاد عليها برسم خطاطة لفنه، أي أسلوبه وطريقته، وهذا دليل أنه كاتب ينشئ ويتخيل على هُدًى وينظر نحو أفق، وسننتظره فيه. 

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/29/2026 7:32:00 PM
عُيّن الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اعتباراً من 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مسيرة عسكرية وأكاديمية.
المشرق-العربي 10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
اقتصاد وأعمال 10/29/2026 2:35:00 PM
يشكل اجتماع باريس خطوة تحضيرية لتوحيد الأرقام وتحديد الخيارات القابلة للتطبيق، قبل مناقشتها مع صندوق النقد الدولي.
أوروبا 10/29/2026 10:18:00 PM
من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا ودول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة والهند وأستراليا، تتعدد توصيات الاستعداد للأزمات، من تخزين الطعام والمياه لعدة أيام إلى تجهيز حقائب الطوارئ تحسباً لتعطل الخدمات الأساسية والكوارث.