01-09-2021 | 23:54

كتاب "تاريخ القهوة العربية"

ما القهوة؟ ما قصّتها؟ لماذا شغلت الناس وملأت الدنيا منذ القرن الخامس عشر حتى اليوم؟ ما السرّ الذي يسكن في رائحتها ومذاقها؟ كيف انتقلت من مكان إلى مكان واكتسبت هذه الشهرة الخاصة؟ من أين استمدت حضورها وحققت مكانتها على الرغم من العقبات التي أحاطت بها والشبهات التي دارت حولها؟ كيف كتبت سيرتها بالذهب الأخضر، ونسجت حكايتها حبّة حبّة، وغزت العالم على نار هادئة؟
كتاب "تاريخ القهوة العربية"
Smaller Bigger

ما القهوة؟ ما قصّتها؟ لماذا شغلت الناس وملأت الدنيا منذ القرن الخامس عشر حتى اليوم؟ ما السرّ الذي يسكن في رائحتها ومذاقها؟ كيف انتقلت من مكان إلى مكان واكتسبت هذه الشهرة الخاصة؟ من أين استمدت حضورها وحققت مكانتها على الرغم من العقبات التي أحاطت بها والشبهات التي دارت حولها؟ كيف كتبت سيرتها بالذهب الأخضر، ونسجت حكايتها حبّة حبّة، وغزت العالم على نار هادئة؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها كتاب "تاريخ القهوة العربية" للكاتب والشاعر اللبناني محمد غبريس (دار "المحيط للنشر"- الفجيرة)، وهو يحكي قصّة اكتشاف القهوة العربية ومراحل تطوّرها، ويغوص باحثاً عن أصولها وجذورها، ويستعرض سرّ انتشارها عربياً وعالمياً وتحوّلها من مشروب عادي بسيط إلى تقليد عالمي إنساني مدهش، لتصبح مع الوقت رمزاً من رموز الكرم والضيافة، وتلعب دوراً مهماً في حياة المجتمعات على اختلافها، وفي التعبير عن القيم الاجتماعية والثقافية.

يقول الكاتب في مقدمة الكتاب: "مع فنجان القهوة تبدأ الحكايات ولا تنتهي، وترتسم خارطة المواعيد، وتولد ألف فكرة وفكرة، ثمة فنجان يتقاسم معنا التعب والخوف، وآخر ينزع عنا أصفاد الوحدة، وثمة فنجان يحرّك في أعماقنا ريحاً ويفجر شلالاً، وآخر يصغي لموجة تتأرجح في الأحداق، وثمة فناجين تروي سيرة الأمكنة وتختزن حنين الماضي، مع كل هذه الفناجين ثمة عالم جميل بلا حدود أو قيود، يتخذ وجه الشعر رمزاً للأصالة والشموخ والتجدّد".

يضيف: "ثمة قهوة لها ذاكرة بحر تلتقط ما يلقى من شوق وهوى، وثمة قهوة لها ضفاف نهر تكتم سرّ العناق، وثمة قهوة لها حوافر خيل تطوي سكون المسافات، وثمة قهوة لها مذاق الحنين، كلما ارتشفت منها رشفة واحدة، أنارت في عمقك شهيّة الحب، وثمة قهوة لها نافذة على الضوء، كلما داهم الليل عيونك، تكشفت خيوط الصباح تحت أهدابك، وثمة قهوة مثل الوطن، لا غنى عنه، ولا شيء مثله، ولا نفرّط بحبّة من ترابه".

يشير الكاتب إلى أن القصص والحكايات قد تعدّدت حول مكان اکتشاف القهوة وتضاربت المعلومات عن بداياتها، منها ما ارتبط بالأسطورة، ومنها ما امتزج بالخرافة، وقد ظلّ الناس يتناقلونها ردحاً من الزمن، لكن الوقائع والشهادات التاريخية تقول غير ذلك، وأثارت الكثير من التساؤلات والتفسيرات، وبيّنت لاحقاً تاريخ اكتشافها ومكان وجودها، وأشارت إلى طريقة انتقالها والتعرّف إلى خصائصها بالصدفة، من بين هذه القصص ترى إحداها أنّ الشيخ العارف بالله أبا بكر بن عبدالله الشاذلي المعروف بـ (العيدروس) الذي عاش جلّ عمره في اليمن، هو مبتکر القهوة المتخذة من البنّ.. ومن هنا نلاحظ أنّ انتشار القهوة حسب هذه الرواية أو تلك، قد جرى في وقت متقارب نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر بواسطة الصوفيين.

وفي الحقيقة إن هذه الصلة بين القهوة ورجال التصوّف تبرز سواء حين يتعلق الأمر ببلد المنشأ (أثيوبيا أو اليمن) أو في البلدان التي انتشرت فيها (مصر والشام)، إذ إنّ القهوة كانت مناسبة للصوفيين للقيام بشعائرهم المختلفة، لذلك لم تكن تسمية القهوة بالشاذلية مجرد تعریف بها، بل هو تأصيل لنسبتها إلى من اكتشفها على نحو يجعل منها حاملة لفضائله، موصولة بما كان معروفاً عنه ومتصلاً به من مزايا ومناقب، كما أنّها تسمية تحمل إشارة تّدل على تلمس الطريق إلى الاتجاه الصوفي.

ويؤكد الكاتب أن سرّ انتشار القهوة لم يكن مجرد أنّها مشروب عادي، بل لأنّها شكّلت منبت الضيافة والكرم والخشوع والتفاؤل والأمل، كلّها مفردات أحدثت تغييراً في نظام السلوك الاجتماعي لتحقّق بذلك ثورة تاريخية امتدّت إلى كلّ أصقاع الأرض بمنتهى الشغف والتأييد والحبّ، وقد استطاعت خلال خمسة قرون أن تبني لها أمجاداً في كلّ اللغات والحضارات والثقافات.

إن وجود القهوة كشراب وكشجرة لم يكن معروفا ًفي أوروبا حتى القرن السادس عشر، وقد شكّل وصول التجار الأوروبيين إلى البحر الأحمر نقطة مهمة بالنسبة إلى تجارة القهوة وطرق تصديرها، وقد انتشرت عادة شرب القهوة في أوروبا وغيرها من بلاد العالم خلال القرن السابع عشر والثامن عشر وازداد الطلب على تجارتها وأصبحت تزرع في سيلان وجاوه والبحر الكاريبي وأميركا الجنوبية، إذ إن أوّل من كتب عن القهوة في أوروبا هو "جان دي لا روك"، فقد كتب كتاباً علمياً عميقاً عن أصل القهوة في الشرق الأوسط وأوروبا.

ويشير الكاتب إلى أنّ القهوة اقترنت في الثقافة العربية بمضامين روحية ودينية، وبمشاعر ومظاهر تعبّر عن الإيمان والعبادة، والطقس الاجتماعي الديني، وهو ما تجلّى عند الصوفيين الذين أغرموا بها، وعشقوا رائحتها، وأجلّوا رمزيتها، إذ إنّ المتصوّفة رفعوا مقام القهوة إلى منزلة التقديس، وأحاطوها بإطار من العادات والتقاليد والخوارق، وحدّدوا لها شروطاً وآداباً، ونسجوا حولها الكثير من الخرافات والأوهام التي أثرت في الحياة الاجتماعية والتصرفات اليومية حتى يومنا هذا، منها ادعاء علم الغيب والكشف عن المستقبل بقراءة فنجان القهوة، وقولهم أيضاً من مات وفي بطنه شيء من القهوة لم يدخل النار، أو من ضاق بالهم صدره وأصبح من كثر التشاغل في فكره عليه بشرب الصالحين، أو أنها كماء زمزم، ولكن تبقى للقهوة أبعاداً عاطفية ووجدانية وأصبحت جزءاً من حياة الناس.

 

ثم يتوقف الكاتب عند تحريم وتحليل القهوة حيث شهدت على مرّ القرون سجالاً حادّاً وجدلاً كبيراً حولها، بين معارضين ومؤيدين، ذهب الطرف الأول إلى حدّ القول بأنّ القهوة حرام، واعتبارها خمرة مسكرة تذهب بالعقل، ومشروباً يحثّ على الرذيلة، بينما اعتبرها الطرف الثاني بأنّها مشروب طبيعي لا ضرر فيه، ودعا إلى الاستمتاع بها، وجعلها رمزاً من رموز التواصل الاجتماعي.

وقد نقل الكاتب مواقف كثيرة في هذا المجال تعتبر أنه لم يكن للقهوة أن تمرّ بما مرّت به من مخاض التحليل والتحريم وملابسات الفسح والمنع لو أن الذين اهتدوا إلى نبتها وتعرفوا على ما تفرزه من مشروب منحوها اسماً غير الاسم الذي منحوها إياه، لكي يدفعوا عن القهوة ما لحق بها من شبهة أفضت إلى تنزيلها منزلة المسكر كالخمر والمخدر، فقد حملت هذا الاسم فحملت معه أوزاره.

شكّلت مكانة القهوة التي احتلتها في الوسط الشعبي من خلال دورها الكبير في إحداث تغييرات مذهلة في السلوك الاجتماعي، حافزاً مهماً للتأليف والإنتاج الفقهي والأدبي من كتب ومخطوطات ورسائل وفتاوى، منها ما يحتفي بالقهوة ومكانتها، ومنها ما يعدّد فوائدها وخصائصها، ومنها أيضاً ما يتناول عاداتها وتقاليدها، حيث أثرت المكتبة العربية على مدى تاريخ طويل، ومازالت تثري وتولد الأفكار وتؤثر في المشهدين الثقافي والأدبي.

بعد ذلك يتوقف الكاتب عند القهوة العربية في دولة الإمارات التي تعدّ عنواناً للكرم والضيافة والفروسية، وهي عناوين شكّلت أهم العناصر الأساسية في الحضارة العربية، وأحد رموز شخصيتها في كلّ مكان، وقد اتخذت الإمارات من ضيافة القهوة تقليداً وطنياً أصيلاً يشتمل على حفاوة الاستقبال، وحسن الوفادة، والإكرام المميز، إنها عنصر من عناصر التراث الإماراتي الخالد وإحدى أخلاقيات الأجداد النبيلة.

من هنا تكلّلت جهود الإمارات في التعريف بهذا التراث الأصيل والاحتفاء بتاريخه ومكانته، عبر إدراج القهوة العربية في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية باليونسكو في ديسمبر  2015 لتصبح ضمن التراث الإنساني للشعوب.

  

ويستعرض غبريس أيضاً الأدوات التي تستخدم في صنع القهوة وتقديمها حيث يُطلق على اسم "المعاميل"، وهي تختلف بين منطقة وأخرى، وبين بلد وآخر في الوطن العربي، سواء بالاسم، أو الأداة، أو طريقة الاستخدام، وتشتمل على: الموقد، والدلال بأنواعها المختلفة، والمحماس، والفناجين، والنجر، والمبرد، والنقرة، والملقاط، والمبخرة، والبيز، والمركا، والمنفاخ، والتاوة. 

بعد ذلك يلقي غبريس الضوء على (فناجيل) القهوة العربية، مؤكداً أن لكلّ فنجان قهوة حكاية نابعة من التراث الشعبي الأصيل، والمعبّرة عن القيم الاجتماعية والعادات الموروثة، حكاية تجسّد معاني الجود والشهامة والبسالة، ترصد أنماط سلوك وتفكير شعبية سائدة، ففنجان واحد كفيل بأن يصنع المواقف والأحداث، ويختبر العلاقات المؤثرة، ويخفف من مرارة الواقع والتحديات الجسام برشفة أمل دافئة. من الفناجيل: فنجان الهيف، فنجان الضيف، فنجان الكيف، فنجان السيف، فنجان الخطبة، فنجان الثأر، فنجان الأحزان.

ثم يتطرق إلى دواوين القهوة التي عرفت تاريخياً بدورها القبلي ومكانتها الاجتماعية والثقافية، وكانت تستخدم سواء للتسلية، أو الاحتفال، أو التواصل، أو لمناقشة القضايا وحلّ النزاعات، وكان يجتمع فيها الناس من كافة الفئات وطبقات المجتمع، يتقدّمهم بعض الشعراء فينشدون قصائدهم على رائحة القهوة المنبعثة من الدلال وبصحبة صوت الربابة المفعم بعبق الصحراء، ويتوقف الكاتب أيضاً عند بيوت القهوة - المقاهي حيث اكتسبت منذ إنشائها أدوراً مختلفة، منها كفضاء للتواصل والتلاقي، ومنها للتسلية والترفيه، وأخرى كمتنفس ومساحة للحوار والإبداع، وهي ارتبطت بتحولات المدن وتطورها، وبالظروف السياسية التي أحيطت بها، بعضها اقترن بأسماء وشخصيات فكرية وأدبية، والبعض الآخر جسّد الهوية والتراث العربيين، وأصبحت المقاهي منابر لصنع التغيير وإطلاق الثورات، إذ كل مقهى منها يمثّل وحدة سياسية، واقتصادية واجتماعية وإنسانية.

كما يسلط الكتاب الضوء على أهمية القهوة في الشعر الفصيح مستعرضاً مجموعة من القصائد لعدد من الشعراء العرب الذين احتفوا بالقهوة العربية، ونهلوا من مفرداتها العذبة، ووجدوا فيها ملاذاً يسكنون إليها، ويطمئنون بنكهتها ورائحتها، وجعلوها طقساً أساسياً من طقوس القراءة والكتابة. فقد حرّكت القهوة العربية قريحة الشعراء، وصاروا يضمنونها قصائدهم، فأغوتهم رائحتها، واستهوتهم جلستها، وأبهرتهم أدواتها، مستلهمين منها مفردات وصوراً تجسّد المعاني والقيم النبيلة، واستقوا من سيرتها أفكارهم ومواقفهم، ووظفوها في نظمهم وتشبيهاتهم للتعبير عن مشاعرهم وحنينهم وعشقهم بلغة راقية وأسلوب بديع، مؤكدين مكانة القهوة التاريخية ودورها كقوّة تأثير لا تقاوم.

 

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"