27-08-2022 | 16:49

حكاية أمل من تحت الكهف... في فيلم "ثلاث عشرة روحاً"

للكاتب المسرحي سعدالله ونوس كلمة شهيرة "إننا محكومون بالأمل"، وتقول الأسطورة إن زيوس أهدى باندورا صندوقًا ذهبيًا وطلب ألا تفتحه مطلقًا. لكنّ الفضول قتلها مهما أبعدته عن عينيها، وفي غرفتها المعتمة فتحته فخرجت منه مخلوقات شريرة وروائح كريهة أصبحت سبب إصابة الإنسان بالأمراض والشرور. ولهول ما رأت سارعت باندورا بكل قوتها لإغلاق الصندوق على آخر مخلوق: "الأمل". قصص الإنسان- في معظمها- ووعود رجال الدين وأكاذيب الساسة وأحلام الأطفال حين يكبرون وهواجس المرضى والمظاليم في السجن، كلها عن الأمل: بابا نويل المقبل. لا يشذّ فيلم "ثلاث عشرة روحًا" عن الولع بالأمل وتأكيده وتثبيته استنادًا إلى قصة حقيقية شغلت العالم
حكاية أمل من تحت الكهف... في فيلم "ثلاث عشرة روحاً"
Smaller Bigger

للكاتب المسرحي سعدالله ونوس كلمة شهيرة "إننا محكومون بالأمل"، وتقول الأسطورة إن زيوس أهدى باندورا صندوقاً ذهبياً وطلب ألا تفتحه مطلقاً.

 

لكنّ الفضول قتلها مهما أبعدته عن عينيها، وفي غرفتها المعتمة فتحته فخرجت منه مخلوقات شريرة وروائح كريهة أصبحت سبب إصابة الإنسان بالأمراض والشرور. ولهول ما رأت سارعت باندورا بكل قوتها لإغلاق الصندوق على آخر مخلوق: "الأمل".

 

قصص الإنسان- في معظمها- ووعود رجال الدين وأكاذيب الساسة وأحلام الأطفال حين يكبرون وهواجس المرضى والمظاليم في السجن، كلها عن الأمل: بابا نويل المقبل.

 

لا يشذّ فيلم "ثلاث عشرة روحاً" عن الولع بالأمل وتأكيده وتثبيته استناداً إلى قصة حقيقية شغلت العالم بأسره قبل أربع سنوات عندما علق 12 صبياً مع مدربهم في كهف جبلي شمال تايلاند لقرابة ثلاثة أسابيع، وكان الأمل في إنقاذهم "صفراً".

 

حصار

ليست المرة الأولى (ولا الأخيرة) أن تعلق مجموعة بشرية في كهف أو حفرة أو منجم أو مصعد، وسبق للسينما أن عالجت مثل هذه القصص. لدينا جماعة العالقين في مصعد في الفيلم المصري الكوميدي "بين السماء والأرض" (1959) وفيلم "الـ33" (2015)، عن قصة حقيقية لعمّال تشيليين تجاهل صاحب المنجم خطورة الوضع الذي انتهى بانهيار جزء سد عليهم طريق الخروج، وذلم في العام 2010، وشارك في بطولة الفيلم أنطونيو بانديراس وجولييت بينوش، واستقطب الحدث أنظار العالم آنذاك.

إنها حالة حصار، كما يحدث في الحرب، تُعزل سرية خلف خطوط العدو، أو بين العدو والبحر، أو تعزل النيران الضحايا بعيدًا عن المنقذين. ساعتئذ تدرك البشرية ـ بغريزة البقاء ـ أن موت مجموعة منها، هو حكم إعدام للجميع. تقتضي الشجاعة والنبل ألا نستسلم له.

 

وثائقي/ روائي

ما الجديد أو المهم الذي يقدمه المخرج رون هوارد في شريطه الطويل الذي يصل إلى 150 دقيقة؟

هوارد مخرج الفيلم الأشهر "عقل جميل" مولع بالسير والتحديات التي تكشف معدن وصلابة الإنسان، لذلك اشتغاله على القصة مفهوم جداً.

 

يعيبها أن العالم كله تابع تفاصيلها بعناية والنهاية معروفة جدًا للمتفرج من اللحظة الأولى. وحرص هوارد بالفعل على تزمين المقاطع على طريقة الأفلام الوثائقية، والحفاظ على روزنامة الساعات والأيام ال18 والشخصيات الأساسية الفاعلة في الحدث.

 

بمعنى أنه نجح - بامتياز - في إلغاء الخط الفاصل بين الفيلم الوثائقي والروائي، فهو قدم شريطًا يوثق الحادث وتداعياته بأمانة، ويقترب جدًا من "سينما الحقيقة" التي تواجه المرء بحياته كما هي، بعيدًا عن التهويم والتخييل والتنويم. في الوقت نفسه قدم عرضًا مشوقاً مشحوناً بالعواطف والتناقضات، ليجد المتفرج نفسه (رغم علمه بالنهاية) منجذبًا بشدة مع تصاعد الأحداث، وتمتلئ عينيه بالدموع أحياناً.

 

من الناحية التقنية هناك استثمار بالطبع للأرشيف البصري الموثق للحادث، وقد يكون أول حادث إنقاذ توثقه السوشيال ميديا لحظة بلحظة بهذا الاتساع.

يضاف إلى ذلك صعوبة الإضاءة في عتمة الكهف، والتصوير تحت الماء، والاعتماد على كشافات الإنارة في رؤوس الغواصين، ونقل أحاسيس الضيق والذعر والتعب والعواصف وزخات المطر والسيول. أي كان هناك جهد تقني لافت جدًا في تنفيذ الشريط بصريًا وبإيقاع سلسل ومتدفق، ما يجعله أحد أفضل الأفلام في فئته، وحظي بالفعل بتقدير نقدي وجماهيري كبير.

 

شرق وغرب

وقع الحادث في دولة تنتمي إلى الشرق الأقصى، بإرثه السياسي والديني والاجتماعي، وكان أول من وصل إلى الأولاد وتأكد أنهم على قيد الحياة غواصان إنكليزيان ولم يكن بينهم سوى ولد واحد يعرف الإنجليزية فصاح hello.

بحسب الشريط تضافرت جهود خمسة آلاف شخص من 17 دولة في عملية الإنقاذ الطويلة، وهو رقم هائل جدًا، ما بين محترفين ومتطوعين.

كان ثمة حذر في تكريس الصورة النمطية للبطل الأبيض (الأوروبي/ الأميركي) المنقذ، فإلى جانب غواصين أجانب كان هناك من تايلاند ومن القوات البحرية، ولم يصدر أي منهم نفسه باعتباره من يملك الحل السحري، فالكل يقترح ويعمل على أمل، باعتبار أن المحاولة أفضل من لا شيء.

وأهدي الفيلم إلى روح الغواص التايلاندي سامان غونان الذي مات خلال توزيع أنابيب الأوكسجين داخل الكهف، وغواص البحرية بيروت باكبارا الذي مات لاحقاً متأثراً بمشاكل في الرئة بعد انتهاء الإنقاذ.

 

أمام الكهف كان هناك خليط من البشر من الأهالي والجنود والمتطوعين، ووسائل إعلام من الكرة الأرضية كلها، وظهرت سيدة محجبة في لقطة عابرة. والفيلم كله موزع بالتساوي بين فضائين: الكهف، وخارجه.

ما يعني أن البشر جميعاً- شرقاً وغرباً- في حاجة لأن يمدوا يد المساعدة إلى بعضهم بعضًا. ومثلما كانت التكنولوجيا الغربية من مضخات مياه وبدل غوص وأنابيب أوكسجين فعالة جدًا، في أحد المشاهد لجأ مزارع عجوز إلى البامبو ليصنع منه أنبوبًا لتصريف المياه.

أي أن الفيلم تخلص من النظرة الاستعلائية لمصلحة نظرة تضامنية، وهم إنساني مشترك، ورأينا ذلك في تضحية أحد الغواصين وترك والده المصاب بأزمة قلبية (مات الأب مع انتهاء الإنقاذ) وسؤال الطفل الإنجليزي لأبيه ـ عبر الهاتف، عن قدرتهم على إنقاذ الأطفال.

إنه ليس فيلما عن الأنا، ولا الآخر، بل عن الـ"نحن".

 
 

بطل حقيقي

بالمعنى الذي أشرنا إليه يصعب تحديد البطل الحقيقي، هل هم المزارعون الذين وافقوا على تصريف مياه الأمطار من فوق الجبل ناحية أراضيهم حتى لا تغمر الكهف بالكامل، متخلين عن محاصيلهم دون ثمن (الحكومة دفعت لهم تعويضات بعد الإنقاذ)

هل هم مئات المتطوعين الذين قاموا بتصريف المياه ونضحها بالمضخات، حيث تقدر كمية المياه التي تم تحويل مسارها بحوالي 56 مليون جالون؟

هل هما الغواصان الإنكليزيان اللذان نجحا في منح الأمل بعد أن تركا ديارهما وأتيا متطوعين، وكانا أول من أكد بقاء الأطفال على قيد الحياة رغم مرور تسعة أيام؟

هل هو طبيب التخدير الذي اقترح نقل الأطفال وهم مخدرون حتى لا يصابوا بالذعر في بدل الغوص وهم تحت الماء في عتمة الكهف ويموتوا في ظل حالة الإعياء الشديدة؟

هل هي أدعية رجل الدين الذي ظهر في أحد المشاهد بمصاحبة المؤمنين البوذيين وصلواتهم؟ أم إحدى الأمهات التي منحت دعاءها وتعويذة مباركة للغواصين؟

 

هل مدرب الأطفال بطل القصة الحقيقي لأنه نجح في إبقائهم أحياء، لم يموتوا ولم يصابوا بالجنون في عتمة الكهف لثمانية عشر يوماً، معتمداً على الحكايات والتأمل والصلوات الروحية والعيش على قطرات المطر فقط، وبث الأمل.

 

هل الأبطال من اخترعوا لنا أنابيب الأوكسجين وبدل الغوص والمروحيات وسيارات الإسعاف وحقن التخدير؟

إن كل جهد بشري- مهما بدا بسيطًا- من أجل الآخرين، هو جهد عظيم للإنسانية جميعها. جهد يتجاوز إشكالية العلم والإيمان، ويجعل الإنسان يحقق معجزات عصية على الفهم.

 

أدى الشخصيتان الرئيسيتان ممثلان قديران هما فيغو مورتنسون "ريك" وكولين فاريل "جون" وعبرا عن هذين الحدسين، فالأول مادي وعقلاني جداً وصلب، والآخر عاطفي لديه ذلك الحدس الإيماني. كلاهما ضحى بنفسه من أجل أطفال لا يمتون لهما بصلة، لكن كل منهما أتى من طريق ووعي مختلف. وتحقق لهما ما يبدو عصياً على التصديق بحسابات العلم والإيمان معاً. تحقق بإخلاص الجهد، وعظمة الأمل.

 

إن قوة الفيلم لا تنبع من إخبارنا بما حصل (لأننا نعلمه علم اليقين) وإنما في كيفية الحصول، وتضفير التفاصيل كلها في لوحة درامية ثرية لا تخلو من إشارات مهمة، منها الإشارة إلى أن المدرب وثلاثة أطفال عديمو الجنسية (مثل البدون في بعض البلدان العربية) وتم منحهم الجنسية بالطبع.

 

المفارقة اللاذعة أن البشرية التي اجتمع منها خمسة آلاف إنسان لإنقاذ اثني عشر صبياً (ومدربهم) هي نفسها التي يقرر منها بضعة أفراد حروبًا تُفني ملايين الشباب، وهي نفسها البشرية التي تتحكم فيها قلة متسيدة لتسرق وتستبعد شعوبًا دون أن تبالي بأرواح أحد.

يختتم الفيلم بمشهد من عيد ميلاد أحد الأطفال، كأنه يخبرنا: النبل الحقيقي أن تشارك في إنقاذ روح على هذا الكوكب.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.