هل لمسافة 200 متر أن تفصل رجلاً عن زوجته، هو في بيت مع أمه، بينما هي مع أولاده في بيت آخر، ويتطلب وصوله إليهم ما يستغرقه عبور 200 كيلومتر؟ وهل لوصوله إلى المستشفى إن تعرض ابن هذا الرجل إلى حادث مهمة مستحيلة، تستجلب عوائق ومخاطر كثيرة؟ هذه أسئلة يستدعيها فيلم المخرج الفلسطيني أمين نايفه في أولى تجاربه الإخراجية الروائية الطويلة "200 متر"، والذي عرض في قسم "أيام فينيسيا" في الدورة الأخيرة من مهرجان فينيسيا السينمائي التي انتهت في 12 أيلول (سبتمبر) الجاري.
وفي الإجابة عن هذه الأسئلة ما تأسست عليه قصة الفيلم، وسرده الذي يتمحور حول مصطفى (علي سليمان)، والذي نعيش معه في مفتتح الفيلم تفاصيل حياته اليومية التي تبدو كما حياة أي إنسان في هذا العالم: استيقاظه صباحاً، صخب أولاده المحبب، وزوجته سلوى (لانا زريق)، وحديثهما عن تسجيل ابنهما في مخيم صيفي في حيفا، واعتراضه على ذلك، ثم أمه التي يعاتبها على إغداق الطعام على ابنته التي يخشى عليها من السمنة، ومن ثم مغادرة زوجته وأولاده مسرعين قبل أن يغلق الحاجز، وحديثه مع أبو نضال (غسان عباس) عن العمل وإصدار تصريح.

يقدم لنا الفيلم ما تقدم كما في حياة طبيعية، فقد يكون مصطفى في زيارة لأمه، أو أن عائلته قررت أن تسافر إلى مكان ما بينما فضّل هو البقاء مع والدته، أو أي شيء مما له أن يكون عادياً في حياة أي إنسان! لكن كل ذلك سيتغير كلياً مع حلول المساء، ونحن نشاهد في مشهد واحد ليلي، مصطفى وهو يحادث ابنتيه على الهاتف وهو واقف على شرفة بيته التي تطل على جدار الفصل العنصري، فإذا به يمضي إلى إنارة ضوئها وإطفائه أكثر من مرة، وخلف الجدار، شرفة مقابلة تبادله إنارة الضوء وإطفائه، والابنتين مبتهجتين على الهاتف.
هذا هو منطلق الصراع الدرامي للفيلم، إنه كامن في ذلك الجدار المترامي، حيث مصطفى يعيش في طولكرم، وعائلته في إسرائيل، هو لا يملك هوية إسرائيلية، وللدقة رفضها، بينما تحملها زوجته، وليبدو جلياً أن هذه الأخيرة، تجدّ وتعمل ساعية إلى توفير أفضل حياة لأولادها، وكلها قناعة بأنها متواجدة في الجهة الثانية للجدار، المحرم دخولها على الفلسطينين ما لم ينالوا تصريحاً من سلطات الاحتلال أو اللجوء إلى دخولها تهريباً، وليلتقوا جميعاً مع مصطفى بكونهم تحت وطأة ظروف اقتصادية قاهرة، في ظل انعدام فرص العمل في الضفة والقطاع، ومنفذهم الوحيد هي إسرائيل التي تحصي عليهم أنفاسهم، الأمر الذي سنتعرف إليه في رحلة عبور مصطفى الأولى إلى الطرف الآخر من الجدار، وقد دبّر له أبو نضال تصريح دخول ليعمل معه في ورش البناء، وبالتالي تمضية بعض الوقت مع عائلته.

في اليوم التالي لدخوله الأول، يحدث إشكال متصل بتجديد بطاقته عند بوابة الجحيم الإسرائيلية، فيمنع من الدخول، ويعجز أبو نضال أو غيره في استدراك الأمر طالما أنه يوم عطلة، وفي هذه الأثناء يتلقى اتصالاً من زوجته تخبره فيه أن ابنه تعرض لحادث، وحينها يضطر مصطفى إلى خوض غمار الدخول إلى إسرائيل تهريباً، وهنا ينفتح الفيلم على مستوى آخر من الصراع الدرامي، ويتحول إلى فيلم طريق، وتدخل شخصيات جديدة ترافق مصطفى في رحلته، والتي تضيء أكثر على واقع الحياة الفلسطينية، وتأخذ رحلة مصطفى إلى صعاب ومتاعب كثيرة، بخاصة رفقة المخرجة التي يفترض أنها ألمانية جاءت فلسطين لتصور فيلم عن معاناة شعبها.
كل ما في فيلم نايفه مصاغ بعناية وانسيابية، وهو ناجح تماماً في "خلق جمالية لا تنفصل عن الواقع"، كما لأندريه بازان أن يرى الفن الواقعي، فدرامية الفيلم تأتي مما يفترض أنه حياة عادية، حياته كزوج وأب، محب وعطوف، وحقه بالعمل والعيش الكريم، مثله مثل أي إنسان على سطح هذا الكوكب، لكن هذا السعي الطبيعي سيشكّل بؤرة درامية ومنبعاً للصراع، لأنه يعيش حياة غير طبيعية في ظل احتلال حوّل الحيز الجغرافي الذي يعيش فيه إلى سجن كبير، وسبب هذه الحياة غير الطبيعية متأتية ظروف خارجة عن إرادته، ظروف سياسة تفضي إلى واقع اجتماعي واقتصادي لعين، وذل يومي، وسلسة طويلة من الممارسات والإجراءات المرتبطة بالاحتلال، التي جعلت منه يعيش في بيت وعائلته في بيت آخر.

تشكّل مسافة الـ 200 متر التي شكّلت عنوان الفيلم، مفارقة قادرة أن تكون الحامل البصري (عبر تبادل إنارة الأضواء) للفيلم، وصولاً إلى نهاية الفيلم التي تقول لنا إن شيئاً لم يتغير، كما تشكّل هذه المسافة مجازاً يختزل واقعاً يدفع للرثاء والسخرية، إلا أن الفيلم يستبعد الأولى تماماً، ويستدعي الثانية، لكونها الأداة الوحيدة المتاحة في هكذا واقع، ما لم نرثيه، فما من سبيل لمواصلة الحياة فيه ما لم نسخر منه.
نبض