"توك توك" ينقل أزمة الغارمات بلغةٍ سينمائية واقعية
منذ عرضه الأول، عالمياً، في مهرجان كليرمون فيران الفرنسي، حقّق الفيلم القصير "توك توك" اهتمامًا لافتاً، قبل أن يشارك في مهرجانات دولية ويفوز بجائزة "مهرجان فيينا" و"مهرجان البحرين" والجائزة الفضية كأفضل فيلم في "مهرجان الإسكندرية للأفلام القصيرة"، إضافة إلى تنويه خاص في "مهرجان مالمو" في السويد.
"توك توك" (إخراج محمد خضر) هو عمل مستوحى من أحداث حقيقية أضفت إلى العمل إحساسًا واقعيًا يُكرّس هذا التماهي بين السينما والحياة، عبر الانفتاح على قضايا المهمشين في المجتمع المصري.
يحكي الفيلم قصة ولاء، وهي سيدة ثلاثينية من طبقة فقيرة مهمشة تسكن العشوائيات تعول أسرتها وأمها المريضة وأخيها القعيد، وتحاول جاهدة الحفاظ على زيجتها المهتزّة من زوج غير مسؤول، تشده نزواته الى هجرة غير شرعية ليلحق بفتاة أجنبية في إيطاليا. يتوهم هذا الزوج أن الهروب من الواقع القاسي سيمنحه حياة رغدة يتمناها، فيهجر الأسرة فعليًا، غير مبال تماماً بواجباته، تاركاً خلفه زوجته مع طفليه.
تواجه ولاء هذا المصير المريع وحدها في مجتمع يقوده فكر ذكوري عقيم بعدم قدرة المرأة على العمل ومواجهة مصاعب الحياة، لكنّ ولاء تثبت عكس ذلك بجدارة عندما تتحدي تلك الأعراف البالية.

تحديات امرأة
تشتري ولاء "توك توك" وتبدأ عملها كسائقه كي تأتي بقوت عائلتها وتسدد وصولات الأمانة التي أخذها عليها صاحب التوك توك كي تتمكن من شرائه. يتخلى الزوج عن أسرته وتتخلى عنه الحياة بأكملها، فيغرق كما هو حال الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين.
وبرغم تكالب الصعاب تنجح ولاء في كل التحديات وتبدأ في السداد والتعايش والتأقلم، لكنها تتعرض لمضايقات من "سيد"، سائق توك توك في الحارة، بسبب عدم استجابتها للخضوع إليه، فيصرّ على إهانتها كأنثى بالتعدي عليها مراراً، وإهانة انسانيتها أيضاً عبر حرمانها من الإحساس بالأمان بحيث يفتعل حريقًا في مصدر رزقها الوحيد "التوك توك".
هكذا تجد ولاء نفسها أمام مصير مظلم ومجهول خلف قضبان السجن، وتصير من الغارمات لتضيع الأسرة بأكملها في ظل دائرة مفرغة من الظلم والصمت المجتمعي.
في هذا الفيلم الملهم، يأخذنا المخرج محمد خضر في أولى تجاربه السينمائية، الذي شارك في كتابته مع الكاتب شريف عبد الهادي ليصوغا معاً لغةً واقعية مقتبسة من مفردات التعبير الحياتية، كما أنّ لهجة الابطال تحاكي التفاصيل المعيشية الحقيقية.
واللافت أنّ بعض المشاهد تتخللها خفة ظلّ ملموسة، ومشاهد طريفة تُبعد عنه قتامة الميلودراما، واستسهال السوداوية المطلقة أو استجداء مشاعر المشاهد وعواطفه. ورغم سلاسة السرد وبساطته، فإنه قادر على لمس المشاهد وشحذ تعاطفه من دون جهد واضح.

فازت بطلة الفيلم إلهام وجدي بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان فيينا، وهي جائزة مستحقة فعلاً. وعلى رغم أنّ هذه هي أولى تجاربها التمثيلية، أتقنت البطلة استخدام أدواتها الشعورية الداخلية المتناقضة بين فرض قوتها كإمراه تتحدي صعاب الحياة ومعاناتها المستمرة في الصمود وبين إحساسها الأنثوي، كونها امرأة جميلة ترفض التخلي عن هويتها.
وتجلّى هذا الأداء في مشهد تمثيلي صامت، جميل، ومعبّر، وهو عندما واجهت ذاتها أمام المرآة لترقص وتحتفي بجمالها، وتتباهي بقوتها في الصمود.
الملامح الشكلية للبطلة ساعدت جدًا في نقل هذا التضاد الشعوري ولكن التأثير كاد يكون أغني لو استخدم مكياج أكثر واقعية ليحاكي شكل امرأة جميلة قوية وإنما تبدو عليها أثار الاضطهاد والانهاك والظلم المستمرّ.
من أبرز عوامل الفيلم موسيقي الفنان سيف الدين هلال حيث لعبت دور مؤثراً في جميع المشاهد. كما أنّ اختيار الممثلين، سواء في الأدوار الرئيسة والفرعية والصامتة، جاء متقنًا شكلاً وأداءً، وخصوصاً دور أم ولاء الذي جسدته الممثلة ماري جرجس، بحيث لعبت دور الأم الخمسينية المريضة المنهكة بجسدها وتعبيرات وجهها وصوتها الخافت في حمل حوارية قليلة.
العمل من تصوير ومونتاج المخرج محمد خضر. ورغم ان أماكن التصوير لم تتجاوز بيت الأسرة والحارة، لكنّ حركة الكاميرا في تلك الأماكن الضيقة والمحدودة أضفت شعوراً بالضغط والمعاناة المستمرّة، وهي سمة هذا العمل.
كما نجح المونتاج في نقل هذا النبض اللاهث المتعب في ثبات، ما يعيد أهمية سينما المخرج المتحكم بجميع أدواته والقادر على أن ينقل الى المشاهد حالة شعورية متكاملة، بكل سلاسة.
ينتمي الفيلم بشكل أكبر لفئة الأفلام الروائية من حيث الزمن والمضمون لما فيه من تعدد الخطوط الدرامية واختلاف الصراعات على خلاف فكرة الأفلام القصيرة التي تتبني لحظة شعورية واحدة ويعكسها من خلال عوامل الفيلم.
الفيلم تجربة أولى لمعظم عناصر العمل من إنتاج لشيرين علاء ورامي يعقوب والمخرج محمد خضر وأداء ملفت للوجه الجديد عمر راشد في دور سيد، عدا الممثل المخضرم أشرف مهدي الذي قدم أداء متزن ناضج للزوج المحبط عديم المسئولية والممثل محمد خميس مقدماً دور الشر دون افتعال.
توك توك سينما تحريضية مؤثرة دون افتعال، تحرّك المياه الراكدة في المجتمع وتشير الى فئات مهمشة لتحدث من ثمّ صرخة أمل حقيقية في واقع يعاني منه الكثير.
نبض