إن كان لك أن تحظى بصنع منتج يلقى رواجاً، فإن ذلك أول طريق النجاح، وله أن يكون نجاحاً محققاً إن قسنا ذلك بمقاييس الحلم الأميركي، الحافل بقصص نجاح تكافؤ الفرد وموهبته واجتهاده ومثابرته، إذ تهبط الثروة على المتحلي بتلك الخصال، ويتوالى النجاح تلو الآخر، كما لكتب وأفلام السير الذاتية أن تروي وتوثق! لكن في فيلم المخرجة الأميركية كيلي ريتشارد "أول بقرة" First Cow (المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي 2020) يغدو الأمر مختلفاً تماماً، وهي تعود إلى عام 1820، وبدايات تشكّل الحلم الأميركي الذي ستضعه أمام صخرة الواقع الكفيلة بتحطيم مئات آلاف الأحلام، مستخلصة واحداً منها، لنشهد على تحطمه.

طبعاً لمن يعرف سينما ريتشارد سيقول هذا دأبها وتلك هي عوالمها، هي التي تقدّم سينما أميركية مستقلة ترصد فيها ملامح من حيوات أناس عاديين، متخذة من الواقع الأميركي المعاصر معبراً نحو تقديم مصائر عابرة لبشر عابرين لا تثير قصصهم عادة اهتمام أحد، كما هو فيلم "فرح قديم" 2006 الذي يرتكز على محاولات صديقين استعادة فرحهما القديم بذهابهما سوية إلى التخييم في غابة، بعدما مضى كل في سبيله في الحياة، الأمر الذي يبدو متعثراً! فهناك دائماً من توقف لديه الزمن وآخر مضى سريعاً وبعيداً متسبباً بمتغيرات كثيرة تعوق إحياء فرح بات قديماً.
في فيلم "ويندي ولوسي" 2008 يقع حدث يُفترض أنه عابر يتمثل باكتشاف سرقة ويندي طعاماً لكلبتها لوسي، وعليه تمضي بضع ساعات في مركز الشرطة، ولتكتشف حين خروجها منه اختفاء لوسي، وليصبح كل ما تسعى إليه ويندي هو العثور على كلبتها المفقودة وإصلاح سيارتها في بلدة توقفت فيها وهي في طريقها لإيجاد فرصة عمل في ألاسكا. وحين تعود ريتشارد إلى تاريخ أميركا في فيلم "تقاطعات ميك" 2010، فإنها تضعنا حيال مهاجرين جدد قدموا الى أرض الأحلام عام 1845. نتعرف إليهم تائهين في صحراء أوريغون، لأن مرشدهم ميك نفسه يكون تائهاً، يدّعي أنه يعرف الطريق وهو لا يعرفه، إلى أن يخرج عليهم هندي أحمر، ويمسي الوحيد الذي يستحق أن يُتبع، كما لإحدى نساء المجموعة أن تضع كل ثقتها به، وهي تحميه من سعي ميك إلى قتله أكثر من مرة، فميك مهاجر مثله مثل من يتبعونه، أما الهندي فهو ابن تلك الأرض، ويستحق مصيراً غير القتل.
يمكن اعتبار "أول بقرة" بعد "تقاطعات ميك" ثاني فيلم لريتشارد تقارب فيه ماضي المجتمع الأميركي وهو في طور التشكل، وفيه ما فيه من عناصر أفلامها، واتسامها بالتقليلية " المينيماليزم"، وحمله ملامح من فيلم طريق في قسمه الأول، الصفة التي تنطبق على معظم منتوجها السينمائي، وصولاً إلى اتخاذها شخصيتين رئيستين سرعان ما تجمعهما صداقة متينة وعميقة وجميلة، ففيلم "أول بقرة" بشكل أو بآخر عن الصداقة، فهو يطالعنا أولاً بهذا الاقتباس من قصيدة "أمثال جهنم" للشاعر الإنكليزي وليم بليك "للطير عش،
وللعنكبوت شبكة، وللإنسان الصداقة".
وللعنكبوت شبكة، وللإنسان الصداقة".تُنسج هذه الصداقة بين كوكي (روبرت ماغارو) وكينغ لوو (أوريون لي) على الطريق، فالأول ليس إلا طبّاخاً، تقتصر مهمته على توفير الطعام وطهوه لمجموعة من الصيادين الرحالة، وهم يلاحقون حيوان السمور، ليحظوا بفرائه الذي يتربع على عرش الموضة في باريس، بينما يكون لوو رحالة صينياً زار بقاعاً شتى في العالم ومن ثم قصد إلى بلاد الفرص أميركا. يعثر كوكي أثناء رحلته تلك على لوو عارياً ومطارداً من مجموعة من الصيادين الروس، فيكسوه ويطعمه ويخبئه، ويذهب كل في طريقه، وليلتقيا لاحقاً ويتشاركا السكن والفقر والأحلام، وحين يعدّ كوكي في يوم من الأيام كعكاً، يكتشف لوو موهبة كوكي في تحضيره، وليؤكد له الأخير أنه بحاجة للحليب ليتمكن من صنع كعك يعتد به، وما من بقرة في كل البقعة التي يقيمان فيها سوى تلك التي أحضرها أخيراً الحاكم الإنكليزي توبي جونز لرغبته في شرب الشاي مع الحليب.
وهكذا ينطلق مشروع كوكي ولوو، إذ يتعاونان في حلب بقرة الحاكم في كل ليلة، ويعد كوكي الكعك الذي يلقى رواجاً منقطع النظير، وعليه تتزايد أرباحهما، ويصحو حلم كوكي بإقامة فندق، ونحو ذلك من أمنيات، وصولاً إلى إعجاب الحاكم بذلك الكعك، وطلبه من كوكي أن يعدّ له كعكة خاصة يقدمها لضابط إنكليزي مهم يكون في صدد زيارته، وليصنع كل ذلك من الحليب الذي يسرق في كل ليلة، والحاكم غافل تماماً عن ذلك، لأنه "من القوة والسلطة بحيث لن يتبادر إلى ذهنه أننا نقوم بذلك"، كما يقول كوكي.
كل ما في فيلم "أول بقرة" (كتبته ريتشارد مع جوناثان ريموند، شريكها في الكتابة في خمسة من أفلامها)، هو حول توحش رأسمال معولم منذ تلك الحقبة، فالسمور يُقتل في أميركا وتخاض من أجله صراعات كثيرة يقرر من خلالها مصير مجاميع من البشر، وكل ذلك كرمى لمواكبة السيدات الباريسيات الموضة. وبالعودة إلى الحديث عن الحلم الذي بدأت به، فإن إمكان تحقيقه ممكن إن توافرت الموارد، الحليب في فيلمنا، لكن ثمة بقرة واحدة، ويملكها صاحب النفوذ الأكبر، ولا مجال للكسب والحلم إلا بسرقة حليبها، لكن ماذا سيكون العقاب لو اكتشف الأمر؟ أين ستصبح أرباح كوكي ولوو وأحلامهما؟
نبض