أنتجت نتفلكس 17 فيلماً تحت عنوان "صناعة منزلية" Homemade، صوّرت جميعها بين شهري أبريل/ نيسان ومايو/ آيار 2020، إبان تسيّد الخواء شتى بقاع الأرض، حيث حُجر البشر في منازلهم وأخليت كبريات المدن حول العالم عقب اجتياح فيروس غامض لم يكن يُعرف عنه سوى اسمه وحدّته، وما عدا ذلك ظلّ عرضة للتكهنات. تأتي هذه الأفلام لتوثق اذاً تلك الفترة، وتقارب فيلم خيال علمي عاشته البشرية وقد تجسد واقعاً ما زال حاضراً وماثلاً.
تتنوع مقاربة الأفلام لنمط العيش الذي فرضته جائحة كورونا، بتنوع المخرجين، وقد صوّرت جميعاً في مراعاة تامة لشروط الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي مثلما يرد مع نهاية كل فيلم، وهذا الشرط يبدو إعجازياً على صعيد صناعة الأفلام، وبالتالي كانت أغلبها لا تخرج عن نطاق البيت.
هي أفلام قصيرة تترواح مدتها بين 7 إلى 11 دقيقة، منها ما هو شخصي أو توثيقي، ومنها الروائي الذي ينسج قصة خيالية مستمدة من الظروف المستجدة في حياة الناس، وصولاً إلى ما يدفع بالخيال إلى مستويات كارثية أعلى.
![]()
اعتمد عدد من الأفلام على وسائط شكّلت أثناء الحجر الوسائل الوحيدة المتاحة للتواصل بين البشر، كأن نشاهد فيلماً تجري كل أحداثه من خلال الرسائل النصية، أو عبر مكالمات الفيديو، ومنها ما استخدم طائرة "الدرون" ليخرج من نطاق البيت إلى الخارج، بينما صوّر آخر بكاميرا الهاتف النقّال، مستخدماً مجسمات من تلك التي توضع على الأرفف أو الفترينات.
ولعل تلك الأفلام التي وظفت تلك الوسائط هي أكثر ما يستوقف المشاهد، لكونها حولت ببراعة أدوات تواصلنا اليومي إلى أدوات سردية، وجعلتها حاملةً لقصة متخيلة ومستوحاة من أجواء الحجر الصحي، كما فعل المخرج الإيطالي باولو سورنتينو صاحب "الجمال العظيم"، وهو يقدّم قصة تدور حول زيارة ملكة بريطانيا إليزابيث لبابا الفاتيكان، وأثناء تلك الزيارة يحدث الإغلاق التام، فتبقى الملكة بضيافة البابا لشهر. وفي الواقع، هما ليسا سوى مجسمين بحجم قبضة يد، صوّرهما سورنتينو بكاميرا هاتفه النقّال، وهما يتجولان في بيته، فتصبح طاولة السفرة قاعة هائلة في الفاتيكان، ويخرجان إلى الحديقة فنجدهما واقفين في أصيص، وحين يقررا أن يسبحا يتحول حوض الجلي في المطبخ إلى بركة سباحة. ويجمع الإثنان حوار طريف ومُصاغ بعناية بالغة. فالملكة لا تعرف أن تعد فنجان شاي، بينما يكون البابا يعرف شيئاً واحداً وهو الرقص، ليعلّق البابا على ذلك بالقول: "ما أنا وأنت سوى رمزين لا يعرفان أن يصنعا شيئاً"... وحين يتكلما عن الإغلاق تقول الملكة إنها تعيش هذا الإغلاق منذ 94 سنة، فيخلص البابا إلى أن العالم بهذا الإغلاق يتعلم كيف يكون مسلوب الحرية، فتجيب الملكة "الحبس حالة روحية"، ثم ينتهي الفيلم وهما يطلاّن على روما، وهي "جميلة وخاوية وكئيبة" بحسب تعبير البابا، فتضيف الملكة "مثلنا".
![]()
أمّا المخرج التشيلي بابلو لارين (وهو أحد منتجي وأصحاب فكرة الفيلم بمجمله)، فيقدّم فيلمه كاملاً من خلال محادثة فيديو بين رجل عجوز مقيم في دار للمسنين في سانتياغو، يبدو أنه أصيب بكورونا، مع حبيبة سابقة في بوينس أيريس، وهو يبثها شتى صنوف الغزل، بادئاً بالعاطفي وأنه أسمى إحدى بناته باميلا على اسمها، ليتمكن من مناداتها على الدوام، وصولاً إلى الحسي، وهو يحدثها عن رائحتها التي لم تفارقه وأنه يريد "تمرير لسانه على كل تجعيدة في تجاعيدها "، بينما تتلقى باميلا كل ذلك بحيادية مطلقة. وحين يطلب منها المجيء لكي تنقذه أو تتيح له ميتة سعيدة على الأقل. قد يبدو الفيلم للوهلة الأولى كئيباً ومأسوياً، لكنه ينتقل فجأة إلى مفارقة كوميدية. ذلك حين باميلا تسأله عن عدد النساء اللاتي قال لهن الكلام نفسه، هو الذي هجرها منذ أكثر من ثلاثين سنة، لتتوالى محادثاته الأخرى مع نساء كثيرات وهو يقول لهن الكلام ذاته، وكلهن حانقات عليه، لا بل إن واحدة منهن تقول له إن هذا الفيروس ظهر ليصيب أناساً مثله، وقد تبدّى ماضيه بوصفه زير نساء وعاشقاً ارتكب مجازر عاطفية بحبيباته.
وتسرد المخرجة الزومبية راغانو نيون فيلمها عبر رسائل نصية بين زوجين منفصلين إلا أنهما محبوسين في شقتهم الضيقة، وكلّ ما نراه على الشاشة هو نصوص المحادثات بينهما وبين أصدقاء كل واحد منهما على حدة، بينما يوظف المالي لادج لي (صاحب فيلم البؤساء 2019) "الدرون" ليسلط الضوء على تزايد الضائقة الاقتصادية على سكان ضاحية باريسية يسكنها المهاجرين العرب والأفارقة. واكتفت أفلام أخرى بالتوثيق (من دون التقليل من أهمية ذلك)، إلا أن منها ما أتى باهتاً جراء استسلامه للوصفي والشخصي، كما هو الحال مع المصورة الأميركية راشيل ماريسون والهندية البريطانية غريندر شادها صاحبة "اركلها كما بيكهام" والممثلة الأميركية كريستن ستيوارت (لكن يمكن استثناء الأخيرة إذ حسبها أنها تشاركنا أرقها ووحدتها بكل ما تحتكم عليه من جمال وتميز)، وليشمل الاستثناء أيضاً الصيني جوني ما وهو يضعنا حيال فيلم وجداني فائق الرقة والشاعرية وهو يوجه رسالة الى أمه من خلال عمله. بينما أضافت الممثلة الأميركية ماغي غيلنهال في فيلمها على الواقع الخيالي الذي عشناه- ونعيشه- مزيداً من الخيال حيث الوباء بات يهدد الغلاف الجوي للقمر، وعدد الوفيات وصل إلى 500 مليون، ونحو ذلك من سيناريو أشد كارثية. وفي استكمالٍ لكل الأنماط "الفيلمية"، يقدم المخرج سبستيان ليليو فيلماً غنائياً راقصاً عبر مغنية وراقصة تروي علينا ما حصل غناء ورقصاً محولة البيت إلى مسرح.
ختاماً، يأتي آخر الأفلام بتوقيع آنا أميربور، حيث نجد امرأة أن تتجول على دراجة في كاليفورنيا، وصولاً إلى "هوليوود بوليفارد"، برفقة صوت كيت بلانشيت، ونحن نتابع خواء الشوارع، والأمكنة الشهيرة جميعها مغلقة، ولتخلص بلانشيت إلى القول: "إن الفن هو أن تفرض منظوراً جديداً لشيء مألوف"، ولتدعونا في نهاية الفيلم إلى مقاربة الحاصل بمنظور جديد، وإعادة تعريف حياتنا وفقاً لذلك.
نبض