فيلم "أرض الرُحل"... في فناء العوالم والحدود
يقال إن أفضل بداية درامية تكون من نقطة هجوم قوية. وهل أقوى من لحظةِ موت أو نفيٍ أو حتى اختفاء تام لاستهلال فيلمٍ ما؟
يبدأ فيلم "أرض الرُحّل" لمخرجته وكاتبته ومنتجته كلوي تشاو، بزوال الرقم البريدي من خريطة الولايات المتحدة لبلدة "إمباير" التي اشتهرت بصناعة ألواح الجصّ. إنّها صناعة تنتهي في بلدة تتلاشى من الوجود ويرتحل عنها أهلها لتصير بقايا بيوتٍ خاوية.
لكنّ فيرن، بعدما مات زوجها وهجرت بلدتها، تقابل العالم وتستكشفه بسيارتها عبر رحلة برية بطول الولايات المتحدة، وتستعين على مواجهة الحياة بالعمل بدوام جزئي، وبشكل موسمي في أماكن عدة من البلاد؛ في متاجر أمازون وفي حصاد البطاطس أو في متنزّه لتخييم السيارات الرحّالة، في حين ترفض أن تبيع سيارتها/ منزلها، رغم تكلفة الصيانة المرتفعة.
تبدو فيرن كسلحفاة تمشي بصدفتها فوق ظهرها، أو حلزون يسير بقوقعته ولكن بسرعة شديدة على طرق الهاي واي في أميركا. وخلال رحلتها، تعكس البطلة ما يمرّ به المجتمع الأميركي من عدم استقرار بعد أزمة الرهان العقاري الإقتصادية واضطرار الكثيرين للعمل في سنٍ متقدمة، حتى أنها تجيب على موظفة مكتب الشؤون الإجتماعية عن أيّ الوظائف تناسبها قائلةً بحسم: "أحب أن أعمل".
ومن خلال لقاءٍ غير مدبّر مع جيرانها القدامى، نتعرف على وظيفة فيرن السابقة في بلدتها المعدومة حيث كانت تعمل معلمة للأطفال، وحين تخبرها تلميذتها القديمة: "أمي تقول إنك مشردة... بلا بيت"، لتصحح لها فيرن عبارتها بالقول: "لست مشردة بلا بيت... أنا فقط بلا منزل"، لتترك المشاهد بعدها غارقًا في التفكير حول ماهية الكلمتين Home & House.

لا صلة تجمع فيرن بالبيت إلا من خلال صور فوتوغرافيا وبعض أطباق ورثتها عن أبيها الذي أهداها إيّاها بمناسبة نجاحها. تبدو صور العائلة حين كانت طفلة غريبة على من احترفت الفرار، وكأنّ الذاكرة هي بيت "فيرن" الذي هجرته. وحتى عندما يتسنى لها عرض بالاستقرار تحت سقف واحد مع صديق لها في بيت ابنه الصيفي، فإنها تتأمل المنزل ليلاً وبقايا ساكنيه وتتلمس أثاثه ومدفأته قبل أن تخرج في جنح الظلام ودونما وداع.
ولكن، قد نرى أنّ ثمّة أبعادًا مادية أخرى للمنزل، بخلاف الحنين الذي قد تواجهه فيرن. هناك أبعاد إقتصادية وترتيبات مالية يخبرنا بها زوج أختها سمسار العقارات الثري (حين تستدين منهم تكاليف صيانة سيارتها)، وهو يرى أن الاستثمار العقاري هو أفضل الإستثمارات، ويتعجب ممن يتركون بيوتهم ويهيمون على وجوههم في تلميح لخيار "فيرن" التي تذكِّـره بأنها أُضطرت اليه الخيار بعد تلاشي عالمها وبلدتها من الوجود، وصارت صناعة ألواح الجص استثمارًا فاشلا من وجهة نظرة المجتمع الرأسمالي.

من جانب آخر، يدعم الفيلم هذه الرؤية عبر قصص الأشخاص الذين تقابلهم فيرن، ويوفّر لهم الفيلم وقتًا أكثر من كافٍ لرواية قصصهم من اضطرارهم للعيش في مقطورات أو العمل بدوام جزئي لمدة عشر ساعات يوميًا في مسح الرموز الشريطية وتغليف منتجات شركة أمازون التي توفر لهم مكانا كبيرًا يُستخدم مثل "كراج" لمقطوراتهم حيث تستعين بهم في مواسم الأعياد فقط.
في الفيلم نرى فيرن تُشعِل لعبة نارية في يدها وترتدي زينة على رأسها وتقوم بإلقاء تحياتها على زملاء المقطورات، مهنئة إياهم بأعياد الميلاد المجيدة.
وفي ظلّ ارتحالها المستمرّ بين المدن، تحاول فيرن مواجهة واقعها مستعينةً بفيديوهات لبوب ويلز اليوتيوبر الذي يظهر بشخصيته الحقيقية مقدمًا خبرته في العيش في سيارات، حيث يقيم معسكرات تدريبية وجلسات تعريفية بهذا النمط من العيش.
وفي هذه التجمعات، تتعرّف فيرن على أصدقاء جدد وتزور معهم معرض لحافلات فارهة وتبدو أقرب إلى الشقق الفخمة، وإن كانت على عجلات مقارنة بسيارتهم المتهالكة. وخلال هذه المعسكرات تتلقى فيرن الإرشاد الصوفي حين تقابل مرشدين روحيين وأرباب "طرق الترحال" الذين يؤكدون لها أنهم باختيارهم العيش في سيارة، فإنّ صلاتهم زادت بأمهم الأرض وصاروا أكثر إنصاتا للوجود.
ونرى منهم من اختار الهيام والترحال بقصد ووعي منه دون اضطرار اقتصادي كما غالبيتهم. الفيلم الذي يقوم ببطولته كل من "فرانسيس مكدورماند" و"ديفيد ستراثيرن" يستعين بشخصيات واقعية تقوم بأداء أدوارهم الحقيقية في الحياة بالفعل، أمثال الرُحَّـل "ليندا ماي" و"تشارلين سوانكي" واللتين تنشأ بينهما وبين "فيرن" صداقات وتقدمان لها فرص وإرشادات البقاء على الطريق.
الفيلم مأخوذ عن كتاب جيسيكا برودر، بعنوان Nomadland: Surviving America in the Twenty-First Century، الذي يتتبع بشكل ريبورتاجي نماذج من المسنين الأميركيين ممن يعيشون مضطرين في المقطورات والشاحنات الصغيرة ويبحثون عن أعمال موسمية غير دائمة بعد تأثرهم بالركود الاقتصادي منذ 2008.
أمّا المرتحلة ليندا ماي، التي تظهر في الفيلم بشخصيتها الحقيقية والتي كانت موضوع مقال الكاتبة نفسها بعنوان "نهاية التقاعد: عندما لا يمكنك تحمل تكاليف التوقف عن العمل". أمور كثيرة تقولها ليندا ماي في الفيلم، بما في ذلك قصة كيف كادت أن تقتل نفسها عندما وجدت نفسها وحيدة في يوم عيد الشكر في مقطورتها ولم تتوقف إلاّ عندما فكرت في إيذاء كلابها، هي قصص من حياتها الحقيقية، وجاءت على لسانها في الفيلم، ممّا يشير إلى إعادة سرد التجربة الحياتية وتجسيدها على الشريط الفيلمي بالشخصيات نفسها؛ تمامًا كما فعلها روبرت فلاهرتي، رائد الفن التسجيلي في فيلمه "نانوك... رجل الشمال" حين جعل رجل الإسكيمو يعيد تمثيل حياته على الشاشة مجددًا. والفارق أن المخرجة كلوي تشاو تُـضـمِّن إعادة هذا التمثيل الواقعي في نسيج سردي متخيل.

يثير الفيلم أمورًا من قبيل البحث عن جنس؛ بل صنف فني يندرج تحت مظلّته، ويستعير الفيلم روح الترحال التي يقوم عليها، فيراوح بين روح التسجيلية والروائية، يقترب أحيانا من تلفزيون الواقع بكاميرته المحمولة والمضطربة التي تهدف إلى تسجيل أكبر قدر من التفاصيل وملاحقة الأبطال ذوي الحكايات الإستثنائية، في حين يستعرض لقطات ال Landscape للطبيعة الخلابة والغابات المتحجرة. ويُدرِج الفيلم ضمن سرده البصري يوميات التدوين الفيديوي ومحاضرات "بوب ويلز" وأمثاله. ولقاءات تجمع بين روّاد هذا النمط المعيشي وبين "فيرن". نعم.. ثمة إرباك طفيف يصيب المتلقي أثناء المشاهدة لطبيعة السرد الأقرب لاقتناص المشاهد التسجيلية، وهو ملمح بات يغزو العديد من الأفلام أخيرًا، وحتى في الأفلام التسجيلية التي باتت هي الأخرى تستعين ببنية روائية لسرد موضوعها الواقعي في تداخل كولاجي بين أجناس فنية، تمامًا مثلما يربكنا تداخل ذكرياتنا وخيالنا مع يوميات واقعنا الهش.
عُرض الفيلم لأول مرة في العالم في مهرجان البندقية السينمائي في 11 أيلول/ سبتمبر 2020، وفاز بجائزة الأسد الذهبي قٌبل أن يحصد أحسن فيلم وأحسن مخرج وأحسن ممثلة ضمن جوائز الأوسكار لعام 2021.
نبض