09-12-2020 | 14:15

أحداث حقيقية وعلاقات مشوّهة في "حكايات سيئة"

يعنون الأخوان الإيطاليان دينوتشنسو (داميانو وفابيو) فيلمهما بـ "حكايات سيئة" Bad Tales (فاز بجائزة أفضل سيناريو في البرليناله 2020 وجائزة النجمة الفضية في الدورة الأخيرة من مهرجان الجونة السينمائي)، ويسردان تلك الحكايات مدللين على ما يمكن أن تبلغه من سوء! ولتحقيق ذلك فإنهما يقدّمان وقائع وأحداث وشخصيات مصاغة لإلحاق أكبر قدر من الإساءة بمفاهيم مثل العائلة والطفولة والحب والمدرسة، وكل ما تستجلبه من علاقات، والتي ستكون بدورها متوترة ومشوهة ومبتورة، بحيث يمسي سوؤها دافعاً وحيداً للأفعال وردود الأفعال.
أحداث حقيقية وعلاقات مشوّهة في "حكايات سيئة"
Smaller Bigger
يعنون الأخوان الإيطاليان دينوتشنسو (داميانو وفابيو) فيلمهما بـ "حكايات سيئة" Bad Tales (فاز بجائزة أفضل سيناريو في البرليناله 2020 وجائزة النجمة الفضية في الدورة الأخيرة من مهرجان الجونة السينمائي)، ويسردان تلك الحكايات مدللين على ما يمكن أن تبلغه من سوء! ولتحقيق ذلك فإنهما يقدّمان وقائع وأحداث وشخصيات مصاغة لإلحاق أكبر قدر من الإساءة بمفاهيم مثل العائلة والطفولة والحب والمدرسة، وكل ما تستجلبه من علاقات، والتي ستكون بدورها متوترة ومشوهة ومبتورة، بحيث يمسي سوؤها دافعاً وحيداً للأفعال وردود الأفعال.
 

وفي البحث عن مرجعيات لفيلم الأخوين دينوتشنسو، تتلامح أفلام إيطالية مثل فيلم ايتوري سكولا "قبيح، قذر، وسيئ" (1976)، حيث لهذه الصفات التي حملها العنوان أن تتمركز حول أب أعمى يعيش وعائلته في بيت مكوّن من غرفة واحدة في واحدة من عشوائيات روما، ويعتاش هو وأبناؤه وبناته الكثر من السرقة والمخدرات والدعارة. ولتتبدّى وضوحاً الدوافع والبيئة المؤسسة لها، ورمزية ذلك الأب المستعد لأن يحرق البيت من دون أن يلحق بسلطته أي تغيير. بينما ترزح شخصية كافينو في فيلم الأخوين تفياني (باولو وفيتوريو) "بيدرو بادروني" (1977) تحت رحمة تقاليد ريفية يمارسها عليه الأب بمنتهى القسوة والعسف، وهو يريد أن يجعل منه بداية راعياً مثلما كان هو وأبوه وجدّه، وليتبدّل ذلك إلى مستوى آخر من الظلم مع تغير حالته الاقتصادية.

 

لا وجود لتلك البيئات والدوافع في العلاقات التي ينسجها فيلم "حكايات سيئة"، بل نحن حيال ضاحية على أطراف روما، لا هي ريف ولا مدينة، وعائلات من الطبقة الوسطى ربما، لا تعاني ضائقة مالية، ولا نعرف أصلاً ما هو مصدر رزقها ولا مما تعتاش، وما الذي يجعلها على هذا القدر من التوتر والانفعال والغضب، بحيث تتوالى الأحداث التي تستزيد من التأكيد على حنقها، وتوسيع نطاق إساءاتها للأطفال.

 

  نشاهد تلك الأحداث كما لو أنها خارجة من مفكرة دوّن فيها كل حدث لحظة وقوعه، بحيث يمكن مشاهدته متصلاً ومنفصلاً في آن معاً، وراوي الفيلم يخبرنا في البداية أن ما سنشاهده آتٍ من مفكّرة عثر عليها، تحتكم على تردد غامض يوحي بأن أموراً كثيرة لم تذكر، وبالتالي فإنه سيتولى ذكرها، وتحديداً أن نصف صفحات المفكرة بيضاء لم يُكتب عليها، وليخلص إلى أن الفيلم "مأخوذ عن أحداث حقيقية مستوحاة من قصة ملفقة وهي ليست ملهمة كثيراً".

 

عشاء العائلة

 

يتمركز الفيلم حول عائلة مكونة من أب وأم، وابن اسمه دينس وابنة اسمها أليسيا، وفي مسار مواز عائلة أخرى مكونة من أب وابنه جرميا، يمكن للعائلة الأولى أن تجتمع مع عائلات أخرى على مائدة العشاء، ويقوم دينس وأليسيا بتلاوة علاماتهم في المدرسة على المدعوين وقد نالا في كل المواد عشرة من عشرة، عدا مادة واحدة هي السلوك والتواصل الاجتماعي نالت فيها أليسيا تسعة من عشرة، الأمر الذي يستاء منه الأب ويعتبر ذلك أمراً لا يغتفر. في عشاء آخر اجتمعت فيه الأسرة فقط، يقوم الأب بشواء اللحم، يغص الابن وهو يأكل، ويكاد يختنق، فيحمله الأب من رجليه ويقوم بهزه ورأس الابن قريب من الأرض، وبعد أن ينجو هذا الأخير، تجتاح الأب نوبة غضب عارمة، فيبكي وتبكي الأم، ثم تنهر الأم دنيس لأنه تسبب في إغضاب أبيه، فتضحك أليسيا على أخيها! وفي موقف آخر يحضر الأب الغاضب دائماً، بركة سباحة مطاطية ليستحم ويسبح فيها دينس وأليسيا فتصبح محجاً لجميع أطفال الحي، فيمضي الأب ليلاً ويقوم بتمزق مطاط المسبح بسكين وتغمر المياه حديقته.

 

فشل الأبوين

 الأب وابنه جرميا اللذان يعيشان على أطراف الضاحية، في بيت يكاد يكون خربة، ليسا على شيء من الأب والابن، الأول كله صخب يحتكم على صلف الذكورة وفظاظتها، أما جرميا فصامت، بارد، وجاهز لكل ما سيتكشف عنه في النهاية، وكلاهما قادر على أن يكون شخصية مثالية في حكاية سيئة أيضاً. وثمة امرأة حامل اسمها ألينا تسعى إلى إغواء دنيس لقاء المال، وصولاً إلى إقدامها بعد أن يعطيها دنيس قطعة بسكويت إلى ترطيبها بحليب ثديها، وقد أمست مرضعة من دون أن نرى طفلها الذي أنجبته وتركته في المستشفى، فهذا ما تقوله أيضاً لدنيس حين تكون تستحم على شاطئ البحر بعد أن تريه أكثر أعضاء جسمها حميمية.

 

لا يؤسس الفيلم لبناء علاقة بين المتلقي والشخصيات، وهي خلو من أي عواطف أو أحاسيس، أو أنها لا تعبر عنها، وتحديداً الصغار الذين بالكاد ينطقون بعبارتين أو ثلاث، أما الكبار فغاضبون أو صاخبون أو عنيفون، كما لو أنهم جميعاً ضحايا حياة فرضت عليهم. ويمرّ اكتشاف قيام كل من جرميا ودينس بتجهيز قنبلة كفيلة بتدمير سائر الحي، مرور الكرام، ثم إن توالي المواقف التي يسردها الفيلم والأجواء النفسية المأزومة المتناغمة مع إيقاع الفيلم البطيء والموسيقى التصويرية التي لا تتعدى نغمة بسيطة مكررة رفقة صوت الزيزان، ستفضي جميعاً إلى المأساة في النهاية، لكن من دون وقع تراجيدي، بحيث تكون مأساة فادحة فقط لا غير، وهي تأتي بعد الفشل في الإقدام على تسجيل أي فعل احتجاجي على سوء الحياة التي يعيشها دنيس وأليسيا، بينما نسمع والدهما يقول لأمهما "أنت أعظم أم في العالم، فتجيبه قائلة "أنت أعظم أب في العالم"، وكل ما نشاهده في الفيلم يقول لنا إنهما أسوأ وأفشل أبوين في العالم.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...