الحبّ في مواجهة اليأس في "غزّة مونامور"
في فيلمهما "غزة مونامور"، يقدّم الأخوان طرزان وعرب ناصر في تجربتهما الفنية وثيقة في محبة المدن، عمرانها وعمارتها، الشوارع والطرق والموانئ والبيوت، بل حتى مخافر الشرطة... الأمر يتعدى المدن المنكوبة سواء أكانت غزة أو هيروشيما، المدينة التي صيغت في فيلم سابق بعنوان "هيروشيما مونامور" (1959)، بتوقيع المخرج الفرنسي آلان رينييه وقصة مارغريت دوراس.
وفيما يُجسّد "هيروشيما مونامور" حالة مدينة ابتُليت بقنبلة نووية، فهنا في غزة نرى مدينة ابتليت بالاحتلال الإسرائيلي، وفي "غزّة مونامور" يستلهم الأخوان طرازان ثيمة العشق في ظلّ الحرب. ويطرحان سؤالهما: كيف تبزغ الحياة برغم تهديد الفناء والإبادة؟
يحضر التوثيق العمراني في الفيلم ضمن مشاهد عدة، حيث الفضاء الشاسع لبيوت المخيم من أعلى، والتقاط المشاهد من زاوية عين الطائر. هنا نرقب الأبطال وهم يدخلون بيوتهم - الأقرب الى حجيرات - بجدران نخرتها الرطوبة والبرودة.
ومع ذلك كلّه، ثمة إصرار على اقتناص الحياة، وبخاصة عند الأجيال الأكبر، أو كما يصفها صديق البطل التاجر الشاب الفلسطيني الذي ينوي ترك المخيم والهجرة إلى إيطاليا "جيل يعطي النصائح فقط".
هذا الجيل نراه متمثلاً في أرملة (تقوم بدورها الفنانة هيام عباس)، تصرّ على استئناف حياتها هي وابنتها المطلقة الشابة لتحثها على البدء من جديد، فنتابع كدّها في البيت والمشغل الذي تعمل به في السوق. وكذلك، في حياة الصياد (الفنان سليم الضو) الذي يقرر أن يتزوج بعد الستين، وهو لا يملّ من الصيد فجراً والسعي اليومي حتى يصطاد تمثالاً أثرياً نكتشف لاحقاً أنه للإله "أبوللو"، إله الحب اليوناني.
ويبدو أن هذا التمثال، برمزيته العاطفية، هو الذي جمع بين بائعة العباءات والصياد في محطة الحافلات، وهما ينتظران يومياً تحت مظلتها البائسة.
يوميات الحصار
يتجلى الحصار ضمن التأطير الذي يسيِّـج الأبطال ويسجنهم، بل إنّ القمر الغزاوي نراه على الشاشة رهين أسلاك الكهرباء المتقاطعة. الكلّ محاصر ومسجون. سجن داخل سجن، ومحبس من خلف محبس. إن نجوت من حصار السلطة الفلسطينية، فستواجه حصار قوات الاحتلال. أين المفرّ؟!
بعيداً من الخطابات الإنشائية والسياسية، يأخذنا الفيلم - ببساطة - الى الواقع الفلسطيني المعيش: الكهرباء دائمة الانقطاع، والأزمة الاقتصادية المزمنة في المخيم، وسيطرة حماس على قطاع غزة... وصولاً الى الشرطة التي تعتقل الصياد حين يحاول بيع جزء كُسر مصادفةً من التمثال الذي عثر عليه في البحر.
وهنا تبدأ رحلة البحث عن أصل التمثال ليتمّ اقتياد عيسى الناصر، الصياد الفلسطيني في مخيم الشاطئ كمسيح معاصر كُتب عليه الشقاء اليومي. تكشف رحلة تتبّع التمثال عن واقع الحال في القطاع. فمن القبض على عيسى إلى استدعاء خبير فني، إلى محاولة ممثل السلطة الاستفادة من التمثال وبيعه إلى أحد المتاحف الأجنبية، وصولاً إلى القبض مرّة أخرى على عيسى للحصول على الجزء المفقود من التمثال.
كلها محاولات للحصار والاستغلال الأمثل لمقدّرات القطاع، وما يحويه من إمكانات حتى لو عُثر عليها ضمن مياه شاطئه.
السلطة التي ترفض كلمة "إله" في تقرير الخبير حين يوصِّف التمثال هي نفسها التي تطلب منه تسعير القطعة الفنية والأثر التاريخي لنيّتها بيعه حين تقول له: "بِدّنـا رقم". وحين يقول الخبير الفني للمسؤول الحكومي إن تلك الأمور خارجة عن التقييم، وإن قيماً كالفن والجمال هي قيم عابرة للزمن وخالدة يأمره بالانصراف ويتواصل مع إحدى الجهات الأجنبية.
على مستوى آخـر، يفكر عيسى الصياد - رغم هذا كلّه - كيف يقدم عرضه للزواج من بائعة العباءات التركية في السوق. بل إنه يدّعي حاجته الى تقصير بناطيله خمسة سنتيمترات كي يجد فرصة للتحدث معها، وحتى لو كلفه هذا خسارة ثيابه وتشويهها وقد صار أضحوكة أمامها وهو يعاين نفسه في مرآة المحل ببنطال قصير مؤكداً لها أنه أعجبه.
النهايات المتراكبة
حالة من المتعة الفنية يوفرها السرد السلس والتقطيع الفني (الديكوباج) لمشاهِـد الفيلم، التي تفاجئ المتفرِّج بظهور متوال ذكي لأبطال العمل، مع تحية دفينة للدراما التركية والأفلام والأغاني المصرية التي تقيم في وجدان الفلسطيني المعاصر وتعينه على تحمل عبثية واقعه ومرارته.
في خروجه الأخير من مخفر الشرطة والذي كُتب على جدرانه "رب اجعل هذا البلد آمناً"، يواجه عيسى موكب الاحتفال بصواريخ "القسّام" الذي تتحلَّق حوله الجماهير في محاولة السلطة لإذكاء الروح الوطنية.
سائق التاكسي الذي يلتقط صور الاحتفال بهاتفه يؤكد لعيسى أن تلك الصواريخ قادرة على نسف العدو. بعدها يمرّ عيسى على صديقه ليفاجأ بأنه رحل بالفعل في مركب الهجرة غير الشرعية تاركاً له زجاجة عطر هدية له. يتعطر منها ويتوجه الى حبيبته طالباً يدها. وحين نعتقد بنهاية الفيلم؛ يفاجئنا الأخوان ناصر بالحبيبين على سطح مركب الصيد بعد أن توغل في عمق البحر، مطاردين من قوة حرس السواحل ومهددين لتجاوزهما الثلاثة أميال المخصصة لحدود المياه الإقليمية للقطاع.
تهديد من بعد تهديد، وحصار من وراء حصار، ومحبس ومن وراء محبس، ولا زال الفلسطيني يصنع الحياة ويدمن الحب.
عُرض فيلم "غزة مونامور" في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 42، ضمن المسابقة الدولية بعد عرضه في مهرجاني فينسيا وتورنتو في العام الحالي، كما رشحته فلسطين لتمثيلها في الأوسكار.
نبض