فيلم "طنين"... الرياضة بين الرّعب الجسدي وضوضاء الذّات
هل من الممكن الهرب من الجنون عندما لا يمنحك جسدك أي استراحة؟ وهل يمكن تحقيق أعلى الطموحات إذا تعذبنا بالحواس المعطوبة؟ أسئلة أساسية يطرحها فيلم "طنين الأذن" (شارك في الدورة الماضية من مهرجان القاهرة السينمائي ضمن المسابقة الدولية)، وهو الفيلم الروائي الثاني لمخرجه البرازيلي غريغوريو غرازيوسي.
يحكي الفيلم عن مارينا، تقوم بالدور الممثلة جوانا دي فيرونا، وهي غوّاصة عالية المستوى في مدينة ساوباولو، تعاني مارينا من حادث غوص خطير أصيبت بعده بنوبة شديدة من طنين الأذن ومحيرة للعقل، منعها مرضها من الاستمرار في تكريس نفسها للغوص وهي في ذروة حياتها المهنية.
رغم ذلك، فهي لا تتخلى عن الماء، عنصرها الأساسي، فتحول نفسها إلى "حورية البحر" خلال عرض يومي في حوض أكواريوم مع عدد قليل من المتفرجين.
هكذا أزيحت الغواصة الماهرة فجأة من بيئتها الطبيعية وتحولت إلى شخصية مسكونة بعلم الأمراض، ما سبب لها الكثير من الأزمة الداخلية والإحباط، فيما حلمها باعتلاء المنصات هي نقطة انطلاق شغفها الحقيقي.
دوار في نفسية متصدعة
رغم الحكاية التي تدور حول المتاهة الداخلية والخارجية للبطلة، حيث يصل في السرد إلى حالة الهلوسة السمعية المزعجة، إلا أن الفيلم لا يقدم مفاتيحه بسهولة، كونه افتقر إلى العاطفة بل أماتها إلى حد كبير وهو في غمرة تشابك العلاقات وتعقداتها بين مارينا والشخصيات الثلاثية المقربة منها، بدءاً من "لويزا" منافستها الدائمة، "إنديرا" طبيبها المعالج وشريكها، و"تيريزا" الغواصة البديلة والنجمة الصاعدة في عالم الغوص.
وللخروج من تلك الدائرة الخانقة وجدت نفسها قد أعيدت إلى المنصات من خلال مشجعتها تيريزا (ألي ويلو)، بديلتها في الفريق البرازيلي، والمعجبة بالطبيب، شريك مارينا.
تقدم تيريزا الغواصة البديلة كل الدعم والمساعدة لمارينا في التدريب قبل أولمبياد طوكيو.
تعيد هذه الدعوة غير المتوقعة إحياء رغبة دفينة لدى مارينا إلى عالم الرياضة. وفي ظل القطيعة بينها وبين شريكها الطبيب، تدخل مارينا في علاقة حميمة مع تيريزا لتعوّض ما افتقدته مع شريكها السابق، الذي يستجيب بدوره إلى رغبات تيريزا الحسيه تجاهه!
إن فك تشابك هذة العلاقات وما يتخللها من غموض وفراغ ليس بالمهمة السهلة، فالشخصية الأساسية - بجانب أزمتها الصحية - تعاني جفافاً عاطفياً ورغبات حسية معلنة.
ومع هذا لا عامل تحريك يوقظ الذاكرة العاطفية في هذا المثلث، وإن وجد فهو يطرح نفسه بطريقة جافة وعابرة.
يبدو أن مخرج الفيلم وهو كاتبه أيضاً يضع المسؤولية على المشاهد لبناء الجسور بين الشخصيات، وهي مهمة ليست سهلة مع فيلم يفتقر إلى إثارة الانتباه في إيقاعه، من الشخصيات الملغزة شخصية "لويزا "الطارئة والتشابه الجسدي بينها وبين ماريا، كذلك تشابه الأعراض أيضاً في مشاهد العيادة، تجعلنا نشتبه في ما إذا كانت تيريزا حقيقية أم مجرد تمن وإسقاط في خيال البطلة!
بين المرئي والمسموع
هنالك تقاطع مقصود بين ضوضاء الجسد لدى شخصية مارينا ومدينة صاخبة مثل ساو باولو، إحدى أكثر المدن ضجيجاً في العالم.
يمكن أن تأتي العاطفة المفقودة في الفيلم من عناصر أخرى غير تلك التي وجب توظيفها فيها. من هذه العناصر عنصر الضوء! نرى الضوء وهو يتناغم مع تحرير الصوت في النَفَس، في تقزحاته على زي الحورية مع حوض الأسماك، مع حرارته وقرمزيته أثناء القفز وانعكاساته العميقة تحت الماء كأنه حُلم، كما في المشهد البديع الذي تجسد فيه مارينا سلسلة من الغطسات تحت مظلة سماء حمراء داكنة، صورة تعزز الجحيم الداخلي والرعب في آن. ورغم جمالية الصورة يأتي السؤال:
هل تقدم السينما صوراً فقط؟
لا تقدم السينما صوراً فقط، بل تحيطها بعالم، والتوسع في الصورة خلال مشاهد الفيلم بقدر فتنتها وجمالها لكنها لا تصل به للنجاة، قدم المخرج أهم حلقة تكون كحد داخلي لجميع الحدود الأخرى ولم يربطها بصنو متناظر ومتتابع بل استغرق في صوت الطنين المزعج حتى مع غياب الشخصية التي تعانيه!
وهذا ما يمنح المتلقي شعوراً بعدم الراحة إثر مصنع الأزيز الذي يصم الآذان طوال مدة الفيلم، حتى ولو كان ذلك أداة في تكريس مؤامرة مغلفة من عدو الشخصية الداخلي وسلب قدرتها على المنافسة وبحثها المهووس عن الكمال.
يبرز الصوت وتداعايته بعناية في كادرات الفيلم على الحبكة، فخرج بحوارات ضعيفة البناء وبافتقار تام للعاطفة، بدلاً من احتضان الفيلم بإيقاع مثير للاهتمام، وهو ما يتعارض مع التوزاي السينمائي بين المرئي والمسموع.
إن الدماغ يقصي جميع الترابطات من الداخل ويستدعي ما يتجاوز العالم الخارجي، ولدى مارينا ما يفوق الاحتمال من ضوضاء الجزء الداخلي في دماغها، فهو لا ينفك عن تأكيد أن الخوف يكمن في الأذنين! فكان القرار الجذري بجرح أذنيها من خلال أداة حادة.
هنا يبدأ طنين الأذن بالانفجار، فكرة أن تفجر الشخصية أذنيها لتكتم سيناريو التعذيب وإطلاق تنهيدات الراحة بعد تدهورها الذي وصل بها إلى صم أذنيها عن أي عواقب وخيمة هي فكرة تبدو مجازية شعرية، هل كان القرار معقولاً؟ إن عاقبة كهذة لا تتوازى مع أعراض مارينا المرضية والأكيد أنها ليست الخلاص للتشافي، لكنها دراما الفعل ووسيلة لفهم سيكولوجية الشخصية.
تجدر الإشارة إلى أن الفيلم لم يحصل على أي جائزة من مهرجان القاهرة، وبعيداً من المعايير الخاصة بالتحكيم، إلا أن المعطيات الواضحة تبرر النتائج. فالفيلم لا يأسر على الفور، وربما لن يأسر بعضهم حتى النهاية، كون المسافة الزمنية التي تم اجتيازها بصعوبة في الحبكة لم تمكنه من إعادة تشكيل الفعل الصامت، تجسد في الفيلم أكثر من شريط صوت: (الكلام، الضجيج، الموسيقى).
في النهاية طغى الضجيج الداخلي في القصة على كل شيء، ضجيج يستدعي ويشرح ويسطو بقوة على تتمة المشاهد، فكان اللغة المنطوقة التي تعبر عن الإثارة النفسية والرعب الجسدي وما لا يقال بينهما.
نبض