04-10-2020 | 05:00

"بعلم الوصول".. الكآبة في القاهرة رفاهية

الكآبة التي تحاصر هالة آتية من حياتها، وما من مسبب واحد لها، كأن يجري ربطها بكآبة ما بعد الولادة، ومخاوف متصلة بابنتها، وإن كان ذلك دافعاً رئيساً، إلا أن المعطى الحياتي اليومي برمته ضاغط،
"بعلم الوصول".. الكآبة في القاهرة رفاهية
Smaller Bigger
يمضي الفيلم المصري "بعلم الوصول" (يعرض على منصة OSN بعد عروضه في العديد من المهرجانات الدولية مثل تورنتو ومونبليه) إلى عالم بطلته هالة بلقطة افتتاحية مقرّبة "كلوز آب" وهي أمام المرآة، كما لو أنها تواجه نفسها، وتطالع هواجسها ومخاوفها، وليكون ذلك المستوى الأول والمحوري في دراما الفيلم، فهي مؤرقة في الليل، ومع بكاء طفلتها، يدرك المشاهد أنها أم وزوجة، وليأخذها زوجها إلى المستشفى، لكن ما من شيء خطير، إذ إن ما يستدعي القلق لدى هالة هو أعماقها، والأصوات في رأسها، ومقارعتها الكآبة التي تجتاحها.
 
ينسج هذا الفيلم الذي أخرجه وكتبه هشام صقر في أولى تجاربه الروائية الطويلة، عالم هالة (بسمة) من دواخلها المحاصرة بواقعها، فهي امرأة بسيطة، أحلامها أحلام امرأة متعلمة من الطبقة الوسطى المفقّرة، وحيز وجودها في القاهرة، لا يتعدى بيتها وابنتها، وجارتها منى (بسنت شوقي) ووالدها المحتضر العم فرج، والذي تجالسه حين تسألها منى ذلك، وخاصة أن هذه الأخيرة تكون قد تزوجت بالسر. ولهالة أن تجد في أريكتها المجاورة لشباك بيتها متنفساً، برغم أنه لا يطلّ على شيء سوى بيوت مقابلة قريبة، وهي بالكاد تسرق وقتاً لتحتسي فنجان قهوة مع تدخين سيجارة، ولها أيضاً أن تتبادل الحديث مع زوجها المحب خالد (محمد سرحان) الذي يعمل صرّافاً في بنك، ولتنحصر حياته هو الآخر بين العمل والبيت، أو قد يقصد أحياناً المقهى لمشاهدة مباراة كرة قدم وهو يجلس وحيداً إلى طاولة.
 
 
الكآبة التي تحاصر هالة آتية من حياتها، وما من مسبب واحد لها، كأن يجري ربطها بكآبة ما بعد الولادة، ومخاوف متصلة بابنتها، وإن كان ذلك دافعاً رئيساً، إلا أن المعطى الحياتي اليومي برمّته ضاغط، بالتوازي مع تطلعاتها البسيطة المجهضة أو التي برغم بساطتها يستحيل تحقيقها، هذا عدا أحلامها الصغيرة التي تُسرق منها أو تتسرب من بين أصابعها في ظل واقع خانق: حبها للرسم، افتقادها لوالدها المتوفى، ونحو ذلك من أحلام وذكريات. وفي سعيها للانتصار على الكآبة تبحث عن مسبباتها خارج ما تقدّم، تتوصل مثلاً إلى أن سبب الكآبة والأصوات التي تسمعها هو أنها "بعيدة عن ربنا"، وليجيبها زوجها "وهي كل الناس دي قريبة منه"، أو ربما لأن أكثر ما تكرهه في بيتها هو عدم وجود شرفة، وحين يقترح عليها زوجها أن يأخذها إلى طبيب تخبره أنها تريد أن تذهب إلى البحر بدلاً من زيارة الطبيب، فإذا بها لا تزور طبيباً ولا تقصد بحراً. 
 
مسار هذه الأفكار تتناغم تماماً مع بنية الفيلم الواقعية، ورصد صقر لحياة هالة وطبقتها الاجتماعية، بحيث نكتشف كيف هي الحياة واقعياً، من دون إعادة إنتاجها أو إضافة منعطفات تصعيدية أو نافرة، فالانعطافة في فيلم "بعلم الوصول" تأتي جراء ارتكاب خالد خطأً في البنك، وقيامه بإيداع 80 ألف جنيه لعميلة بدل 8 آلاف، المبلغ الحقيقي الذي تسلّمه، ومع تعذر استدراك هذا الخطأ لسفر تلك العميلة، يدخل خالد السجن، وتبدأ مجابهة هالة الحياة وحيدة مع ابنتها. 
 
مع حدوث ذلك، تبدو كآبة هالة رفاهية، وليكون هذا الاستنتاج جوهرياً جداً في فهم واقعية الفيلم، إذ لم يعد وارداً أن تبقى على ما كانت عليه رفقة زوجها الطيب، وبالتالي فإننا سنشهد تغيّرها، بمعنى عودتها إلى العمل لتحصّل لقمة عيشها، والانتقال للعيش في بيت أمها، لتتولى هذه الأخيرة العناية بابنتها، وبالتالي قيامها بشجاعة وثبات بكل ما تستدعيه الظروف التي أملاها عليها سجن زوجها، إذ ما عاد مسموحاً لها أن تنعم حتى بالكآبة!
 
أجمل ما في الفيلم ابتعاده عن كل ما يخلّ بنسقه الواقعي، سواء إيقاعه "التمبو"، أو خلوّه التام من استدرار الشفقة أو حتى الإعجاب، وصولاً إلى ابتعاده عن ثنائية الخير والشر، أو إقحام أي شيء ينمّ عن وجهة نظر، بحيث تأتي كل أفعال هالة من دوافع الحفاظ على إنسانيتها ووجودها، وقدرتها على مجابهة الحياة حين يتطلب منها الأمر ذلك، فهي بطلة خائفة وشجاعة، منكفئة وجريئة، لكنها على دراية بما يمكن للحياة أن تكون عليه لو كان لبيتها شرفة، أو لو استطاعت الذهاب إلى البحر، أو عبثية أن يكون مصيرها ومصير عائلتها الصغيرة معلقاً فقط بـ"الصفر" الذي يضيفه زوجها على قيمة مبلغ لعميلة عابرة، ولتأتي لعبة الرسائل التي تتلقاها أو تكتبها لنفسها...لا فرق! منفذاً نسوياً وحيداً لها لتقول ما تقول عن حياتها ومشاعرها وأفكارها، ولتمضي تلك الرسائل جنباً إلى جنب مع خوضها مجدداً غمار الحياة، واجدة فيها ربما أداة للتوازن النفسي، وهي تدرك تماماً أن الإنسان كما تقول "يعيش بالأمل ويموت من الانتظار". 
 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...