"رسائل الى لا أحد" (7 من7)
لم أجلس في "حديقة الخالدين" غير مرات قليلة، سواء كنت أعيش في الإسكندرية أو في زياراتي لها. لكني كنت سعيدًا جدًا بها في المرات القليلة التي جلست فيها وأنا أنظر حولي إلى تماثيل سيد درويش وعبد الله النديم وبيرم التونس ومحمد كُريِّم.
لم أرَ أحدًا منهم طبعًا. حين كنت صبيًا كان بيرم التونسي في القاهرة، أما سيد درويش فمات عام 1923 وكذلك مات عبد الله النديم عام 1896، وكذلك تمّ قتل محمد كريّم عام 1798 من قبل الحملة الفرنسية.
أعرفهم كلّهم من قراءاتي. من تعلمي عرفت النديم الثائر مع أحمد عرابي وعرفت مقاومة محمد كريّم للفرنسيين، ومن قراءاتي عن ثورة 1919، والأغاني عرفت سيد درويش وبيرم التونسي ومن قراءاتي أيضًا عنهما.
لا زلتُ عاشقًا لسيد درويش، كثيرًا ما أحب أن أسمع أغانيه بصوته أو بأصوات أخرى، وطبعًا عشقي لبيرم ملء الفضاء وقرأت كل أعماله الشعرية أيام الشباب. عبد الله النديم درسناه مثالًا على الوطنية وكذلك محمد كريّم. أعجبني يومًا مقال لبلال فضل وكيف أنه زار تركيا ليبحث عن مقبرة عبد الله النديم ليطالب بنقل رفاته إلى مصر لكنه لم يصل إليها.
مدرستي الابتدائية لا الحضانة الأولى، كانت هي مدرسة عبد الله النديم كما قلت وكانت بيته. سنة واحدة بقيت بها حتى انتقلت الى مدرسة الغندور الخاصة. ولمّا كبرت وعرفت من هو عبد الله النديم فرحت جدًا أني قضيت وقتًا في بيته.
رغم أني لم أجلس بحديقة الخالدين غير مرات قليلة، لكني كنت كلما مررت عليها أشعر بالغبطة، وأنها صارت شيئًا في الروح لا تحتاج أن أطلّ عليها. صارت معلمًا من معالم الإسكندرية بأشجارها القليلة ومقاعدها وتماثيل العظماء بها.
حدث منذ أكثر من عامين أن بدأت في الإسكندرية ومصر كلها حملة لا أدري ما المقصود بها على الأشجار في الشوارع. قيل إن ذلك يحدث لأنها تحجب كاميرات المراقبة عن متابعة ما يمكن أن يحدث من جرائم. لكنّ الحملة لم تتوقف عند الأشجار التي وراءها محال. امتدت لتشمل الأشجار التي على ضفاف النيل مثلاً. أنا لا أعرف كيف تسمح الدولة لنفسها أن تخلع أشجارًا، بعضها مضى عليه خمسون سنة وأحيانًا مئة وأكثر. هذا عمل مُجَرَّم بالقانون.
أذكر مرة ربما عام 2010 وكنت سهران في وسط البلد بالقاهرة. كنت في حاجة أن أستمر في السهر فقررت الذهاب إلى دار ميريت في مقرّها القديم بشاعر قصر النيل. قطعت من شارع طلعت حرب الزقاق الصغير الذي به بار ومطعم استوريل فوجدت بائعًا للعاديات يقف حزينًا يكلّم نفسه في ضيق. نظرتُ إليه فأشار في حزن إلى شجرة عند نهاية الزقاق على بعد أمتار قليلة حين يلتقي بشارع قصر النيل، وعمّال يقطعون فروعها العالية. قال لي في ضيق شديد وحيرة، يقطعون شجرة عمرها مئة سنة. تملّكني الغيظ وتقدمت إليهم أسألهم كيف تفعلون هذا. قالوا إن صاحب المحل يريد ذلك لأنها تقطع عنه رؤية الناس. قلت لهم توقفوا، هذا ممنوع. وتركتهم إلى ميدان طلعت حرب. قابلت ضابطين شابين حدّثتهما في ذلك فجاء معي أحدهما. رأيت صاحب المحلّ يهمس له بطريقة لا تجعلني أسمعه، فقلت للضابط إني فلان، وسأتصل الآن بالصحف لتأتي تصوّر المشهد. وفعلاً اتصلت بأكثر من صحيفة، وجاء صحافيون. أوقف الضابط تقطيع الشجرة وحرّر محضرًا لصاحب المحل. عرفت بعد ذلك أنه حكم عليه بغرامة ثلاثة آلاف جنيه. ظللت كلما مررت من هناك بعد ذلك ينظر لي في غيظ. قامت ثورة يناير وتغيرت الدنيا. لم أعد أراه أو لعله موجود وأنا نسيته.
أحكي هذا لأقرر أن القانون يمنع قطع الأشجار، لكن الدولة العظيمة تضرب بالقانون عرض الحائط، وتحول أشجارنا إلى أخشاب تباع. قرأت أنه سيقومون بتجديد في حديقة أنطونيادس وسيقطعون الأشجار لبناء كافتيريات. لم أعلق ولم أتابع من كثرة ما حولي من قضايا ووجع، ثم عرفت أنهم يفعلون ذلك بحدائق قصر المنتزه. ضممت ذلك إلى ما كتبت عنه وضاع. وتذكرت ما يجري في الداون تاون في محرم بك، الذي هو أصلا كان جزءًا من بحيرة مريوط، وقررت المحافظة في المنتصف الثاني من السبعينات أن تردمه وتقيم حديقة دولية.
ردموا البحيرة بفضلات المدينة من الزبالة وزرعوا الأشجار. لم يدرك أحد أن الفضلات فيها مواد عضوية مثل العظام وبقايا اللحم والدهن فخرجت الديدان من الأرض تأكل جذور الأشجار، فقرّروا تغيير المكان إلى فنادق ومطاعم وغيرها، وصارت الحديقة الدولية في مكان صغير جدًا قياسًا على ما تمّ ردمه. مكان ابتعدت عنه الديدان صدفة، ربما ردموه بالرمال. الآن حتى هذا الذي أقيم على خطأ سيزيلونه من أجل إقامة عمارات يقولون، كما يقال دائمًا، إنها ستتبع إحدى شركات الإمارات، وسترتفع إلى السماء كما ترتفع العمارات في الإمارات ولا يدرك أحد أنها ترتفع هناك لقلة مساحة البلاد. تاريخ قصر المنتزه يعرفه الجميع.
لقد بناه الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1892 وأحاطه بالحدائق، لكنّ التاريخ لا يشفع لأشجاره. منذ أيام الخديوي إسماعيل كانوا يبنون الحدائق كما يرونها في فرنسا وحديقة الأورمان تماثل حديقة التويليري في باريس والتي جلست أستريح فيها كثيرًا بعد جولاتي في شارع الشانزليزيه.
الآن يعودون بنا إلى صحراء رغم أن الصحراء البعيدة عن مدننا قامت فيها أشجار من زمان مثل كينج مريوط وبرج العرب ولا أعرف ماذا جرى في أشجارها الآن. المهم أن حديقة الخالدين هي الحديقة الوحيدة على كورنيش الإسكندرية في المسافة من الأنفوشي حتى المنتزه. لكنهم حولوها إلى مطاعم الفلاح للكبدة وغيرها من المطاعم، أرى صورتها وأرى تمثال سيد درويش وراء الزحام كأنه يصرخ "شيلوني من هنا ياولاد ال ....".
المهم أصابني الضيق والغيظ وأغمضت عينيّ أنا الذي مررت على كالتيا منذ قليل وأتينيوس وغيرهما، واستعدت أيامًا جميلة ورأيت ما جرى في حديقة الخالدين، وهي الحديقة الوحيدة على الكورنيش وبها أعظم عظماء الإسكندرية ولا أقول تماثيل، فالذي كان ينظر إليهم يراهم ينظرون إليه ويبتسمون سعداء أنهم بين أهلهم .. لكن كان علينا أن نستمر في الطريق.
تحركنا ببطء حتى وصلنا إلى طريق سوتر. طبعًا مررنا على مسرح كوتة الذي لم يعد موجودًا. وأرض كوتة التي لا بد سيقام عليها أي بناء. مسرح كوتة تعرض من وقت بعيد للإهمال.
أهم ما شاهدت عليه من مسرحيات كانت "مدرسة المشاغبين" عام 1973، وكان عبد المنعم مدبولي هو الذي يقوم بدور الناظر لا حسن مصطفى. شهدت مسرحيات كثيرة في أوبرا سيد درويش، وحين أتيت إلى القاهرة صرت من رواد المسرح الدائمين. المسرح القومي والطليعة بالتحديد. المهم أني غير متفاجئ بما جرى في أرض كوتة. حتى معارض الكتب التي كانت تقام عليها برعاية مكتبة الإسكندرية لم تعد تتم. لا يفاجئني ما يحدث على الجانب الأيمن من العمارات والبيوت، فكله عاصرته وشاهدته. الجانب الأيمن كان يمتلئ بالملاهي الليلية ولقد انتهي ذلك. معظمها صار عمارات أو قاعات أفراح. لكن شارع سوتر كان لا بد أن يثير فيّ ذكريات الجامعة. كليات التجارة والحقوق أمامه وبعدهما كلية التربية ثم كلية الآداب تطل على شارع قناة السويس.
لكنّ السيارة راحت تتحرك أسرع، حتى تجاوزنا الأزاريطة إلى شارع قناة السويس، ولاح على يساري كازينو الشاطبي. تاريخ كازينو الشاطبي قديم. وفي روايتي "لا أحد ينام في الإسكندرية" أخبار عن فرق رقص وموسيقى عالمية كانت تأتي إليه في الأربعينات وقبلها. وطبعًا استمر الأمر في الخمسينات. كان كازينو الشاطبي هو جلستنا مع زميلاتنا بالكلية بعد المحاضرات، أو بعد ألا نحضرها. قصص صداقة أو حب. سمِّها كما تشاء.
كان ما يلفت انتباه أي شخص هو أن الكازينو مقام على مسافة من الشاطئ وفوق الماء على أعمدة خرسانية. لقد غرقت أنا يومًا تحت هذا الكازينو. قصة الغرق لطيفة إذ كنت يومها عام 1961 عرفت بنجاحي في الإعدادية، فذهبت إليه مع بعض الأصدقاء. لم أكن أعرف العوم وحتى الآن لا أعوم لمسافات طويلة. تصيبني فوبيا إذا تقدمت في الماء بسبب هذا الغرق. لا أعرف ما الذي جعلني أترك الشمسية وأصحابي وأنزل الماء وأتجه إلى ما بين الأعمدة التي تحمل الكازينو. بينها غرقت ورأيت وأنا أغرق وجهًا أسود ظننت أنه الشيطان سيأخذني إلى الجحيم، لكنّ بعد ذلك عرفت أنه الغواص الذي أنقذني وكان يجلس على الشاطئ وأسرع إليّ.
عرفت ذلك بعدما أفقت من الإغماء في غرفة كانت على الشاطئ للإسعافات الأولية. أسعفوني وعدت إلى البيت. لم أكره كازينو الشاطبي ولا شاطئ الشاطبي لكن أصابتني فوبيا من البحر نفسه، ظل كازينو الشاطبي مكان أجمل اللقاءات. رأيته قد تغير. لم يعد مُقامًا كما كان من الحجارة بل أصبح يغلب عليه الألموتال.
هذا رأيته منذ سنوات. لا أعرف من أين جاءت إلينا ثقافة الألموتال هذه. لم أدخله على هذا النحو لأني لا أعرف هل هو بمساحته القديمة وبنفس الاتساع أم لا. هذا من ناحية. ومن ناحية أصابني الألموتال منه بالنفور. لست من جيل الألموتال. مررت عليه غير مندهش. والسيارة تمشي ثم فجأة انقطعت رؤية البحر. صرت لا أري إلا كافتيريات على الشاطئ ورأيت أيضًا ما يشبه الكراج للسيارات على الشاطئ. ما الذي يحدث هنا. أريد أن أرى الماء. الماء الذي كان يمتد في الصيف إلى ما لا نهاية، وفي الشتاء يرتفع فيه الموج صاعدًا إلى الكورنيش يكاد يصل إلى الناحية الأخرى، فتتلقفه البلاعات التي تنتظره في شغف من عام الى عام.
البلاعات حين كان لدينا نوعان منها. نوع للمطر ونوع للصرف الصحي تم الجمع بينهما لا أعرف في عهد أي محافظ، لكنه على أي حال قبل رفعت المحجوب. لا أعرف لماذا تم الجمع بينهما. ثم ما جرى بعد ذلك من مبان مخالفة مرتفعة ومن ازدياد حجم الصرف الصحي وكمياته فصارت البلاعات مع المطر الشديد "تطرش" ما فيها إلى الشارع. كدت أقول لخالد الذي يقود السيارة أن يعود لأطل على تمثال عروس البحر. حمدت الله أنه لا زال موجودًا رغم أني لم أتطلع إليه. تمثال عروس البحر الذي أنشأه النحات فتحي محمود. يقال دائمًا إنه عن إله البحر في الأساطير اليونانية وكيف تغير في شكل ثور يحتضن عروس البحر التي هي الإسكندرية. وأراه أنا دائمًا عن حكاية زيوس الذي غير نفسه في شكل ثور وخطف البنت الجميلة "أوربا" من مدينة صور بلبنان وهرب بها إلى جزيرة قبرص، يبدو هنا في شكل حصان يحيطها. كنت لا أزال أرى البحر، لكن بعد كازينو الشاطبي اختفى مع الكافتيرات والكراج العجيب للسيارات. وحين وصلنا إلى سيدي جابر اختفى البحر تمامًا بسبب الكوبري العلوي العجيب الذي أنشأوه على الشاطئ.
كيف حقًا تمشي على الكورنيش لا ترى الماء. لم أعد من رواد شواطئ الإسكندرية. صرت من رواد العجمي ثم تركته وصرت من رواد سيدي كير ثم تركته وصرت قليلًا ما أذهب إلى الساحل مثل هذه المرة. قرأت كثيرًا عما جرى في الشواطئ وكيف صارت غير مفتوحة لأي أحد، فلا بد من دفع رسوم دخول تصل في بعضها إلى خمسة وعشرين جنيهًا للفرد. هكذا تقريبًا تم استبعاد تسعين في المئة من أهل الإسكندرية. إسكندرية لم تعد المدينة التي كانت تنتهي حدودها الجنوبية عند بحيرة مريوط، امتلأت بالعشوائيات. هذه المناطق العشوائية هي أكثر سكان الإسكندرية عددًا الآن، وأكثرها مناطق عامرة بالفقراء. لا جديد في ما نرى.
على يسارنا البحر محجوب وللأسف سيظل كذلك حتى نصل إلى سور المنتزه وينتهي النظر إلى البحر. على يميني ترتفع العمارات العالية محل العمارات القديمة التي كانت لا تزيد عن ستة طوابق. لم تكن بطول الشاطئ طبعًا، فلقد كانت الشواطئ البعيدة مثل سيدي بشر والعصافرة والمندرة، أمامها رمال بها شاليهات خشبية. انتهى ذلك من زمان وقامت العمارات. من الذي سمح عبر خمسين سنة بهذه الارتفاعات فحجب الهواء عن المدينة. لكني طبعًا رأيت شيئًا قديمًا أحبه وهو فندق سان جيوفاني بستانلي الذي خلفه أقيم الكوبري الذي تم حين كان رفعت المحجوب محافظًا وعليه يقف الشباب في بعض الأحيان.
لا تزال كبائن ستانلي القديمة موجودة كما أقرأ أو أسمع، لكنّ الأسوار عزلت الشاطئ عن الرؤية. عزلت الماء. تقريبًا في تسعين في المئة مما بقي من الطريق لن أرى المياه. وطبعًا ولا الموج.
حركة أمام وحول الكافتيريات، وهذا طبيعي فلقد ازداد عدد السكان، لكن لا يعني هذا أن الإسكندرية ظلت تطل على البحر. سأرى عمارات عالية على يميني، وبيوتًا قديمة خالية يزداد فيها الخراب حتى يسهل هدمها من أجل البنايات العالية القبيحة التي لا علاقة لها بالبيئة والمكان، وتقف على الشاطئ كأنها رجال أمن يمنعون عن المدينة الهواء. الأفضل أن أكمل الرحلة شاردًا عن كل ما حولي. مهما حاولت أن أجد ما يمتعني من ذكريات سيغتاله القبح. فلأعش ما بقي لي في صمت وأعود إلي عزلتي عما حولي، ولأترك المستقبل للأجيال الجديدة التي لم تعرف كيف كان من قبل على شاطئ المدينة يتنفس الجمال، في الشتاء والصيف لا تنقطع أنفاسه عن الناس. ولتكن هذه هي الرسالة الأخيرة، فسأكمل المشوار مغمضًا عيني.
نبض