31-08-2021 | 22:39

امرأة دوبوفوار "المحطّمة"... هي أيضًا ثائرة

تتبدى حساسية الأنوثة والأمومة بشكل جليّ لدى الروائية سيمون دو بوفوار في ثلاثيتها القصيرة " المرأة المحطمة" التي صدرت بترجمة عربية أنجزها محمد فطومي عن دار المدى. وفيها تستعرض دو بوفوار على حياة ثلاث نساء، ومعاناتهن الشخصية من أبعاد متباينة، يكدن يلتقين في المعضلة نفسها وهي اهتزاز ثقتهن بأنفسهن من ناحية، ونظرة الآخرين لهن.
امرأة دوبوفوار "المحطّمة"... هي أيضًا ثائرة
Smaller Bigger

تتبدى حساسية الأنوثة والأمومة بشكل جليّ لدى الروائية سيمون دو بوفوار في ثلاثيتها القصيرة " المرأة المحطمة" التي صدرت بترجمة عربية أنجزها محمد فطومي عن دار المدى. وفيها تستعرض دو بوفوار على حياة ثلاث نساء، ومعاناتهن الشخصية من أبعاد متباينة، يكدن يلتقين في المعضلة نفسها وهي اهتزاز ثقتهن بأنفسهن من ناحية، ونظرة الآخرين لهن.

ففي روايتها الأولى التي حملت عنوان "سن التعقّل" تتحدث عن امرأة ستينية، متقاعدة، ومثقفة، لديها زوج وابن، تتمدد عقدتها حين يرتبط ابنها بزوجة، فتشعر من خلال ذلك أنها فقدته. أو ربما فقدت الصورة التي طالما وجدته عليه. هكذا، يتفاقم شعورها نحوه وتترجمه من خلال نفورها منه ومن زوجته بل من زوجها أيضا، ما يجعلها تعيد النظر في مجمل حياتها، وتطيل التأمّل في كيانها كامرأة، وفي شكلها، وجسدها، واهتماماتها الخاصة طوال تلك السنين:" لقد بدأت في حمية واشتريت ميزانًا، لم أتصور يوما أنني سأهتم بوزني، وهأنذا! كلما أنكرت نفسي داخل جسمي، اهتممت به، إنه في عهدتي وأنا أعتني به بتفان كله ملل، كصديق قديم سيء الحظ، متدهور أكثر مني ويحتاج إليّ".

 

في عمر الستين

ففي العشرين يبدو المرء مفعمًا بالشباب والحيوية والانفعالات الصاخبة، والرغبة المندفعة لخوض تجارب عديدة، غير أن هذه المرأة تشعر أنها كانت أكثر تعقلاً من ذلك بكثير في شبابها، وكأنها في الستين من عمرها تريد أن تحيا ما لم تحياه في عمرها الذي مضى، في سن التعقل تبدو ثائرة في داخلها، وتتضارب الرغبات في أعماقها، تضل منفعلة على ذاتها وساخطة على زوجها وابنها أيضا؛ وكأنها بذلك تجابه محيطها الذي خذلها وهي في هذه السن:" أتساءل كيف للمرء أن يستمر في العيش وهو لا يأمل شيئا من نفسه؟".

أما المرأة في روايتها الثانية المعنونة بــــ" مونولوج" تبدو امرأة ساخطة، تصطخب الأحاديث الحادة وتغرز في روحها، كانت وكما اقتبست دوفوار من فلوبير " تثأر بالمونولوج" في بداية تعريفها لهذه المرأة.

 

النفس اللوّامة

 وتتعمق هنا حساسية الأمومة، لكن هذه المرة هي أم مكلومة، فقدت ابنتها، ابنتها التي انتحرت فجأة، وعلى طول حديثها النفسي تسقط سخطها على من حولها، ويبدو أن كل من حولها يلومها هي وحدها وكأنها الملامة الوحيدة لموت ابنتها، يلومون أمومتها التي لم تكن كما ينبغي تجاه ابنتها المراهقة:" عزيزتي المسكينة، أنا لا ألومها، كلهم جعلوها تتطاول علي وكان لديها السن التي تكره فيها كل الفتيات أمهاتهن".

تتماهى جراحاتها الذاتية، فهي لم تفقد ابنتها بالانتحار المفاجئ فحسب بل أيضا أُبعد عنها ابنها، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة معضلات تفوقها، حتى أمها التي كان ينبغي أن تقف إلى صفها، أن ترفع من معنوياتها، وأن تدعمها، وجدتها على نقيض من ذلك، بل هي أول من رشقتها بكلمة " قتلتها" على مسمع ومرأى من الجميع؛ لتشعر بأن العالم كله يقف ضدها، بأن الجميع يلقي باللائمة عليها وحدها! " الناس يدوسونك إذا صرت ملقى على الأرض، حصنت نفسي وقاومت لكنهم يبصقون على امرأة وحيدة"، فلا تجد هذه المرأة البائسة سوى أن ترتطم بجدران نفسها!

لتختتم دو بفوار روايتها بــــ" المرأة المحطمة" وهي يوميات امرأة في منتصف العمر، اكتشفت خيانة زوجها لها مع امرأة أخرى، هي أم أيضا، حين تكتشف هذه المرأة خيانة زوجها لها ترتبك عوالمها كليًّا، فتراجع حياتها، ماضيها، ما فعلته كي يهجرها زوجها في منتصف عمرهما. 

فوق هذا يلومها زوجها الطبيب الذي حقق إنجازات هائلة على صعيده العملي والشخصي أنها لم تكن تبالي بمشواره العلمي يوما، وأنها لم تهتم بمشاغله العملية ولا بإنجازاته، بينما ترى هي نفسها بأنها ضحت بنفسها من أجله ومن أجل ابنتيهما. فهي أصبحت ربة منزل عن قناعة، وهذا ما يدفعها للتشكك على طول صفحات الرواية القصيرة؛ حول تضحياتها التي قدمتها لتنعم أسرتها بالاستقرار؟ كيف يمكن لزوجها أن يخونها بهذه الطريقة؟ بل في وقت تشعر أن كثير من عمرها وشبابها قد تبدد؟!

 
منتصف العمر

تذبل هذه المرأة شيئا فشيئا، يتحطم كيانها تدريجيًّا، تفقد ثقتها بنفسها، رغم أن زوجها لا يتخلى عنها بل يحتفظ بها مع صله بالمرأة الأخرى، ويبدو محرجًا ومتفهمًا لسوء حالتها النفسية، بينما يدعوها من حولها أن تتفهم نزوة الرجل في منتصف العمر، غير أنها توقن تمامًا بأن الأشياء " حين تحدث للآخرين؛ فإنها تبدو سهلة التطويق والتجاوز" وحين يكون المرء هو صاحب الورطة، فإنها تبدو غاية في التعقيد والتجاوز!

يبدو أن سيمون دو بوفوار التي عرفت طوال مسيرتها بشراستها في دعم بنات جنسها في عديد من الكتب والدراسات والمواقف، فإنها من خلال ثلاثيتها، تؤكد رسالتها للنساء على وجه الخصوص، بأن عليهن أن يتماهين بتحقيق أنفسهن، بأن يحرصن على تحقيق ذواتهن من خلال متابعة تثقيف أنفسهن، والحصول على وظيفتها ودخلها الشخصي الذي يغنيها عن غيرها، على سعيها الحثيث للاهتمام بمظهرها وصحتها لذاتها فحسب، وعلى ابراز كينونتها الشخصية، في ظل مجتمع بطريركي، مطوّق بذكور أنانيين في الأغلب، سواء كان هذا الرجل رفيق دربها أو ابنها، عليها أن تعد نفسها لصدمات محيطها، وتعد العدة لتبقى قوية في وسط عالم مهمش ويسعى أبداً لتحطيمها على حساب منافع شتى، عليها أن تكون نفسها ولنفسها؛ فإذا ما كن نساء سيمون دو بوفوار حطمن أصنامهن منذ وقت طويل في فرنسا وما يحيط بها، غير أن معظم نساء العالم الثالث، أو لنقل الكثير منهنّ، محطمات، منتهكات، معرضات للاستغلال والتشييئ، ومقاتلات أيضا في وجه عالم شديد القتامة والقسوة عليهن!

" كل شيء خسيس في هذا العالم، الطبيعة والبشر. وحدي أنا من يحلم حلمًا كبيرًا، ويجدر أن أصرف النظر، فكل شيء يحييني دائما".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/31/2026 2:25:00 PM
هل موقف بري الحازم والحاسم أتى لتوفير مظلة حماية للحكومة الحالية، أو لضمان حماية الحزب من نفسه ومن جموحه؟
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".