31-07-2021 | 18:07

لعنة أن تكوني امرأة في أفغانستان... كما ترويها نادية هاشمي

شاهدت قبل سنوات من قبيل الصدفة فيلمًا أفغانيًّا كان عنوانه "أسامة" تمّ عرضه عام 2003، من إخراج صدّيق برمك. يصوّر الفيلم حكاية فتاة مراهقة تعيش في أفغانستان في ظلّ نظام طالبان، تتنكر كصبي، لإعالة أمها وجدتها بعد أن مات والدها، لكن حيلتها سرعان ما تكتشف من قبل نظام طالبان؛ ويكمن عقوبتها في تزويجها من رجل يفوقها عمرًا بكثير ولديه ثلاث زوجات.
لعنة أن تكوني امرأة في أفغانستان... كما ترويها نادية هاشمي
Smaller Bigger

شاهدت قبل سنوات من قبيل الصدفة فيلمًا أفغانيًّا كان عنوانه "أسامة"، عُرض عام 2003، من إخراج صدّيق برمك. يصوّر الفيلم حكاية فتاة مراهقة تعيش في أفغانستان في ظلّ نظام "طالبان"، تتنكر كصبي، لإعالة أمها وجدتها بعدما مات والدها، لكن حيلتها سرعان ما يكتشفها نظام "طالبان"؛ وتكون عقوبتها في تزويجها من رجل يفوقها عمرًا بكثير ولديه ثلاث زوجات.

الممثلة التي نالت جائزة عن دورها في الفيلم تدعى مارينا جولبهاري، في وقت تصوير الفيلم كانت طفلة في العاشرة من عمرها، سُحبت من شوارع كابول حيث كانت تبيع الجرائد لأداء دور في الفيلم. الممثلة نفسها بعد سنوات صارت مهددة بالقتل، واضطرت إلى الهروب مع زوجها إلى المنفى الفرنسي؛ بعدما وُضعت قنبلة في حديقة منزلها في كابول؛ لكونها تركت الحجاب، وتعيش حاليًّا مختبئة في غرفة تفيض بالبؤس والخوف خشية على حياتها من القتل، وتتعاطى أدوية اكتئاب؛ فأي لعنة تستوطن المرأة حين تكون أنثى في أفغانستان؟

يتبادر السؤال في ذهني بحدة بعد قراءتي لرواية "اللؤلؤة التي كسرت محارتها" للكاتبة والروائية الأفغانية التي تعيش في أميركا نادية هاشمي (دار كلمات - الكويت، ترجمة إيمان حرز الله). حالات النساء في بلادها، كغيرها من كاتبات أفغانستان، منذ وقوعه في فخ حركة "طالبان"، وهن يخضن صراعات حادة ودموية وغاية في الوحشية والعنف للنجاة بأرواحهن من سيطرة المجتمع الذكوري.

تقدم هاشمي شخصيات نسائية مسحوقة تحت نير ظلم الذكور، غير أنها تركز على أنموذجين منهما، تبث فيهما روح التمرد والسعي لمستقبل أكثر تحررًا، فهي تتراوح ما بين مكانة المرأة في أفغانستان من القرن الماضي عبر شخصية "شكيبة"، تجعلها تتقاطع بطريقة ما في الحاضر عبر شخصية "رحيمة"؛ فشكيبة هي جدة جدة جدة جدتها، تتقاطع مصائرهما، كل بطريقته عبر حكايات "شايما" وهي خالة رحيمة.

 

مسيرة التحوّل

تنتمي شخصية رحيمة البالغة من العمر تسعة أعوام إلى أسرة تتكون من أب مدمنٍ أفيوناً، وأم أنجبت خمس فتيات منهن "شهلا" التي تكبر رحيمة بأعوام عدة، وتليها "بارفي" التي تكبر رحيمة بعامين وأختين صغيرتين، ما جعل الأزمة تتفاقم. فالأسرة التي لا تنجب ذكورًا هي أسرة لا مكانة لها، وتمنع الفتيات من استكمال دراستهن لعدم وجود صبي يقوم بحمايتهن أثناء مضايقات الذكور لهن في طريقهن إلى المدرسة. لذا تقترح الخالة "شايما" التي تعاني عطبّا خلقيًّا في ظهرها تسبّب في عدم زواجها، أن يتم تحويل "رحيمة" إلى صبي، أي إلى "باشابوش"، وهو لقب صار ساريًا في أفغانستان، وظاهرة مألوفة في الأسر الأفغانية التي لا تنجب ذكورًا، فيتم تحويل الأنثى غير البالغة إلى صبي، للقيام بمسؤوليات الأسرة، وردها الى حالتها الأولى حين تبلغ.

تحظى رحيمة بفرصة لم تحظَ بها أي من أخواتها، وتسمح لها بالذهاب إلى المدرسة، تختلط بالذكور وتلعب معهم كرة القدم، ويعتقدون أنها صبي مثلهم، حتى نفسية الأب تتبدل ويكف عن الصراخ.

في الوقت نفسه، تعود هاشمي بقارئها عبر صوت الخالة "شايما" إلى حكاية "شكيبة" التي تخوض صراعات عدة في حياتها، بدءًا بحادثة تشويه وجهها حين زلّت قدمها وهي طفلة لتتعثر بإناء طبخ فيه زيت حار فيحترق نصف وجهها، فتلاحق بعبء التشويه بقية حياتها. تنتمي شكيبة لأسرة تعيش في منطقة ريفية، لوالدها قطعة أرض مثمرة، ولديها أخوان وأخت تكبرها بأعوام عدة، الأسرة نفسها تتلاشى كليًّا بعد أن يتفشى مرض الكوليرا ليخطف الأطفال الثلاثة، وتموت الأم متأثرة بحالتها النفسية لفقدان أطفالها، وتبقى شكيبة ووالدها وحدهما، تعاون شكيبة والدها في الحقل، وتعمل كالذكور، حتى يموت الأب، ويكتشف أهل أبيها ذلك، رغبة منهم في الاستيلاء على قطعة الأرض، تجبر على العيش في بيت الجدة التي تعاملها كخادمة، سرعان ما تهبها أسرتها لرجل مقتدر مقابل ديونهم المتراكمة فتعمل لدى زوجته خادمة، تتعرض حياة شكيبة لتحولات غاية في الحدة، حتى تجد نفسها حارسة لحريم القصر الملكي في كابول، حارسة ترتدي البنطلون كالذكور لحماية نساء الملك مع غيرها من النساء المسترجلات، وتحدث حادثة تغيّر مسار حياتها كليًّا، وتُزفّ نتيجة ذلك لرجل مقرب من ابن الملك، شكيبة التي كانت تطمع للزواج من ابن الملك، ونتيجة لذلك روّجت أن عائلتها ينجبون ذكورًا، هي الكذبة التي أنقذت حياتها، فطلبها الرجل المقرب من ابن الملك، فقد مضى على زواجه سنوات دون أن ينجب من زوجته الأولى، لمجرد ما تنجب شكيبة صبيًّا تستقيم حياتها بشكل ما.

 

انفصال الأخوات

وتتقاطع في الوقت نفسه الأزمات في حياة "رحيمة" وأخواتها، ففي يوم يقرر الأب تزوجيهن لرجال أكبر منهن عمرًا ولديهم زوجات أخريات، فتنفصل الأخوات كل إلى مصيرها، وتتعرض الأم نتيجة لفقدانهن المفاجئ لأزمات نفسية فتصبح مدمنة أفيون كزوجها الذي يحصل على كميات وفيرة منها، كونها تأتي من مزرعة زوج ابنته "رحيمة" المحارب، الثري، الذي له ثلاث زوجات ورحيمة هي الرابعة، في الوقت الذي تنجب فيها شكيبة ابنها، تفقد فيها "رحيمة" ابنها.

 رحيمة التي تجد في كابول ملاذها الأخير، لتفرّ من حياتها البائسة، رحيمة التي وجدت خلاصها بعد حادثة انتحار أختها "بارفي" التي أشعلت النار في جسدها بعد الظلم الذي تعرضت له على يد زوجها وزوجاته السابقات، رحيمة التي تضطر للمرة الثانية لأن تتخلى عن أنوثتها كي تنجو بمصيرها من زوجها ومن عصابة زوجها السياسي، من ذكور مجتمعها، رحيمة التي تصير حرة كما تاقت لذلك دائمًا وأبدًا.     

عرضت الروائية نادية هاشمي حالات النساء في مجتمعها بلا زيف، بكثير من الأوجاع والألم، لمجرد كونها أنثى فهي معرّضة للانتهاك من ذكور مجتمعها، تمنع من حقوقها، حقّها بالمطالبة بإرثها، حقها بأرضها وبيتها، حقها في التعليم، حقها بالخروج من البيت بمفردها دون محرم، حقها في الضحك، حقها بأن تكون امرأة بلا شعور بالذنب.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/31/2026 2:25:00 PM
هل موقف بري الحازم والحاسم أتى لتوفير مظلة حماية للحكومة الحالية، أو لضمان حماية الحزب من نفسه ومن جموحه؟
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".