حياة أخرى" للأدب الصيني... باللغة العربية"
مثل حال أغلب آداب منطقة آسيا، ما عدا اليابان بطبيعة الحال، ظلّ الأدب الصيني، ولعقودٍ طويلة، مجهولاً لدى القارئ العربي. ويعود ذلك لأسباب عدة، منها التعلق العربي بالغرب، ومركزية الثقافة الغربية، ولقلة عدد الدارسين للآداب الشرقية، بالإضافة إلى تقصير الإعلام العربي، وغير ذلك من أسباب. وبالرغم من محاولات نقل بعض الأعمال الصينية من اللغات الأجنبية حاولت خلخلة هذا الوضع، لكنها لم تنجح كثيرا.
وجاءت نوبل للأدب لكي تغيّر المعادلة كما يبدو، إذ سرعان ما بدأت مرحلة جديدة في اكتشاف هذا الأدب الذي يعد من الآداب العريقة، بتأثير مباشر من فوز الكاتب الصيني مو يان بالجائزة قبل بضعة سنوات، ما ساهم، ليس فقط في ترجمة أعماله الى اللغة العربية من ضمن اللغات التي نقلت إليها، بل تجلى كذلك في الاهتمام بأسماء عدد آخر من الكتّاب الصينيين، على يد جيل جديد من المترجمين الذين تعلموا الصينية وأمكن لهم ترجمة النصوص عن أصولها الصينية مباشرة.
ساهمت هذه الحركة الجديدة في مجال الترجمة من الصينية في التعريف بأسماء عدد من الكتاب من مثل يو هوا، سون قان لو، ليو جين يون، وسو تونغ، لو وين فو، تشو دا شين، أو كاتبات مثل شيه تزيه جيان، وبينغ يوان، وآشه، إضافة لعدد من الشعراء، وقد ظهرت هذه الأعمال متزامنة مع ظهور أسماء عدد من المترجمين الذين ينقلون عن الصينية مثل أحمد ظريف، مختار يحي، يارا المصري، ومي عاشور، وغيرهم.

الأدب الصيني المعاصر
وبين أسماء الأدباء الصينيين تكررت ترجمة روايات لكاتب صيني من جيل الوسط هو سو تونغ (ولد عام 1963)، أظنه يقدم نموذجا بالغ الأهمية للأدب الصيني المعاصر، وقد نُقلت من أعماله الى العربية "روايات الفرار 1934"، "زوجات ومحظيات"، و"حياة أخرى للنساء"، وهو كتاب يضم ثلاث روايات قصيرة (ترجمة يارا المصري، عن دار مسعى للنشر). وسأتوقف عندها بالتأمل، أولا لأهمية هذا الكاتب أسيوياً وعالمياً، وأيضاً بغية فتح نافذة على ترجمة آدابٍ لم تكن تحظى باهتمام عربي كبير.
الرواية التي تحمل عنوان الكتاب نفسه "حياة أخرى للنساء"، هو النص الثاني بين نصين آخرين هما: "الربيع في مصنع تعليب اللحوم"، و"القناديل الثلاثة".
ثلاثة نصوص بقدر ما تتباين عوالمها وأبطالها، بقدر ما يبدو أن ثمة رباطا وثيقا يجمع بينها وهو الإحساس بأزمة الضعف الإنساني في مواجهة أقدار لا يمكن لأي منهم ردّها.
أبطال الروايات الثلاث يحاولون الاشتباك مع أزمتهم والتحرر من قيودها، فهل ينجحون؟
بطل الربيع في مصنع تعليب اللحوم، جين تشياو شاب مثقف مثالي متابع لما يحدث في العالم ومهموم بالعدالة والإنصاف وحقوق الإنسان، ولكن الوظيفة التي يتيسر له العمل بها، بعد إخفاقه في دراسة الشؤون الخارجية ثلاث مرات، أن يغدو عاملا في مصنع تعليب لحوم الخنازير، بتوصية من حبيبته التي تحاول مساعدته بتوصية أقارب لها على توظيفه، حيث يجد نفسه في موقع لا يمكنه احتماله، تزكم أنفه روائح لا يحتملها البشر، وتتناثر على ملابسه وملابس زملائه من العمال والعاملات بقع دماء الخنازير المذبوحة، وآثار لحومها وأحشائها. إضافة إلى حالة من النفور التي يكنها العاملون لمدير المصنع الذي يسمونه سرا "رأس الخنزير"، لكنه يتبين أنه نفسه يعرف بالأمر ولا يهتم سوى بتحقيق الربح والتزام العمال بمهامهم.

يبدو الكاتب سو تونغ صاحب أسلوب قوي، ينثر التفاصيل تباعا، تنبثق المشاهد المكثفة لتخلق نمطا سرديا يقدم الملامح والذهنية وأساليب التفكير التي يمارسها أبطاله، لكي تكشف طبيعة أزماتهم تدريجاً، بالتوازي مع خلق حالة من المرح الفكاهي، كوميديا سوداء بالأحرى، من سلوكيات وأفكار الأبطال في أعتى ظروف حياتهم قسوة، وببراعة لافتة في النصوص الثلاثة وليس في هذا النص فقط.
وبهذا الحس الساخر، يرينا الكاتب مي جون حبيبة جين تشياو في مسلكها الذي تحركه مشاعرها تجاه فتاها من جهة، وحنقه عليه من جهة أخرى لأنه يبدد الفرص التي تحاول أن تساعده بها، لكنها لا تفقد الأمل في مساعدته وتقدمه إلى قريبة لها تدير سيركا، ولأجل إقناعها تقول لها أن صديقها له مهارات بينها التحدث من البطن.
يجد جين تشياو نفسه في مواجهة الإحساس بالمهانة، ويتخذ قراره بالانصراف، رغم أن ذلك يقضي على فرصته في ترك مصنع اللحوم، وصولا للنهاية الدرامية التي ينتهي إليها مصير جين تشاو.
النهاية الدرامية، بالموت غالباً، قد تكون سمة مشتركة أخرى تجمع النصوص الثلاثة. غير أن المجتمع الذي نتعرف عليه في "حياة أخرى للنساء" هو مجتمع نسائي بالكامل تقريبا، دائرة صغيرة مكونة من ثلاث سيدات يعملن في معمل إنتاج وبيع الصلصة، ودائرة أخرى علوية تعيش بها شقيقتان، عانستان، تمتلكان محل الصلصة لكنهما لا تختلطان بالعالم الخارجي على أي نحو.
نساء... بين طبقتين
وبينما نتعرف الى تفاصيل حياة النسوة في الأسفل تدريجيا، ونتبين لاحقا دوافع الغيرة والحقد والمشاعر السلبية، التي لا يسفر عنها إلا مكائد تتراكم في كرة من نيران الحقد، تكبر بلا رادع حتى يغدو بلوغ المأساة هو المصير المحتوم. فإن العالم الساكن في الطابق العلوي يظهر للقارئ بين آن وآخر بنفس إيقاع ورتابة حياة الثنائي، أو الشقيقتين الذين يتبين الى القارئ أنهما ليستا حبيستا جدران البيت التي خضعتا بإرادتهما لها، بقدر ما أنهما حبيستا مخاوف موروثة من الأهل الذين ماتوا وتركوهما لمخاوفهما، ثم نتبين أن الشقيقة الصغرى ضحية مزدوجة للظرف العام من جهة ولقهر الشقيقة الكبرى لها بإصرارها العنيف على ألا تختلط الصغرى بأي شخص أو تتعرف على أحد، لكي تبقى بجوارها حبيسة القدر الذي لا يعرف أحد إلى أين سيمضي بهما.
لكنّ الدائرتين: دائرة حياة الثلاثي في الأسفل والشقيقتين في الطابق العلوي، ولصدفة ما تتعرضان لتقاطع غير مقصود، فكيف تتأثر المصائر؟ هذا ما ينقلنا الكاتب إليه تدريجا، بتأكيد رغبة الشقيقة الصغرى في النجاة من موتٍ متربِّص بها بقرار الهروب والانفصال عن الشقيقة.
في التفاصيل الصغيرة، نرى ملامح الثقافة الصينية لدى الطبقات الفقيرة، والأحلام والمتاعب والضغائن، والانسياق لقدرٍ هو في النهاية نتاج الأشخاص أنفسهم، مع ذلك فالجميع يتعامل مع واقعه كما لو أنه مصير محتوم لا فكاك منه، من دون اليأس من محاولات الخلاص.

"ثلاثة قناديل"... والحرب
الرواية الثالثة "ثلاثة قناديل"، وهي أكثر النصوص الثلاثة شاعرية، فيها شخصية مربي بط فقير وأمي، وربما يتمتع بنوع من السذاجة الفطرية التي يستخدمها الكاتب في خلق مفارقات بالغة السخرية، والطرافة، في ذروة المأساة، وهي الحرب التي تجعل سكان قرية كاملة يهربون منها خوفا على حياتهم، بينما يبقى مربي البط يبحث عن بطاته الضائعة، لا يهرب من الحرب، رغم أنه يرى الموت ويهرب بين الفينة والأخرى من الطلقات التي لا عيون لها، ويلتقي الفتاة التي تبحث لأمها عن الكيروسين الكافي لإشعال ثلاثة قناديل على مركب الصيد حتى يعرف الأب المقاتل إذا عاد موقع مركبهم الذي تحتضر الأم أعلاه، من دون أن تفقد الأمل في عودة الزوج ولا الفتاة الصغيرة في التسلل لبيت العمدة لاستعارة الكيروسين مقابل السمكة التي تضعها مقابلا للكيروسين رغم علمها أن البيت خال من ساكنيه لكنها لا تسمح لنفسها أن تغدو لصة.
يمتلئ النص بمثل هذه التفاصيل الصغيرة الحساسة الإنسانية. ومع كلّ الفقر ومصاعب الحياة ورغبتهم المستمرة في النجاة والأمل، لكن مربي البط، الأمي الساذج الموسوم بالحماقة كان وحده الذي لا يصدق ما آمنت به الفتاة بأنها لو لوحت بمنديل أبيض للمحاربين فسوف يعلمون أنها مدنية ولن يطلقوا عليها النيران. كان باكيا يردد أنها صغيرة ولا تعرف أن الرصاص ليس له عينان!
هذا ثالث كتاب تترجمه يارا المصري للكاتب الصيني سو تونج، بعد روايتي "الفرار 1934"، و"زوجات ومحظيات"، وهو أحد الكتاب الطليعيين في الصين، ومن أشهر كتّاب الواقعية الجديدة، وأكثرهم تأثيراَ. أهم ما يميز أعماله هو سرده للقصة بطريقة موضوعية هادئة بعيدة عن ميوله وأهوائه الشخصية.
نبض