30-06-2021 | 21:26

خطّة لإنقاذ العالم في السرد العراقي المعاصر

شهدت الرواية العراقية تحولات عدة في بنائها السرديّ، لأسباب كثيرة منها غزارة الواقع العراقي وتراكم الأحداث على بلد شهد في العقود الأخيرة حروبًا متوالية، ولم يجد الروائي أمامها متنفسًا، فراح يوثّق هذه المراحل كتابيًا. ولا يكاد ينتهي من مرحلة حتى يجد نفسه كشاهد عيان في مواجهة حرب أخرى تستنزف طاقاته وتطالب ذاكرته بالتسجيل، وكأنه صار مؤرشفًا لتاريخ بلاده أمام العالم.
خطّة لإنقاذ العالم في السرد العراقي المعاصر
Smaller Bigger
 

شهدت الرواية العراقية تحولات عدة في بنائها السرديّ، لأسباب كثيرة منها غزارة الواقع العراقي وتراكم الأحداث على بلد شهد في العقود الأخيرة حروبًا متوالية، ولم يجد الروائي أمامها متنفسًا، فراح يوثّق هذه المراحل كتابيًا. ولا يكاد ينتهي من مرحلة حتى يجد نفسه كشاهد عيان في مواجهة حرب أخرى تستنزف طاقاته وتطالب ذاكرته بالتسجيل، وكأنه صار مؤرشفًا لتاريخ بلاده أمام العالم.

 ولأنّ واقعه كان مثقلاً صار يدوّنه بلغة أبعد ما تكون عن الشعرية المكثفة، مكتفيًا بالتصوير الواقعي الذي يقترب من التسجيلية، مع الاعتماد على الحكاية لبناء حدثه الروائي. ولأن لكل فرد عراقي حكايته عن الحرب، سواء تلك التي شهدها بنفسه أو تلك التي ورثها عن أسلافه، فالأجيال العراقية مذ حرب العراقية الايرانية صاروا من مواليد هذا الصراع، أنجبت روائيين عراقيين مدونين لتلك المرحلة التي مضت ولكن آثارها ما تزال باقية!

ودخلت الرواية العراقية بعد أحداث عام 2003 مرحلة صادمة، لها رهبتها وانفلاتها أيضًا، تحمل ما تحمل من تراكمات لبناء تاريخ جديد، تعرض مشاهداتها البانورامية عن الصراعات السياسية والاجتماعية التي تفاقمت على مدى عقود مضت إلى مجابهة الواقع كما هو بلا تزييف بعد تاريخ من الرعب الذي شهده الكاتب العراقي، صار يطرح مواضيع أكثر جرأة ويفتح شرايين الواقع المرير لاسيما الصراعات الطائفية التي أثيرت بشدة خلال مرحلة اجتياح الجيش الأميركي للعراق، وتبعات الشتات العراقي في المنفى، حيث صارت روايات هذه المرحلة ترصد وتوثق الواقع المتشظي بالخراب والدمار النفسي، كالمخلوق الوحشي الذي صنعه خيال الروائي أحمد السعداوي في روايته الشهيرة "فرانكشتاين في بغداد".

 

وأيضًا في رواية "نساء زحل" للروائية والمترجمة لطفية الدليمي، التي ركزت في موضوعها على صراعات الطائفية والهجرة. وطشاري الشتات في نفسية العراقيين في الرواية التي تحمل عنوانها دلالتها الرمزية المكثفة "طشاري" للروائية إنعام كجه جي، ورواية " كيس أسود مخصص للأزبال" للروائي خضير ميري حيث  عرض تفاصيل الإعدامات في السجون العراقية ومحنة العراقي في زمن الطاغية ونظامه الإجرامي، وروايات الروائي والمترجم سنان أنطون، التي جسّت النبض العراقي بشفافية ورمزية عالية، وغيرها من الروايات.

 

 

ما بعد الاحتلال

وبعد مرحلة 2003 انبثق جيل من الكتاب الشباب، عايشوا مرحلة 2003 كأطفال على وشك البلوغ، وكمراهقين، شبّوا محملين بنضج ووعي على فجائع الحروب. من هذا المنطلق نستعرض تجربة الكاتب والقاص العراقي الشاب حسن أكرم، كاتب من مواليد بداية التسعينات، جيل من الكتاب الشباب الذين اغترفوا سير الحرب وحمّلوها كموروث. ربما لم يشهد بنفسه الحرب العراقية- والإيرانية، لكنه ولد في فترة دخلت بلاده في أزمة خليجية نتجت عنها عقوبات كارثية على الشعب العراقي بأكمله، وكأنه جاء ليأخذ حصته من الحروب التي أخذ كل من سبقه من أجيال حصتهم منه!

شبّ كمراهق حين سقط ممثل السلطة العراقية، واجتاح الجيش الأميركي العراق العام 2003. عن تلك الفترة تحديدًا، يتحدث السارد حسن أكرم في روايته الصادرة حديثًا عن دار الرافدين2020، تحت عنوان يحمل الكثير من التشويق "خطة لإنقاذ العالم".

إذا كان القاص حسن أكرم في مجموعته القصصية الأولى " كتاب الكوابيس"، يهرب من مواجهة الحرب ويستنكف عن عرض تفاصيلها الدموية ومدى بشاعتها على جيله أو جيل من سبقه، فإنه يتحدث عن الحرب لا كمأساة بل كملهاة، ويظل يتهكم على تفاصيلها، متجنبًا بذلك الواقع المحيط به من خلال اختراع أمور تشغلهم.

غير أنه في روايته "خطة لإنقاذ العالم" نضج كفاية، ليكون في مواجهة الحرب التي انهكته وانهكت عائلته ومن حوله، يقف أمامها كند وابن بار لها في الوقت نفسه، وصارت الحرب بكامل تفاصيلها النازفة قصته وقضيته كما هي قصة وقضية كل الأجيال.

 

من الواقع المعيش

يكتب الروائي الشاب روايته متّكئًا على شخصيات من الواقع المعيش يبرز أدوارها من خلال الأحداث التي تتكشف، مع العلم أن الأحداث في الرواية لم تأت كتتابع كرونولوجي، بل سعى إلى اختيار جوهر من الأحداث وجعلها تتوالى دون اعتبارات منطقية لا تقيس الحدث الفعلي بواقعيته بل بما تثيره في خيالات حلمية، تخدم غاية شخصية البطل في الرواية. ويبدو ذلك من سمات الكتابات العراقية التجريبية التي استحدثت في أواخر الثمانينات، مثلما أشار الناقد العراقي جميل الشبيني في دراسة نقدية له استعرض فيها ملامح التجريب في القصة العراقية القصيرة، معتبرًا أن كتّاب القصة العراقيون في نهاية الثمانينات خاصةً، انتقلوا بالشخصية القصصية من شخص يحاكي الواقع إلى "شخصية مجردة من الأوصاف، شخصية تنحو إلى تجسيد حلمي- فني يطمح إلى استشراف الشخصيات المحدودة في القصص الواقعية، ورفع رتبتها إلى شخصية تلائم القصص الرؤيوية التي تنحو إلى تأسيس مدن اليوتوبيا، أو البناءات الحلمية الأخرى".

الرواية يرويها بطل "طفل" محاط بهالة الحرب، تعيش عائلته على تفاصيل الحرب اليومية، وكأنها حدث اعتيادي. لوهلة تعتقد أن الرواية ستستعرض أحوال الحرب وتفاصيلها الدامية، غير أن البطل الصغير يخوض في تجربة مغايرة وفريدة من نوعها، بحيث اختار أن نسيان هذه الحرب، وشطبها من خارطة بلاده، من خلال وضع خطة لينقذ بها العالم، أي عالم يعني هنا؟ يعني بلاده العراق. فعالم الطفل هو وطنه، معتقدًا أن العالم- أي بلاده- حين تصفّي آخر جندي لديها، فإن حروبها ستنتهي.

يتيه الطفل حسن في تهويمات داخلية، يوثق بها صلته بالواقع وبمن حوله من خلال الانصات لأحاديث الآخرين في محيطه الحيّ عبر مسجل صغير قدّمه له والده حين أصبح في الصف الرابع الابتدائي.

 
خارج الزمن

وبهذا المسجل، يتنصت لمحادثات عماته في الجلسة العصرية، وسرعان ما يجد أحاديثهن مضجرة، فهن يطرحن أحاديث النميمة المعتادة عن زوج فلانة وخلافات الجيران وفضائحهم، رغم أن البلاد في حالة حرب. فزمن الرواية هو أثناء سقوط السلطة العراقية على يد الجنود الأميركان واجتياحهم لبلادهم، غير أن هؤلاء النسوة وكأنهن خارج زمن هذه الأزمة، كما لو أنهن اعتدن انكار ما يحدث حولهن، وعدم الخوض في كل ما له صلة بالسياسة والسلطة، بعد تاريخ مديد من التخويف والملاحقات، حتى ألفوا حالة الخرس الجماعي، وصار همهم هو اختراع واقع جديد ومختلف مهما بدت التحديات المحاطة بهم، فتحولوا ببساطة إلى شعب يريد أن يعيش، يعيش الحياة بكامل تفاصيلها مهما بدا واقعهم كارثيًّا!

لكن حين يموت عمه "الصافي" في حادث سيارة، يغدو المسجل الصغير هو أداة تواصل حسن مع هذا العم الميت. ومن خلال الحوارات المخترعة مع أولئك الأموات، يُعيد تقويض عالمه المهدّم، لاهثاً وراء غايته العظمى وهي إنقاذ العالم، ولكن كيف سيتم ذلك؟

 

يسعى حسن بدأب لينفذ خطته في إنقاذ العالم، من خلال تفاعله مع ما يحيطه، ومطاردة ما يسمعه من الكبار، ابتداءً من نصيحة جدته حين اختصرت حكاية جده الذي سعى بدوره إلى محاولة إنقاذ العالم:"إن أردت إنقاذ العالم، عليك أولا أن تحاذر على نقودك من التلف".

هذا الجدّ الذي اعتقد أن وسيلته لإنقاذ العالم تكمن في حماية أمواله من السرقة في وقت الحصار عبر طمرها تحت أرض حديقته، ولكن غاب عنه تغطيتها بأكياس بلاستيكية لتقيها من الأمطار أو من المياه الجوفية؛ لذا تحولت الى عجينة من ورق، فلم يتحمل ذلك وسقط ميتا قربها!

لذا اقتنع حسن أن المال لا يمكنه أن ينقذ العالم أو هكذا خيّل إليه، فراح يفتش عن طريقة ما لتنفيذ خطته من خلال محيطه، وقد سمع مرة جارته بائعة اللبن، تقول له أن أبناء الحب هم من سينقذون العالم. ثم سألته هل تزوج والده من أمه عن حب أم لا؟ والغريب أن قصة ارتباط والديه كانت في إحدى تلك الحروب التي جرت حتى صار الزمن مرتهن بتلك الحروب التي وقعت لاستعادة الذكريات.

ولأن حسن يقتنع أنه ولد عن حب، يسعى حثيثًا لتنفيذ خطته الهادفة إلى إنقاذ العالم، وفي خلال ذلك يشعر بأنه يجب أن يتمتع بكثير من الدهاء والمعرفة والخبرات وأن يكون كذابًا وشريرًا وخبيثًا كي يتمكن من تنفيذ مهمته، وعليه أن يخسر نفسه كي يكون منقذًا للعالم.

 تتبدى هنا نظرية الفيلسوف نيتشه التي طرحها في كتابه "ما وراء الخير والشر" حيث كان يحذر كل انسان يسعى إلى محاربة أعدائه قائلا له:"ليحذر ذلك الذي يحارب الوحوش من أن يتحول هو ذاته إلى وحش، وعندما تحدق في الجحيم سيحدق فيك أيضًا".

ويبدو أن النقاء في قلب طفولة حسن أعمق من أن تتشوه رغم كل سواد الحرب ورماده، لذا يستسلم في نهاية المطاف، موقنًا أن هذا العالم تالف بما فيه الكفاية ولا يمكن إنقاذه!

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/31/2026 2:25:00 PM
هل موقف بري الحازم والحاسم أتى لتوفير مظلة حماية للحكومة الحالية، أو لضمان حماية الحزب من نفسه ومن جموحه؟
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".