الرائدة سلوى بكر تنتصر للإنسان... روائيًا
كيف يمكن كتابة رواية أو قصة طويلة جامعة في متنٍ لا يتجاوز مائة وعشرين صفحة؟... وأن تكتب عملك وقد وفّرتَ له ما ينبغي من مقتضيات جنسه الأدبي، حبكاً جيدًا وسبكاً حسنًا وحملاً لمضمون وشحناً بدلالة قصوى ترسم التاريخ ووجه المجتمع وأزمة الفرد/ الجماعة في سياقهما في زمن عصيب ومحدد؛ لا، بل وتمضي أبعد بأن توفر لقارئك المتعة الخاصة يلتذ بها من حكاية شخصية تتحول تدريجًا إلى بؤرة جمعية ودائرة كلية تتحرك فيها الشخصيات والأحداث مجرد إشاراتٍ عابرة لأن للسارد قدرةً عجيبة على حياكة نسيج متعدد ومُلوّن الخيوط على نَولٍ واحد بأصابع سحرية يحكي لك وهو يزاول صنعته وهي تنسج البديع؟
ثم، ما بالك لو أن هذا الروائي/ أو الروائية أغنياك عبوراً في مسار سردهما بوفرة من المعلومات عن المعتقدات والطقوس الدينية والاجتماعية، والخبرات التربوية، وتشكيلة من المواد الحية في معيش الناس تخص مأكلهم ومشربهم وهندامهم وأذواقهم وأمزجتهم وانفعالاتهم وعاداتهم وثورتهم وانكسارتهم، وخصوصًا الانقلاب الذي يعتري الفرد في حياته بما يُخرجها من المعهود والمبتذل وينقلها إلى صعيد المطلوب رصده وتشخيصه دراميًا.
ستجد هذا عند روائية حاذقة ومجرّبة عارفة بأصول كتابة الرواية، وما تفتأ في كل عمل أن تبرهن عليه بهدوء وثقة خبير حنّكته الأيام والكتابة، وفي ما نحن فيه صناعة ما بين يديه: هي سلوى بكر. ليس من عادتي في الكتابة عن أي عمل استباقُه بتقديم صاحبه ولا وضع أكاليل الغار، لكن فعله هنا تحصيل حاصل، جدير بالتنويه يغني لاحقا عن كثير تفاصيل نحتاج إليها للتعريف والتذكير مع الناشئين، ولكي نلتزم الحذر فيوضعَ كلُّ دال ومصطلح في مكانه.
وهذا ما نتناوله من خلال رواية "فيلة سوداء بأحذية بيضاء" (دار دوِّن، 2022) للكاتبة المصرية سلوى بكر، التي تكتب القصة القصيرة (مجموعتها الأولى: حكاية بسيطة، 1979) والرواية ( أولاها: العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء، 1991).
وبين الإصدار الأول وآخر ثمرة ثمانية مصنف سردي يضع صاحبته دُرّة في عقد السرد المصري والعربي، علمًا بأنها من قليلات جدا لا يقربهن النقد بالتصنيف النسوي الضيق الفجّ.
أول إعجاز في الرواية أن تبدأ ب"معجزة" وتنتهي باللامتوقع كأنه معجزة ثانية، وبينهما سرد ما جرى في عقد من الزمن، من حصول الهزيمة المسماة نكسة 5 يونيو 1967 وما تلاها في مصر مباشرة من استقالة عبد الناصر ورحيله، للانتقال إلى عهد الرئيس "المؤمن" محمد أنور السادات، انتهاء باغتياله (6 أكتوبر 1981).
تُسرد وقائعُ الرواية ويقدمُ الفاعلون فيها رئيسيين وثانويين والتيمات المطروقة، وهي عدة، وخصوصا المحكية المركزية لشخصيتين أساسين يتبأّر حولهما السرد وانطلاقا منهما تُنسج خيوط الحكي وعناصر الصراع وإليهما ترتد، يمكن القول بالأحرى إنها شخصية المرأة (عفّت) هي العنصر الفاعل الإيجابي المحرك للثاني بل وللجميع حتى وإن بدا أنها سالب تتلقى أولا، إنما هي مهارة الكاتبة التي تصنع (بطلة) وتوليها في الوقت نفسه دور السارد، بما يفترض مسافة مع محاوريها وما ترويه.

اختلاط العيش
تبدأ الحكاية من لقاء صدفة بين عفّت وحسام، في شارع طومان باي في حي الزيتون في القاهرة، أثناء حادث مثير عرف تدافع السكان ليشهدوا ما قيل على لسان شهود عيان انه ظهور العذراء فوق قبة كنيسة الحي، الموصوف بتنوع ساكنته أجناسًا وأقاليم وديانات، واختلاط العيش ووحدته العابر للأعراق والعصبيات. تحول معجزة الظهور العَذرَوي إلى مسرح احتفالي تُعرض فيه أحوال السكان عائلاتٍ وإقاماتٍ وعلاقاتٍ وثقافاتٍ في الفترة المرصودة من نهاية الستينات، خلفيةً لما سيعتريها في المستقبل من تبدل ويلحقها من شَوْهات ذات طبيعة سوسيو ثقافية، ليمكن إقامة الفرق والنظر إليه موقعا ثالثا بين موقعي ما كان وما سيغدو أو أصبح. الشابان عفّت وحسام سبق أن التقيا في ميدان التحرير بمناسبة مظاهرة احتجاج شعبي على الطيارين الذين تسببوا في الهزيمة، وأنقذها هي ورفيقتها من كرباج العسكر. ها هما يلتقيان من جديد، هو طالب هندسة وشيك التخرج، وهي طالبة كلية رياضية، وتنعقد بينهما أواصر صداقة سرعان ما تتحول إلى حب ومنه إلى شراكة زوجية، ومع الزواج ينقلها إلى عالمه النضالي فهو عضو منظمة الشباب الاشتراكي، كثير القراءة والثوري في كل شيء. بينما هي فتاة محافظة اطلاعها محدود في مجلة "العربي" الكويتية يقتنيها أبوها، وتهوى الرقص، بينما أختها مدمنة مجلة "حواء" من أجل خياطة الموديلات، ويبدآن حياة متقشفة لكن حية مختلفة.

يقابل هذه الصورة، الاستهلال الإيجابي، لوحة كبيرة سلبية ترسمها الساردة الشخصية نفسُها عفّت حيث نرى زوجها وبطلها حسام في مفترق طرق بين حياتين وسلوكين، ينتقل وهو الموظف في المقاولات العامة إلى صف الانتهازيين، ثم إلى رعيل تنظيم سلفي يربط علاقات مع أفراد منه يدخلونه شريكا فيصبح ذا ثروة، وعلاقات وإقامة في السعودية، أهم منه التغيير الذي سيلحق سلوكه وأسلوب حياته من النواحي كلها ويمتد إلى زوجته يريد إخضاعها للنموذج الديني السلفي الذي انضوى فيه ويحدث انقلابًا جذريًا في تفكيرها ويوميهِّا وهندامها وهواياتها وعلاقتها بمحيطها، هو انقلاب لشخصية الزوج الثوري على ماضيه كله، وفي الجوهر، زلزال ضرب المجتمع بأكمله على امتداد حقبة الحكم الساداتية، تَبرَع الساردة في عرض وتشخيص مظاهر فساده في ميادين العمران والتعليم والحريات الشخصية والذوق العام.
وبدت سلوى بكر فيه لسان استنكار واحتجاج ضد ما لحق المرأة من قهر واستلاب لحريتها وتسخير للشريعة لإخضاعها، شاجبة ما تعاني منه النساء جرّاء مسطرة الطلاق، مصير لم تجد منه عفت بُدا، بعد أن طردها حسام الهمام الملتحي من البيت لرفضها أوامره بارتداء الحجاب والإسدال والتخلي عن العمل وقطع كل صلة بمحيطها القديم، وكأنه ينتقم منها مرتين بعد أن اكتشف لا عذريتها (ليلة الدخلة) بينما لم تعاشر أحدا قبله، عقدة لجأت إليها الكاتبة لمزيد تأزيم درامي، ولتضرب في الصميم بتساؤل جريء المفهوم المجتمعي الذي يقيم مؤسسة الزواج على أساس العذرية ما تسميه" الغشاء المبجل والمقدس" بخطورة مثلث برمودا"ّ!
لنُعد ترتيبَ الأولويات في هذه الرواية الصغيرة حجما، الكبيرة معنى، القوية دلالات. لنبدأ بسُلّم القيم في مرحلة تاريخية من حياة المجتمع المصري، وفي إطار عربي شامل ستتسع فيه رقعةُ الرِّدّة ضد التنوير وتهيمن الرجعية الدينية والمحافظة الفكرية ، بتعالق مع أنظمة سياسية بَنَت شرعيتَها على هذه الردة وقدمتها مشروعا مجتمعيا. عبر سيرة مفترضة لشابين يتحابان وينتميان إلى طبقة وسطى أقرب إلى الفقر، اختيار مقصود لتبيان أن هذه الطبقة تمثل غالبية الشعب الذي استفاد من ثورة 1952 وهاج وماج حين هزمت مصر، وهي المناوئة لإسرائيل، ممثلا في موقف حسام الذي زرع الوعي الوطني والقومي في رفيقة عمره وهو يخطب بأن:" تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني لن يكون إلا بوجود نظام وطني تقدمي"(ص36)؛ ومن خلال كتبه تعرفت عفت على جوركي، وإميل زولا، وبول إيلوار ونيرودا . هو نفسه الممثل لهشاشة هذه الطبقة وسرعة التأثير فيها لتحويلها انتهازية ووصولية، والرواية المصرية كتبت أهم عناوينها عن هذه الشريحة ومن خلالها رسم صيرورة مجتمع.
وفي سُلّم القيم أيضًا، مبدأ مراجعة الماضي بمحاسبة الثورة ونزع مثاليتها وقداستها في ذهنية شعبية ما لِما ارتكبته من أخطاء، حتى إن الكاتبة من خلال ساردتها تؤوّل الظهور المزعوم للعذراء بأنه "الموضوع المفبرك من عبد الناصر، بغرض تلهية الناس عن خيبة النكسة وضياع سيناء"(38)، ومهاجمة نظامه على لسان حسام الثوري قبل أن ينقلب رجعيًا، مقابل إعجاب عفت به تعتبر وجود عبد الناصر" أمرًا بديهيًا كشروق الشمس كل صباح" (48)، يرتبط بهذا استدعاء ماضي النصر بعد الهزيمة (6 أكتوبر 1973) ومعه استعادة العزة.

رؤية العالم
ثمة كثير من القيم الاجتماعية تمت الإشارة إلى اهتزازها، وإلى تفشّي الفساد والرشوة في المؤسسات، يأتي هذا عرَضا لا خطبة وتقريعا، وجزءاً من بانوراما رواية يمكن وسمُها بأنها أخلاقية بامتياز، أي مبنية على أساس إيتيكي وهذا قاعدتها الفكرية، ما يحتاج إليه الكاتب وينتسب إليه، فالرواية لا تكتب جزافا أو لنشحنها بقاموس من أحبك وحبيبي مليون مرة وبسيل الغثاثة. وسلوى البكر تصدر هنا وفي أعمال سابقة بوعي محدد عن رؤية للعالم تبثها وتتحكم في اختيار الموضوع والقصة والشخصيات ونوعية الصراع كله في سياق التاريخ. أي في زمن شراهة الناس للطوب والإسمنت المسلح وأزمة السكن والزيادة الجهنمية للسكان، وبيت القصيد: "حُمّى النزوح إلى بلاد النفط وجلب أمواله التي قلبت الحياة رأسا على عقب، ليصبح شعار الجميع: عش واستهلك على طريقة أهل النفط وحائزي أمواله وإلا فأنت الميت الحي" (72).
ويبقى الانتصار للإنسان من أرفع القيم التي تعليها الرواية بالدفاع عن حق المرأة كائنًا حرًّا لا بالهيئة التي رأتها عفت ونحن في خاتمة السرد: "ثلاث سيدات مغلفات بالسواد من أعلى الرأس وحتى الأقدام. فقط تطل الأحذية الكوتشي البيضاء أسفل كل هذا السواد" من هنا استعارة عنوان الرواية: "وكأنني أرى النساء وقد تحولن إلى فيلة ضخمة بأحذية بيضاء، ارتعبت وأنا أتذكر حسام وطلبه بأن ألبس النقاب وأصير كهؤلاء الفيلة السوداء" (125) وكما بدأت الرواية بمعجزة، ظهور العذراء، انتهت بمعجزة ، مقتل السادات، رمز الفساد ومرحلة.
هل انتهى كل شيء حقًّا؟ أظن، من حيث تنتهي الرواية تبدأ أسئلة كثيرة وكبيرة يمكن أن نطرحها عليها، منها، لماذا يتم استعادة هذه المرحلة روائيًا الآن، علمًا بأن هذا الجنس الأدبي متنه هو الماضي ليحقق موضوعيته اللصيقة به؟ إن الرواية هي الوعي بالزمن التاريخي أدبياً، وهذا أنضج ما يمكن أن يبلغه روائي إذا تيسر له تطويع فنه بما يحقق فرادة منظوره وتناوله،رهان آخر خاضته سلوى بكر باعتماد بناء كلاسيكي وأسلوب السهل الممتنع، لا حاجة لمن يملكهما لحذلقة أشكال متكلفة وسرود متاهات، ومن أجل ربح قارئ هو المبتغى.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض