بطلة كلير مسعود تختار العزلة في "طابقها العلوي"
يرى الكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا أن اختيار عناوين الكتب هي بمثابة انتقاء فستان لهذا الكتاب؛ بهذه الغواية ذاتها اندفعتُ مخترقة عوالم كلير مسعود، وهي كاتبة أميركية من أصل جزائري، ترجمت ثلاث من رواياتها باللغة العربية عن دار "روايات.
ويبدو أنّ الكاتبة كلير مسعود تميل إلى اختيار فساتين مُصممة بدقة وحذق لعناوين رواياتها، بحيث نراها لافتة للانتباه، وتحتمل الكثير من التشويق أيضا.
تضع الكاتبة أبطالها في حيّز متخيّل من الحياة، حياة تشي بالسكينة والرضى. تتماهى معها وتضمحل فيها، ولكن سرعان ما تصطدم بهشاشة هذا الواقع البائس، فتبدو تلك الشخصيات على طول الرواية مخذولة، مأخوذة بالتيه والوحدة والتشتت والفشل.
وفي الوقت عينه، تصاحبهم رغبة كامنة بالتخفي والاضمحلال الأبدي. فالحياة تكون مسدودة أمام بطلتها كايسي التي تختار الفرار، وبوتي الذي يدّعي أنه جثة واقعة تحت أنقاض أبراج انفجارات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، ونورا التي تستملكها رغبة جارفة في الاستحواذ على ما ليس لها... تضعهم كلير في حيوات مضغوطة تحت تأثير ايحاءات عناوين رواياتها.
ثلاث روايات
في روايتها "أطفال الإمبراطور" (ترجمة سلمى وْعمرو) العنوان الذي يرمز لحكاية معروفة لكاتب الأطفال الشهير هانس كريستان أندرسن، عن ملك يمشي عاريًّا في موكب حاشد يقع ضحية محتالين دون أن يجسر أحد من وزرائه ولا من الشعب على مصارحته بحقيقة عريه عدا طفل بريء لا يجيد لغة التملق فيتجرأ ويهتف ساخرًا بصوت مسموع وفاضح بأن الملك يمشي عاريًّا. بهذا الايحاء كتبت كلير مسعود روايتها، عن الإمبراطور الذي تعني به شخصية موراي ثوايت، ناقد شهير مقابل ابن أخته بوتي تاب الذي أتخذه قدوة له، غير أنه سرعان ما يكشف زيف هذه القدوة والمتملقين حوله وهشاشة واقعهم، وحين يتورط لا يملك سوى أن يتخفى بهوية تطمس ملامح ماضيه.

روايتها الثانية التي عنونتها بــ"الفتاة التي تحترق" (ترجمة الناقد السوري خالد الجبيلي)؛ تلقي الضوء على صداقة تجمع بين فتاتين منذ سن الطفولة جوليا وكايسي. بينما يشير الاحتراق هنا إلى ظروف الهجران التي تمس صلات اجتماعية تبددت في سن المراهقة عبر ظروف غامضة نوعا ما بين هاتين الفتاتين، فتتخذ كايسي دروبًا شائكة للانسلاخ من واقعها المخيب للآمال.

أما روايتها الثالثة، وكان لها تأثيرها النفسيّ البالغ عليّ، فحملت عنوانًا شديد الإيحاء وبعيد المدى في آن وهو "المرأة في الطابق العلوي" ترجمة الأردنية إيمان أسعد. فالمرأة في الطابق العلوي كما، أشارت المترجمة في هامش الرواية، تدلّ على الزوجة الأولى للسيد روشستر في رواية "شارلوت برونتي" للكاتبة جين إيرالتي كانت مجنونة وحبيسة العلية، وبات من الدارج ثقافيًّا الإشارة إليها بالمرأة في الطابق العلوي.

لكنّ بطلة الرواية نورا إلدريدج ليست مجنونة ولا حبيسة العلية، غير أنها حبيسة هواجسها وهوسها. امرأة في أوائل الأربعين من عمرها، عازبة، تعمل معلمة فنون للأطفال، تملك موهبة فذه تواريها بقدر ما تستطيع عن الآخرين، كأنهم حين يبدون اهتمامهم بها سوف يخترقون خصوصيتها.
تصمم بمهارة مذهلة غرفًا بأحجام أحذية صغيرة عن عوالم بطلاتها لاسيما الشاعرات المنعزلات والروائيات البائسات كإيميلي ديكنسون وفرجينيا وولف وغيرهن.
ماذا يمكن أن أقول عن المرأة في الطابق العلوي؟

مشاعر مضطربة
هي امرأة تستفزك لفرط حماقتها، وتجعلك مضطربًا حتى في أحاسيسك نحوها، تودّ في بعض المقاطع أن تضمّها بحب وتصارحها كم أنها طيبة لدرجة تدفعك للبكاء! وفي الوقت نفسه ترغب بحدة أن تتعارك معها وتهزّها بعنف علّها تفيق لهشاشة روحها!
نورا التي تدفعك إلى الحنق على نفسك وعلى من حولك وعلى العالم، تشقلب قناعاتك عن ذاتك، تشعرك كم أنها امرأة عاقلة تستشف حقائق محيطها! لكن سرعان ما تتعثر هي نفسها بالمطب نفسه، تتخبط بالأخطاء عينها، حتى عندما تكتشف كم كانت جاهلة ومستغلة من قبل من وثقت بهم وأحبّتهم حد الهوس تكتفي بلعنهم وكأنها على يقين بأن قلبها المغفل سيغفر آثامهم بمجرد ما يستعرضون ابتساماتهم العريضة!
هذه الرواية قد تجعلك مستغرقًا في مونولوغ مع نفسك، تتخبط في مشاعرك تجاه البطلة نورا؛ تودّ لو أنّ بإمكانك أن تتدخل لكي تُبدّل مصيرها، أن تكون صديقها المقربة لتسحبها من عوالم الطابق العلوي، هناك حيث تستعذب روحها بهواجسها المضطربة وتصوراتها المنفلتة. أو ربما أن تصرخ في وجهها، وتلطمها كي تعيدها إلى أرض الواقع، حيث يجب على المرء أن يتشبث بأشيائه الصغيرة، تلك التي تصنع فارقًا في أحلك لحظات التيه والضلال.
كم وددتُ، على المستوى الشخصي، لو أصرخ في وجهها وأخبرها أن عائلة شاهيد، أن والدا رضا، لاسيما أمه سيرينا ما هي سوى امرأة متملقة! تستغفلها، تستغلها، تصعد على لحم أكتافها. ما هي سوى كائن ميكافيللي حيث الغاية تبرر الوسائل بشتى نواياتها الرديئة منها خاصة!
كنت سأحكي لها عن بطل الكاتب الإيطالي كارلو كولودي، الذي دفعته وحدته القاتلة إلى صنع دمية خشبية تملي عليه وحدته حتى أنه من محبته الطافحة لهذا المجسم الخشبي صار حقيقيًّا، نابضًا بالحياة، بشريًّا.
ماذا لو ابتكرت كائنك البشري يا" نورا"؟ مجسماتك البارعة التي حاولت أن تنبض أمل الخلود لكاتبات كن هائمات في ملكوت الوحشة والعزلة في أزمنتهن أو حتى الاشتغال على أي مشروع فنيّ تقتاتين عليه، ترمين عليه حمولتك الثقيلة لامرأة تعاني من عطب الفراغ، تلك الوحدة التي صنعت منك وحشًا مهووسًا، لدرجة رغبتك المجنونة في أن تستولي على عائلة بكاملها، تعشقين بالقدر نفسه كل فرد منها، الابن والأم والأب، وفي سبيل الاستحواذ عليهم كنت على تمام الاستعداد على التضحية بحياتك، على الاستغناء الكلي عن ذاتك من أجلهم، أن تكوني قابلة للاستغلال والاستغفال من قبلهم!
كم يشابه مصيرك يا نورا، مصير "مدام بوفاري" بطلة الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير، التي دفعت باهظًا ضريبة خيالاتها المفرطة، غالت في خيالاتها في الخلط ما بين الأدب والحياة في عصر نبذ بشدة التمتع بالمتع الذهنية للطبقات الدونية، وحصر الأحلام والخيالات للطبقات الرفيعة، والفصل ما بين الأدب الراقي والمبتذل والشخصيات الرفيعة والسوقية.
"إيما" ليست سوى ابنة فلاح فقير تدفع ثمن سعي دمجها تلك الروايات الخيالية المفرطة التي قرأتها في الدير، ومحاولتها إلى خلق تكافئها في الحياة التي تعيشها مع زوج بائس يعمل طبيبا في قرية بائسة!
نورا إلدريدج، أنت الوجه الآخر ل "إيما بوفاري" غاليت في خيالاتك عن عائلة تلميذك رضا؛ لكن المجتمع الأمريكي ليس كالمجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر، هو مجتمع يقدس الحريات، ولا تعنيه خيالات المرء مهما دفعت به إلى التهلكة أو الجنون، لذا يا نورا، دفعت ثمن هوسك حين اكتشفت في نهاية الرواية كم كنت امرأة حمقاء ومغفلة، حياتها تبددت سدى!
حتى حريتك الشخصية، لحظاتك الحميمة مع نفسك، صارت مخترقة من قبل الآخرين ومفضوحة أمام العيان.
لقد ضعت يا نورا في عتمات روحك البائسة راضية مرضية، وما عاد غليان روحك على العالم يجدي نفعًا.
نبض