8 مسرحيات صينيّة تعكس تنوعاً درامياً خصباً
تكمن أهمية كتاب "مختارات من المسرح الصيني الحديث" (الصادر ضمن سلسلة "آفاق عالمية"، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة في القاهرة)، في أنه يسلط الضوء على جانب مهم في الثقافة الصينية التي لا يعرف القارئ العربي عنها كثيراً.
يضم الكتاب ثمانية نصوص مسرحية، لسِتّة كتّاب صينيين، تولّى فريق من المترجمات المصريات نقلها إلى العربية، تحت إشراف المترجم والأكاديمي محسن فرجاني.
وكتب فرجاني، وهو يعمل أستاذًا مساعدًا للغة الصينية في كلية الألسن في جامعة عين شمس، مقدمة طويلة تصدّرت الكتاب وشغلت 86 صفحة من إجمالي صفحاته البالغ 447 صفحة من القطع الوسط.
وقد لاحظ فرجاني أن أي محاولة لترجمة نص درامي صيني حديث، ستجد نفسها مطالبة، تقريبًا، بالرجوع المستمر إلى الأوبرا الكلاسيكية، تاريخًا وفنًا وتقنيات وأدوات ووسائل فنية، وحضورًا جماهيريًا، وطاقات تواصل، ورموزًا ودلالات، مثلما ستكون مصغية بتقدير بالغ إلى أهمية عملية التنوع الخصب في المواد الدرامية وطرق التعبير عنها. كما لاحظ فرجاني أن الحركة المسرحية الصينية الحديثة وُصفِت بغلبة عنصر الأيديولوجيا السياسية عليها؛ لدرجة أنها أصبحت بديلًا من الشخصية الفنية الأصيلة للدراما، بوصفها شكلًا تمثيليًا ذا صبغة فنية جمالية بحتة، وأن وظيفتها كوسيلة للإمتاع قد تراجعت وراء مهام التوجيه الأيديولوجي. وهو وصف يرى فرجاني أنه يبدو إلى حد ما صادق التقدير، معقول النظر، بيد أنه يغفل درجة التعقيد التي تصبغ العلاقة بين السياسة والفن المسرحي الصيني على صعيد تطوره، ويتجاهل المنظور المناسب لتقدير خصوصية هذه العلاقة.
الفترة الحاسمة
ويرى فرجاني أن الستينات من القرن الماضي، كانت فترة حاسمة في تجربة تطور المسرح الصيني الحديث، واختبار قدرة الأوبرا التقليدية على البقاء، ليس فقط في المنطقة التي تمثل ثقافة السهول الوسطى الصينية بتراثها العميق المتشح برداء الصرامة والجدية، بل حتى في المناطق التي تمثل امتداد تلك السهول وانفتاحها نحو المحيط، أقصد منطقتي هونغ كونغ وتايوان، إذ تقع نقاط الاتصال الحميمة، جغرافيًا وطبيعيًا، بين الأدب الصيني والأجنبي عمومًا، والغربي خصوصًا، فهنا تقع منطقة الأسواق المالية ومراكز التجارة العالمية، والالتقاء مع الأجنبي العابر منذ وقت مبكر من العصر الحديث، بل في العصر القديم أيضاً. ويضيف فرجاني أن الحركة المسرحية كانت قد توقفت في منطقة تايوان عقب حوادث 28 شباط (فبراير) 1947، حيث فُضّت انتفاضة جماهيرية بالقوة الغاشمة، بينما كانت خشبات المسرح تعرض مسرحيتين تضمنتا أسبابًا لإثارة الجماهير؛ وهو ما كان له أثر في تجميد حركة الفن المسرحي. ظل الأمر على هذه الحال حتى عام 1949 عندما انسحب الحزب الوطني الحاكم وقتئذ إلى تايوان وفي معيته عدد من فناني مسرح البر الصيني الكبير، فأولئك هم الذين ملأوا الفراغ القائم في تلك الأيام، وحملوا معهم تجارب التطور المسرحي وأدواته، بل لهجته الشمالية وعروضه الترفيهية التي كانت مخصصة للجنود على الجبهات، ولو أن أسبابًا حالت دون تعميق هذا التأثير القادم من الصين الأم، ومنها اختلاف اللهجة، وأن المنطقة كانت تتبع خطًا مناوئًا للحزب الشيوعي حينئذ. ورغم رواج الأدب المكتوب، شعرًا ورواية، فقد احتجبت الأعمال الدرامية بسب الحظر، لكن مسيرة تحديث المسرح استمرت دون أي توجه أيديولوجي، بل دون اكتراث باتجاه الدراما الواقعية.
![]()
طفرة تحديثيّة
وفي ما بين ستينات القرن وسبعيناته، شهد المسرح الحديث، في تايوان، طفرة في مستوى تحديثه، من حيث الأداء والمحتوى، وطفرة في تحويل أعمال أدبية إلى المسرح، خصوصًا في شقه التجريبي. وعمومًا شملت ضرورات تحديث المسرح الصيني أطراف البلاد وإن لم يسلس لها المسار، حتى في المناطق التي تقع، بحكم الجغرافيا والاتصالات التاريخية البحرية، على خطوط اتصال قريب ويكاد يكون مباشرًا بالحضارة الغربية ومنتجاتها السلعية والفكرية، سوى أنها شهدت في الستينات نضج التجربة وتفتح آفاق التطور، بحسب تقديم فرجاني. وبدرجة ما، يمكن القول - يضيف فرجاني - إن ستينات القرن الماضي، كانت سنوات نهوض المسرح الحديث في هونغ كونغ، وقد مهدت لتأسيس فرقة مسرحية على مستوى متطور في النصوص والعروض. أما مرحلة ثمانينات القرن نفسه وما بعدها وصولًا إلى اللحظة الراهنة، فقد اتسمت بدايتها بانتقاد الطابع السياسي والتاريخي الذي كان غالبًا على الدراما. ثم جاءت الخطوة الانتقالية في طريق تطور الرؤى الدرامية الصينية الحديثة عند "فترتها الجديدة" هذه. وكانت المناقشات تفتح الباب لخوض تجربة إبداعية لم يسبق لها مثيل، اقترنت بحركة ترجمة نشيطة للتجارب الفنية في المسرح الغربي، ما أتاح للمسرحيين الصينيين الاستفادة من اتجاهات المسرح العالمي الحديث والمعاصر (خصوصًا في نقده للاتجاه الواقعي) مثلما استوعبوا أفكارًا تواكب العصر. وظل المسرح الصيني حتى الحقبة الأخيرة من القرن العشرين، يلتقي وتيارات المسرح الغربي. ومع تقدم الصين الاقتصادي كان هناك من أسهموا في صياغة اتجاه مسرحي حديث ذي طابع صيني متميز.
جائزة نوبل
وفي مسيرة التأثر المباشر بالغرب أو الإبداع بطابع متفرد، يبرز اسمان يلفتان النظر لأهمية دورهما، الأول هو المسرحي والروائي والفنان التشكيلي كاوشين غيان، والثاني هو المخرج المسرحي لين غاوهوا، فلكل منهما دوره في دفع تطور المسرح الصيني الحديث أثناء حقبتي الثمانينات والتسعينات، كما يؤكد فرجاني. ذهب أولهما إلى فرنسا، أما الثاني فقد بقي في بلاده مواصلًا جهوده في التحديثية، لكن إسهامه لم يصل إلى مستوى زميله. حصل كاوشين غيان عام 2000 على جائزة نوبل في الأدب، ورغم أن فوزه كان عن كونه روائيًا، إلا أن حيثيات ذلك الفوز نوهت بكونه مسرحيًا مجددًا، وأشارت إلى مسرحيته "إشارة الخطر"، إذ جعل من خشبة العرض موقعًا مكشوفًا يتيح للجمهور رؤية المشهد من زواياه الأربع، بما يمكن من ملاحظة دقائق الحبكة الدرامية بتفاصيل عناصرها من الموسيقى والصوت والإضاءة، ويتيح للأداء التمثيلي فضاءات ثلاثة موزعة بين مساحة الواقع ومجال التصور. كما نوهت بأبرز إنجازاته على مستوى الشكل وهو تحطيم "الحائط الرابع" ونمط الأداء التمثيلي المنسوب إلى ستانسلافسكي، مما كان له أثره في انتشار عروض "المسرح الصغير" في مختلف أرجاء الصين في منتصف الثمانينات.
ويضم الكتاب مجموعة من المسرحيات ذات الفصل الواحد، تعكس تنوع المادة الدرامية، ومسألة الرجوع المستمر إلى الأوبرا الكلاسيكية، بحسب محسن فرجاني. مسرحية "المسافر" لرائد الأدب الصيني الحديث لوشون (1881 – 1936) وقد نشر نصها للمرة الأولى عام 1925 وتعد هذه المرة الأولى التي يترجم فيها هذا العمل إلى اللغة العربية (ترجمته رانيا فتحي). مسرحية "ليل اصطياد النمر" وهي لأحد أهم ثلاثة مسرحيين أقاموا أسس الدراما الصينية الحديثة، وهو تيان هان (1898 – 1968). ويقول فرجاني إن قيمة الترجمة التي أنجزتها سارة عزت لهذه المسرحية تتبدى في أنها إحدى أهم الكتابات المميزة من دراما الفصل الواحد الحديثة، لمبدع اشتهر أساسًا بكتاباته للمسرح الكلاسيكي. ظهرت هذه المسرحية للمرة الأولى بالصينية عام 1931.
مسرحية "زهرة التانغ دي" للكاتب كو مورو (1892- 1978) ترجتها دينا التهامي، باعتبارها إحدى الركائز في ميراث الدراما الحديثة في الصين، علمًا أنها نشرت في لغتها الأصلية عام 1941. مسرحية "اخفض صوتك" للكاتب تشِن ليتينغ (1910- 2013) نشرت في 1931، وترجمتها رانيا فتحي. ثلاثة نصوص مسرحية لدينغ شيلين (1892- 1974) الأول "بعد الثمالة" ترجمته بسمة طارق، والأصل منشور عام 1925، ثم "الظلم" بترجمة أسماء مصطفى عيطة والأصل منشور عام 1926، و"الأعور" ترجمة ياسمين شورى والأصل منشور عام 1927. ومسرحية "موقف الباص" لكاوشين غيان (1940) ترجمتها ياسمين شورى، في سياق فكرة إعادة اكتشاف مؤلفها كرائد مسرحي بعدما أبرزته جائزة نوبل ككاتب روائي.
أهمية مواصلة الترجمة
ويقول فرجاني إن نسق اختيار هذه النصوص وكتابها ينطوي على مواصلة تقديم أعمدة المسرح الصيني الحديث، في ضوء أن ما وصل إلينا منه نحن العرب في ترجمات مباشرة أو وسيطة توقف عند أول السبعينات، ومن ثم كان لا بد من متابعة تطور هذا المسرح كتابة وعروضًا. أما في ما يتعلق بالمسرح الصيني الكلاسيكي، فإن فرجاني يؤكد أنه لا يعرف ترجمة أضافت شيئًا إلى المكتبة العربية من نصوصه، إلا ترجمة بهي الدين زيان لمسرحية "الفتاة ذات الشعر الأبيض" الصادرة عن "دار الكتاب المصري" عام 1957، وهي للكاتب هوشنغ شي. أما الكاتب المسرحي الصيني الأكثر حضورًا عبر الترجمة إلى العربية فهو تساو يو، وأصدرت سلسلة المسرح العالمي الكويتية له عملين هما "عاصفة رعدية" 1970، و"شروق الشمس" 1986. كما أصدرت وزارة الثقافة السورية له مسرحية "أهل بكين 1940". أما آخر نصوصه المترجمة إلى العربية فنشرتها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) عام 2012 تحت عنوان "البرية".
وأخيرًا، لاحظ فرجاني أن من يتابع أنواع الأوبرا التقليدية منذ نشأة الدراما الكاملة في عصر يوان، أي نحو القرن 14 الميلادي، حتى أول القرن العشرين، يجد تنوعات هائلة، سواء في أنماط الأداء أو الأدوات الفنية، أو المضامين، أو الأقسام المختلفة للمسرح حسب الطبيعة المحلية، التي خضعت لطبائع الأقاليم، جغرافيًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا، إلى أن تضافر منها جميعًا "المسرح الوطني" بوصفه تمثيلًا جامعًا للأوبرا الصينية الكلاسيكية.
نبض