28-03-2021 | 19:31

"بساتين البصرة"... رحلة بين زمن المعتزلة والراهن العربيّ

بدأبٍ واضح، تستمرّ منصورة عز الدين في الحفر بحثًا عن تقنيات سردية مختلفة في كل عملٍ من أعمالها. وفي أحدث أعمالها الأدبية "بساتين البصرة" (دار الشروق)، تقدم مغامرة سردية جديدة تعود فيها إلى التراث العربي القديم، مشيدة بينه وبين السرد المعاصر والواقع المعاصر بالتالي، جسرًا خياليًا على متن مخطوطٍ افتراضيّ عتيق لا يعلم القارئ أهو حقّا مخطوط له وجود حقيقي أم أنه محض خيال. من المفترض أنّ كاتب هذا الكتاب هو مالك بن عدي النساخ، واحد من تلامذة واصل بن عطاء، صديق الحسن البصري الذي اعتزل مجلسه مؤسّسا ما عرف بمذهب المعتزلة لاحقًا، والذي تعود إليه أغلب الأفكار العقلانية في التراث العربي الإسلامي، والذي وجد معارضة من فرق ومذاهب أخرى. هذا الجسر الافتراضي يقدّم متن العمل كمضمون، أما التقنية السردية كما تقترحها الكاتبة فهي منح أبطال العمل، في الزمنين الماضي والآني، أصواتًا.
"بساتين البصرة"... رحلة بين زمن المعتزلة والراهن العربيّ
Smaller Bigger

 

بدأبٍ واضح، تستمرّ منصورة عز الدين في الحفر بحثًا عن تقنيات سردية مختلفة في كل عملٍ من أعمالها. وفي أحدث أعمالها الأدبية "بساتين البصرة" (دار الشروق)، تقدم مغامرة سردية جديدة تعود فيها إلى التراث العربي القديم، مشيدة بينه وبين السرد المعاصر والواقع المعاصر بالتالي، جسرًا خياليًا على متن مخطوطٍ افتراضيّ عتيق لا يعلم القارئ أهو حقّا مخطوط له وجود حقيقي أم أنه محض خيال.

من المفترض أنّ كاتب هذا الكتاب هو مالك بن عدي النساخ، واحد من تلامذة واصل بن عطاء، صديق الحسن البصري الذي اعتزل مجلسه مؤسّسا ما عرف بمذهب المعتزلة لاحقًا، والذي تعود إليه أغلب الأفكار العقلانية في التراث العربي الإسلامي، والذي وجد معارضة من فرق ومذاهب أخرى.

 

 هذا الجسر الافتراضي يقدّم متن العمل كمضمون، أما التقنية السردية كما تقترحها الكاتبة فهي منح أبطال العمل، في الزمنين الماضي والآني، أصواتًا.

 

زمن المعتزلة

تأتي كل مجموعة أصوات في قسم منفصل له عنوان، وبهذا فإن القارئ ينصت إلى أصوات قادمة من البصرة في زمن المعتزلة، فنسمع واصل بن عطاء، والنساخ مالك بن عدي، وكذلك صوت يزيد بن أبيه، وهو ليس زياد ابن أبيه الشهير في التراث، بل شخصية يشار إليها بأنها أًهملت في المرويات، وهو خواص (يعمل في عمل أشكال من خوص النخيل) من البصرة، أو يزيد بن أبيه الخواص البصري كما يصف نفسه، ويأتي هذا المخطوط ليحيي سيرته.

ينطلق النص من الراهن المعاصر، عبر شاب يبدو مغرما بالكتب والمخطوطات القديمة، ولكن ليس هذا فحسب، ففي مساحة ما من وعيه، تتردد في أعماقه خواطر ومشاعر لا تفسير منطقيا لها، إذ يساوره إحساس غامض بأنه كان كتابا في زمن ما، وبالتحديد مخطوط لكتاب تفسير الأحلام لابن سيرين، وأن روحه بعد أن فارقته دفن تحت شجرة في مكان قريب من نهر الفرات.

 

 ثم ينبثق للحياة مرة أخرى، هذا تصوره على الأقل، بعد قرون في مدينة المنيا المصرية ليغدو هشام خطّاب، المهووس بجمع الكتب القديمة، الذي يعيش الواقع المعاصر مع أمه ليلى التي تبدو الحياة بالنسبة لها شقاء تام، وحياتها كما يراها هو ليست إلا حلقة من اجترار الشقاء والبؤس والشكوى منها، بعد أن هجرهما الأب المتيّم بسيرة بني هلال وعاش لفترة من حياته منشداً.

 

محكيات تراثية

هذه الكينونة الثلاثية في حد ذاتها، (هشام خطاب - يزيد بن أبيه – كتاب الأحلام) تبدو كما لو أنها بناء سردي رمزي لشخصية ورقية، كما يصف ماضيه، في حياة أخرى ربما، تحيل على الرؤى الصوفية والحلول، وكذلك على الكائنات الأسطورية التي تتجلى في المحكيات الأسطورية أو التراثية التي يشيع فيها وجود أشخاص لهم كرامات يظهرون في أكثر من مكان في نفس الوقت، لكن هذه القدرات الخارقة بشكل ما مرتبطة بالمعرفة، التي ترمز إليها قدرة رؤية مكانين في الوقت نفسه.

هشام خطاب، دارس العلوم، العاطل وبائع الكتب القديمة قد يكون كل هؤلاء، وقد لا يكون سوى الكيان المعاصر، أو قد يكون هو يزيد بن أبيه في حياة أخرى، في ماض بعيد في البصرة. قريبًا من شيخه واصل بن عطاء الذي يحفظ عنه خطبه الشهيرة التي عرفت ببلاغتها وخلو كلماتها من حرف الراء بسبب لثغة ابن عطاء وتجنبه لكشفها لأحد.

 

يقول هشام: "في لحظات شكي، أذكر نفسي بأنني لم أزرها قط، لم أخط في شوارعها، ولم أقترب من سكة المربد، أو أنعم برؤية بساتينها وأفقها ولا أعرف حتى إن كانت عامرة بالياسمين أم لا! غير أني أعود ليقيني بأن الزمن نهر سيال والمكان وهم. مكاننا الحقيقي موطن أرواحنا، وروحي عالقة هناك في المدينة القديمة قبل خرابها اللاحق خلال ثورة الزنج".

ومرة أخرى يكون كتاب "سيرة الأحلام" الذي يراه بين يدي فتاة تجمعه به صدفة تسبب فيها زحام قاتل بسبب موكب رئاسي، فيرى بين يديها الكتاب ويعتبر تلك علامة على أن شيئا ما سيجمع بينه وبين الفتاة التي يسميها بيلا، بدلا من اسمها الحقيقي ميرفت.

يتصفح الكتاب بعد استئذانها حتى تقع عيناه على حلم يعرفه جيدا عن ملائكة تجمع الياسمين في بستان في البصرة.

 
 

 

عبق التاريخ

عالم معاصر يبدو متعلقا بتراثٍ ماضٍ، لم يعد باقٍ منه عبر الزمن سوى عبق التاريخ، والأطلال، كما لو أنه يكرر أخطاءه، والبشر فيه متماثلون، في خطاياهم، كما في مشاعرهم وأحاسيسهم ووعيهم. يكررون الأخطاء نفسها، ويعيشون المأزق الوجودي ذاته، وتباغتهم نزوات أرواحهم فيغدون كيانات بلا إرادة أو قدرة إلا على الانسياق لنوازعهم ثم يفيقون على حقيقة ما اقترفت أيديهم حين تصحو عقولهم من مخدر الغريزة؛ "فالزمن نهر سيال والمكان وهم، مكاننا الحقيقي هو موطن أرواحنا".

والسير التي أهملها التاريخ، غالبًا ما يهملها لأنه لا يحتفي إلا بسيرة المنتصرين، وقد انتصر مالك بن عدي النساخ على يزيد بن أبيه وفق السيرة التي يتبناها النص، يتصادقان على حب المعرفة ومجالس العلماء وخصوصا شيخهما واصل ابن عطاء الذي يعتزل مجلس الحسن البصري فيتبعانه، ثم يخفي كل منهما سرّا، وتدور جريمة قتل، ويصبح أحدهما مغدورا قتيلا، فيبدو لمن يعرف هذا الجانب الوحيد من القصة أن ملاكا بريئا وإنسانا متدينا قد راح ضحية الغدر والمكر، لكن النص وعبر الأصوات المتعددة يكشف لنا كيف أن ما قد يبدو لنا بريئا يخفي جانبا متناقضا، ومجرما أحيانا. لينبهنا للدور الأهم والأخطر في تاريخ السرد الروائي. رؤية العالم من مواقع مختلفة ومتباينة لأن الحقيقة لها وجوه عديدة.

 

وهكذا فإنّ سيرة هشام خطاب وبيلا والرجل المريض بالريبة، الذي هو أيضًا بشكل ما، شيخ هشام خطاب وقدوته، المهدّد بالقتل من قبل المتطرفين بسبب أفكاره المتحررة في علوم الدين، العالم بالمخطوطات والمعارف القديمة، هي بشكل ما انعكاس أيضا لتعقيدات سيرة يزيد وزوجته مجيبة ومالك بن عدي النساخ.

 

نرى صورة هشام خطاب كمثقف يبحث عن المعرفة، يعيش بين الورق والمخطوطات في الحاضر، ويتماهى في حلمه مع زمن قديم، لكنه الوجه الآخر له وتناقضاته لن نعرفها إلا بصوت بيلا، أو ميرفت، حتى تؤهلنا لنعرف الصورة الكاملة له كقاتل أو مجرم أيضا.

"بساتين البصرة" هو نصّ مركب، مصنوع بإتقان، مغامر، متعدد الأصوات، لكل صوت نبرته التي لا تشبه غيرها، تعبّر كل منها عن زمن صاحبها، وعن نوازعه الشيطانية والملائكية معًا. يتنقل بسلاسة بين زمنين، وبين نوازع بشرية وهواجس تكشف جانبًا من التاريخ الروحي لقلق البشرية ومآزقها وتناقضاتها وتصوراتها حول الوجود والحقيقة والأوهام.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 5/13/2026 7:34:00 PM
يأتي انتشار الفيديو مع تراجع الآمال في تسوية وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.
لبنان 5/13/2026 12:30:00 PM
ماذا نعرف عن نهر الليطاني؟ وكيف تحوّل من مجرى مائي إلى اختبار مفتوح لحدود السيادة في لبنان المعاصر؟
لبنان 5/13/2026 7:33:00 PM
هافن برنابا، ابنة الأعوام الستة، توجه من مركز إيواء في المنصورية رسالة مؤثرة إلى رئيس الجمهورية تختصر وجع قرى الجنوب الحدودية وحنين أهلها إلى العودة