28-02-2022 | 23:47

البريطانية رينوار وين... من متشرّدة إلى كاتبة مرموقة

​ بينما أسير في شارع القصر العيني في القاهرة، وصولًا إلى ميدان تمثال النهضة، مرورًا بجسر جامعة القاهرة في ساعة متأخرة من الليل، أمسيت أحصي النائمين على جانب الطريق الذي أسير عليه، مغفلًا من هم نائمون في العراء على الضفة الأخرى، فوصل العدد إلى 29 شخصًا ثم توقفت عن الإحصاء عامدًا لأني رأيت أن اختصار هذه المآسي في كونها مجرد أرقام هو عمل غير إنساني.
البريطانية رينوار وين... من متشرّدة إلى كاتبة مرموقة
Smaller Bigger

 

بينما أسير في شارع القصر العيني في القاهرة، وصولًا إلى ميدان تمثال النهضة، مرورًا بجسر جامعة القاهرة في ساعة متأخرة من الليل، أمسيت أحصي النائمين على جانب الطريق الذي أسير عليه، مغفلًا من هم في العراء على الضفة الأخرى.

بلغ 29 شخصًا ثم توقفت عن الإحصاء عامدًا لأني رأيت أن اختصار هذه المآسي في كونها مجرد أرقام هو عمل غير إنساني. كانوا موزعين بين مراهقين وشباب، وسيدات تجاوزن الأربعين وشيوخ غالبيتهم يلتحفون أغطية تدل على أن الشارع مسكنهم منذ أمد بعيد، وبعض آخر كان مبيته في الشارع مؤقتًا الى أن يُفتح باب الزيارة في مستشفى القصر العيني، ممّن وفدوا من أقاليم بعيدة عن القاهرة وليس معهم ما يستأجرون به سكن ليلة أو ليلتين.

كل واحد منهم يملك قصة مختلفة عن الآخر عادة ما يخلصها الناس في قصة واحدة سلبية وينظرون إليهم باشمئزاز ولا يفضلون الحديث أو التعامل معهم. ففي ظنّهم أنّ الإدمان والاضطراب العقلي والحياة غير المستقيمة هي التي تدفع هؤلاء الى النوم في الشارع.

وفي الحقيقة، قد تكون هذه من أقلّ الأسباب التي تحوّل هؤلاء إلى أناس بلا مأوى. وهذا تحديدًا ما تناقشه الكاتبة البريطانية رينور وين في روايتها "درب الملح" (ترجمة حنان مظفر، عالم المعرفة).

تعالج الكاتبة قضية المشرّدين عبر قصة حقيقية عاشتها حين وجدت نفسها هي وزجها في الخمسين من عمريهما بلا مأوى، وحيدين في البرية. وتعد هذه الراوية هي الكتاب الأول لها، وقد صدرت في العام 2018 وكانت من الأكثر الروايات مبيعًا في المملكة المتحدة في عام 2019، ورشحت للعديد من الجوائز الأدبية في فئة السير الذاتية، وحصلت على جائزة كريستوفر بلاند التابعة للجمعية الملكية للآداب، ونشرت رينور في 2020 الجزء الثاني من رحلتها التي بدأت منذ عام 2013 بعنوان "الصمت البري" فبعد الأزمة التي عصفت بها وزوجها بدأت بالكتابة عن رحلتها.

 

معايشة المكان

قامت المترجمة حنان مظفر، كما تكشف في مقدمة الرواية، بمعايشة المكان الذي دارت فيه الأحداث مما منح الترجمة قدرة أكثر على إيصال السياق الجغرافي والنفسي والاجتماعي الذي درات فيه ونقلها إلى لغة عربية تسمح للقارئ أن يعايش تفاصيل الرحلة بصدق.

أشارت أيضًا إلى أنها ترجمت أجزاء من هذه الرواية أثناء قيامها برحلة على الأقدام إلى ربوع أيرلندا لمدة عشرة أيام، مشددة على أن رحلتها لم تكن كالتي قامت بها موث ورينو، بل كانت برفقة ابنها الشاب الذي يحمل عنها ما يثقل عليها من أغراض، وكانت تستريح كل ليلة في نزل مريح لتستحم وتتناول وجبة لذيذة متكاملة، يليها السبات على فراش دافئ.

ورغم أنّ هذه التفاصيل تُعاكس تمامًا رحلة البطلين الحقيقين، سمحت الرحلة للمترجمة معاينة بعض المشاعر التي حكت عنها الرواية مثل قسوة الطبيعة والعواصف التي لا تنقطع، النباتات التي وصفتها في رحلتها والأبنية التي مرت عليها.

 

نكبة عاصفة

تتناول الرواية حكاية زوجين، رينور وين وزوجها موث، تعرّضا لنكبة كبيرة في كبرهما على إثرها فقدهما المنزل الذي كانا يعيشان فيه بسبب خيانة صديق لهما. لكنّ المحكمة لم تنصف الزوجين ولم تقبل بالأرواق التي قُدمت إليها لتثبت زيف دعوة صديقهما الخائن. وعلى إثر ذلك يجد الزوجان نفسيهما بلا مأوى، فتقرر الزوجة أن تصطحب زوجها الذي يعاني من مرض خطير وهما في الخمسين من عمريهما في رحلة طويلة على درب الساحل الجنوبي الغربي الذي يمتد لمسافة 630 ميلًا أي أكثر من 1000 كيلو متر على الأقدام في طريق وعر، من دون وجود أموال معهما تعينهما على الرحلة التي قررا خوضها بعدما فقدا كل شيء، بما فيه البيت والأموال.

في طريقهما تتجلى أمامها المصاعب التي يعاني منها المشردون ونظرة المجتمع إليهم، وهنا تتجلّى أهمية العمل.

تبدأ الرواية من نقطة متأزمة تبدو وكأنها النهاية لحياة أسرة كانت تريد عيش ما تبقى من أيامها في دعة بعدما أنفقت شبابها في امتلاك البيت الذي جردت منه بغتةً ومن دون أيّة رحمة. ومع انفصال ابنيهما عنهما، فجأة تنقلب الحياة رأسًا على عقب ويضطر الزوجان البدء من جديد، فيقرران الترحال من أجل نسيان ما وقع عليها من أضرار نفسية قاسية، بدءًا من فقدان السكن وصولاً الى الفقر والكبر والمرض والقهر وقلة الحيلة... إلا أنه خلال هذه الرحلة يستطيعان التكيف مع الطبيعة والحياة من جديد والتعرف على ذواتهما، ليتولّد الأمل من رحم اليأس ويصنعان معًا نمط حياةٍ أفضل.

 

تحولات نفسية

ترصد الرواية التحولات النفسية والرؤية المغايرة لعالم المشردين، والنظرة الدونية من قبل معظم الناس لمن هم دون مأوى على اعتبار أنهم يدمنون الكحول أو يتعاطون المخدرات أو يعانون من مشاكل عقلية. ولذلك هناك الكثير من القوانين في بريطانيا التي تتيح معاقبة من هم بلا مأوى على اعتبار أنهم خطر على السلم المجتمعي، دون الوضع في الاعتبار أن هناك أسر أجبرتها الظروف والأزمات الاقتصادية كالتي عصفت في العالم في عام 2008، ما أجبرتهم الى التحوّل من أصحاب منازل إلى مشردين في الشوارع، هم وأسرهم، من دون مساعدة حقيقة من الحكومات لحل مثل هذه الأزمات الآخذة في التفاقم.

من هنا، ترصد رينور الإحصاءات المتعلقة بعدد المشردين في بريطانيا عام 2013، ليتبيّن أنّ في ذلك العام، ووفقًا لمؤسسة التشرد الخيرية، هناك ما لا يقل عن 280000 أسرة بلا مأوى أو على وشك أن تصبح كذلك في المملكة المتحدة، وذلك هو عدد من طلبوا إدراجهم على أنهم بلا مأوى فقط، علماً أن الإحصاء ينحصر في تعداد الأسر لا الأفراد الذين يشكلّون أضعاف هذا الرقم.

تنقل رواية "درب الملح" صورة مغايرة للصورة النمطية عن مفترشي العراء موصلةً رسالة أنّ هؤلاء الناس، مهما كان وضعهم أو الأسباب التي أدت إلى كونهم على هذه الحالة، هم جديرون بالمساعدة.

وهذا ما تؤكد عليه الكاتبة من خلال الكشف عن تبدل تعامل الناس معها ومع زوجها عندما يعرفان أنهما بلا مأوى وليسا من الرحّالة فقط، فتتوقف عند الكثير من المشاهد والحكايات الحقيقية التي دفعتها في النهاية الى عدم إخبار الناس بحقيقة وضعها أو الظروف التي أجبرتها هي وزوجها الى هذه الحياة في مثل عمريهما. ذلك أنّ مواقف معظم الناس الذين التقتهم تبدلت تماماً من نظرة اعجاب بعجوزين نغامرين يقومان برحلة طويلة على درب الملح إلى مجرّد نكرة يحاولون تحاشيهما وإبعاد أطفالهم عنهما خوفًا منهما.

وعلى الجانب الاجتماعي تكشف الرواية عن غياب الحاضنة الاجتماعية في الغرب التي يمكنها أن تقلل من وقع المأساة على العجوزين، بل على العكس، عملت على تعميقها. إضافة الى رصد المواقف الإنسانية داخل المجتمع، انطلاقاً من صديق الزوج الذي سرق منزلهما، مرورًا بصديقة الزوجة التي منحتهما سقفًا ليبقيا فيه إلى الأبد مقابل أن ينجزا أعمالاً معينة لها، لتطلب منهما من ثمّ المغادرة عقب إنهاء الأعمال التي أرادتهم من أجلها.

ورغم كل هذه المآسي التي يتعرض لها الزوجان فإنهما يتلقيان بأشخاص لطفاء خلال رحلتهم، كالذي دعاهما لحضور عرض مسرحي أقيم في الفضاءات المكشوفة، أو النادل الشاب الذي منحهما طعامًا مجانيًا من دون أن يطلبا منه ذلك، أو نادلة أخرى رحبت بهما واعتبرت رحلتهما قدوة وأخبرتهما أن صديقتها تتمنى أن تفعل مثلهما غير أنها فقيرة لا تملك المال للقيام بهكذا مخاطرة، وتتصل بصديقتها التي تأتي لاهثة كي ترى العجوزين اللذين قاما بهذه الرحلة وتتخذهما قدوة في هذا الأمر.

تسرد الرواية أدق التفاصيل حول الحياة التي عاشها البطلان في العراء وكيف تبدلت رؤيتهما الى العالم بعد المآسي التي عرفاها والتجارب القاسية التي خاضاها على كبر، لتتحوّل من ثمّ الى طاقة أمل تمدّهم بالإصرار من أجل بناء الحياة التي تهدمت. يعود الزوج الى الدراسة في الجامعة، فيما تكتشف الزوجة في نفسها القدرة على الكتابة عن الترحال وعن الطبيعة.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.