28-01-2021 | 18:07

رواية "العائلة الكبيرة"... فضيحة الموسم في باريس

ي روايتها الصادرة حديثاً عن (دار لوسوي) بعنوان la familia grande "العائلة الكبيرة"، ​وحققت مبيعا قياسيا في وقت وجيز، لدرجة أنها أزاحت شهرة رواية الغونكور لهذا العام من موقعها؛ تحكي كميل كوشنر، توثق أن أخاها التوأم تعرّض لاغتصاب متكرر من طرف زوج أمه وهو في سن الثالثة عشر، فهو ابنه بالتبني. في نهاية الثمانينات لما كانت العائلة في هرج ومرج من أمرها في مصيف الساحل الأزرق، وتضيف أن أمها بيزيي، حين علمت بالأمر، تكتمت على الخبر حفاظا على زوجها وظلت تدافع عنه إلى أن لفظت أنفاسها في العام 2017، هي التي وقعت قبل ذلك في الإدمان على الكحول حزناً على حادث انتحار أمها.
رواية "العائلة الكبيرة"... فضيحة الموسم في باريس
Smaller Bigger
                                                                                    

زيادة على الصقيع الشتوي، وحجر كورونا، والتخبط في التعامل مع الإسلام، ومعضلة طيّ جراح الماضي الاستعماري للجزائر، هي قشعريرة أخرى تسري في أوصال فرنسا لتهزّها على عديد مستويات، أكاديمية ونخبوية وشعبية في العمق الاجتماعي، وأخيرا تشريعية.

ويأتي الأدب ليقوم بالتركيب صانعاً المرآة الجامعة بواسطة رواية تشهر الفضيحة لينظر المجتمع كلّه إلى المرآة فيرى وجهه البشع، تُخفيه مساحيق الرياء والتواطؤ حول جريمة مسكوت عنها وتقترف مذ دائما، هي "زنا المحارم".

هذا المقال يقرأ الحدث والمسكوت عنه في الصميم، ليس فرنسيا وحده بل في كل المجتمعات ومنها العربية الإسلامية والمدان في كل الأديان، واليوم ها الرواية والمؤسسة يتقاطعان لاختراق "التابو" بجرأة وأوجاع. 

 

تابوهات أدبية 

من مميزات الحياة الفرنسية، أنها تختص وجوبا بمواسم، منها السياسي وهو دائم، والنقابي النضالي وهو متقطع، والثقافي الأدبي موزع على فترتين في السنة، كذلك (تنزيلات) الأسعار. غير أن هنالك موسما أو أكثر للفضائح، لا يمرّ عام في فرنسا بدونها، كأنها ملح طعام زمنها، وهي لها نظام ونسق ولحن وأوركسترا، وبالطبع بداية وإن النهاية غير مؤكدة تبقى عائمة.

 

آخرها رواية "العائلة الكبيرة"، هذه التي أرتفع دخانها خيوطا متموّجة منذ شهر من المبنى التاريخي لمدرسة العلوم السياسية العتيدة في 27 زقاق سان غيوم في حي سان جرمان الباريسي الشهير بدخن خفيف ونصف رائحة لم يشمها إلا أقرب المقربين إلى مصدر اندلاعها، البروفيسور أولفييه دوهاميل، أستاذ القانون الدستوري بالمدرسة، ورئيس الهيأة الوطنية للعلوم السياسية ( FNSP)، وأحد وجوه الإعلام الفاقعة والميكروكوزم السياسي لعاصمة الأنوار أبّاً عن جد.

 

 لم يحس بالنار تشتعل بين قدميه إلا حين اتجهت الصحافة مباشرة تسائل مدير المؤسسة الجامعية الرفيعة التي درس فيها وتخرج منها رجالات دولة كبار أبرزهم اليوم الرئيس إمانويل ماكرون.

 

غلاف الرواية

 

فضيحة أخلاقية

في الحقيقة تتهمه بالتستر على فضيحة أخلاقية مقترفها نجم ساطع في مدرسة هو المسؤول الأول عنها ورائحتها اليوم فاحت حتى لا مزيد. عنوا ببساطة التهمة اللصيقة بالأستاذ أوليفي دوهاميل بإقدامه على معاشرة جنسية لابن زوجته الأستاذة في المدرسة نفسها، أيفلين بيزيي، من زواج قبْلي مع برنار كوشنر، الطبيب والوزير السابق في العهد الاشتراكي ثم خلال حكم نيكولا سركوزي، وصاحبة سيرة مثيرة هي "وأختها ماري فرانس" ضمن حلقات العشاق والمعجبين من مشاهير الوسط الأدبي والسينمائي والأكاديمي الباريسي.

 

 وللقصة الطويلة متشعبة الحلقات بدايات ترجع إلى نهاية الثمانينات في وسط مشبع باللذات والعلاقات شبه الإباحية بين ذكور وإناث، سادة من كبار السياسة والمال والأعمال يلتقون كل صيف في دارة فارهة في منطقة "الفار" في "الكوت دازور"، ورثها أوليفيي عن أبيه جاك دوهاميل، الوزير في عهد الرئيس جورج بومبيدو، يقضون أوقاتا ممتعة حيث طيب العيش متاح؛ أو في شقة فخمة له بالدائرة السادسة عشر بباريس تلتقي نفيها نخبة من النافذين مقربين من مراكز الحكم وصناع لها أيضا، وبطلها يحبك الخيوط ويفكها، وأخرون من العالم الموصوف قديما بالمخملي ومن يسار الحزب الاشتراكي وبقايا حركة 1968 يعيشون حياة مليئة بالمفارقات، هم نجوم تلاحقهم الأضواء ويصنعون بدورهم النجوم. هذه النخبة التي أصبحت توصف ب" يسار الكافيار".

 

في هذا المناخ عاش أوليفيي دوهاميل الذي عكفت كميل كوشنر على سيرته تستعرض فصولها وتزيح الستار عن أقوى وأهول فصل فيها الذي ألهب النار في حطب مدرسة العلوم السياسية، فصعد دخان الفضيحة كثيفا أسود غطّى سان جرمان وحيّزا كبيرا من سماء باريس وبناياتها الرسمية وشبهها حيث التكتم عادة على أخطر الأسرار، مزاحما متاعب الكوفيد ومقتطعا من عناوين الصحافة ونشرات الأخبار أعمدة طويلة وجدلا لما ينته بعد. جدل الفضيحة، متعددة الأبعاد، أخلاقية، واجتماعية وقانونية وإنسانية، ستصل بها إلى الذروة رواية، فتأخد بُعدا إضافيا هو الإناء الذي يغلي الآن أشدّ الغليان وتمرّره كرة حامية يدٌ إلى يد حتى مجلس الشيوخ، ليصبح قضية قانونية تحتاج إلى حسم المشرّع بعد أن بدأت مجرد سر عائلي صغير.

 

أسرار عائلية

في روايتها الصادرة حديثاً عن (دار لوسوي) بعنوان la familia grande  "العائلة الكبيرة"،  وحققت مبيعا قياسيا في وقت وجيز، لدرجة أنها أزاحت شهرة رواية الغونكور لهذا العام من موقعها؛ تحكي كميل كوشنر، توثق أن أخاها التوأم تعرّض لاغتصاب متكرر من طرف زوج أمه وهو في سن الثالثة عشر، فهو ابنه بالتبني.

 في نهاية الثمانينات لما كانت العائلة في هرج ومرج من أمرها في مصيف الساحل الأزرق، وتضيف أن أمها بيزيي، حين علمت بالأمر، تكتمت على الخبر حفاظا على زوجها وظلت تدافع عنه إلى أن لفظت أنفاسها في العام 2017، هي التي وقعت قبل ذلك في الإدمان على الكحول حزناً على حادث انتحار أمها.

 

 قبل ذلك كان الأخر التوأم الذي تعطيه اسما مستعار قد باح لأخته بالسرّ الذي عذبه طويلا. لم يكن سرا حقا لوجود عصبة تعلم به، كأنها معتادة على هذه العلاقات، وإذ انفجرت القنبلة أخيراً في وجه المعنيِّ بالأمر، لم يكابر أو يكذّبها بتاتا باعتبارها من باب الشيء المعلوم المتكتم عليه. وكل ما تغير أنها نزلت إلى الساحة العامة واكتسبت وسم فضيحة الموسم ففاحت "ريحتها" بالتعبير اللبناني، وأصبحت حديث المجالس، معها السيدة كميل كوشنر تدلي بالتصريحات وتحلّ ضيفا على بلاتوهات القنوات وهي في كامل قيافتها، ثابتة الجنان كأنها تقدم "منتوجاً" جيدا للاستهلاك.

 

كوشنير في برنامج "المكتبة الكبيرة"

 

منتج ثقافي

 كذلك ظهرت في البرنامج الأدبي الوحيد اليوم في التلفزيون الفرنسي "مساء الأربعاء" بما يفيد شكلا أن كتابها (رواية) يدخل في دائرة الأدب، بينما بحسب مؤلفته والإفادات المجموعة فيه والمنتشرة بلا اعتراض هو وقائع وعناصر لا يرقى إليها الشك.

 باختصار إنه شهادة بلغة مقروءة وأسلوب مستساغ وما ينقصه ليندرج في حقل الرواية من النوع البيوغرافي، والتخييل الذاتي، أيضا، بما أن الكاتبة أفصحت عن أناها في كتابها، إلا قناع اسم آخر، (ما أعطته لبطلها) ولم يكن هذا غرضها بالضرورة، لأنها في الأصل كتبت صك اتهام مباشر ضد زوج أمها الذي مارس الفحش عابثا ببراءة أخيها التوأم في سنه ذاك، ولم يراع حرمة قط.

 

بل تتهم نفسها أيضا لصمتها الطويل قبل أن تنتقل إلى الكتابة، وهي شهادة عن وضد وسط ترسم سلوكه ومواضعاتِه المستخفة بالأعراف السائدة والأخلاق الاجتماعية، إن لم يشاطرها ضمناً، وهي من قبيل المسكوت عنه غير المباح.

وقد يصل تهتّك هذا الوسط إلى الحد الذي يسخر من فتاة تحافظ على عذريتها وهي في الثالثة عشرة. وليست كوشنر أول من اتخذ الرواية متنفسا وأداة لسرد المعاناة وعرضها مع ما يسمى اصطلاحا وشرعا واجتماعيا ب"زنا المحارم" (l’inceste)، فقد سبقتها من تعد رائدة في هذا اللون من الكتابة والنوع السردي للتخييل الذاتي، كريستين أنغو التي بدأت منذ 1999 (تاريخ صدور أولى رواياتها) بالاصطلاح ذاته، وهي تترنح في دوامة علاقتها بابيها أو معاشرته لها في صغرها، مرورا ب" أسبوع عطلة"(2012) و"حب مستحيل" (2015) حتى بات محكيّها هذا رأسمالها الأدبي وعلما عليها بامتياز.

 

 ليس ذلك عبثا ولا هوساً، وإنما تجربة حرجة للشخص مع ذاته، وفي إطار اجتماعي وبالعلاقة مع المنظومة الأخلاقية والدينية لمجتمع معين، كيف إذا علمنا وبإحصاء موثوق أن واحدا من عشرة في فرنسا أعلن أو اعترف أو اشتكى وباح بانه كان عرضة لفعل زنا المحارم.

 

قضية رأي عام

وقد تحوّلت قضية سفاح القربى اليوم، في الساحة العمومية الفرنسية، إلى قضية قانونية، رغم أن (المتهم) الرئيس فيها (أوليفيي دوهاميل) ليس مهددا جدا بالمتابعة نظرا لتقادم (النازلة) وإن كان قد خسر ما تبقى من مواقعه الجامعية الباقية بعد تقاعده سابقا من المدرسة العتيدة، وتحول إلى شاة جرباء وقد انهالت عليه ضربات التشهير وتسويد السمعة من إعلام هذا ديدنه كلما سقطت ضحية في الساحة العمومية.

بسبب التقادم الذي ينجم عنه الإفلات من العقاب يحدده القانون الفرنسي بثلاثين عاما بعد ارتكاب الجنحة أو الفعل المشين، وبعد شبه رواية لأخي الضحية أفصحت بعد طول عن المرذول، ولتشفي تأنيب الضمير، كم هي الضمائر الشقية من وراء هذه القضية، انتقلت إلى صعيد أعلى سلطة تشريعية (مجلس الشيوخ) لينظر فيها من زاوية الضحية الذي يمارَس عليه هذا ال( الزنا)، وليدرس مفهوم- ووضع- العلاقات الرضائية وحدودها العمرية.

 

 هل هي سن البلوغ أم الخامسة عشر، أم دونها إلى حدود الثالثة عشر، باعتبار الأمر يتعلق بالحرية الفردية التي لا ينبغي المس بها، وفي الوقت متى يبدأ الوعي بهذه الحرية وتجنيب الفرد الأخطار.

 

 وكذلك هل يمكن الاستمرار في تحديد فترة التقادم أم إلغاؤها كليا، إشكالية يتناولها الإعلام بخفةـ بينما يعالجها المشرّع بحذر شديد لحساسيتها المفرطة. وإدراك المشرّعين ممثلي الأمة أنهم في منزلة بين المنزلتين، القانوني حدوده صارمة، والاجتماعي الخلقي الفردي متململة الخفي منها أكثر من الظاهر، والحدود بين المسموح والممنوع ليست بخط أحمر، ومن مهمة المشرّع الحرص على شعرة معاوية. شعرة قطعها الرئيس ماكرون بنفسه كأنما ليحرض شيوخ قصر اللوكسمبروغ على أقسى العقوبات بنشره تغريدة ذات نبرة خلقية لوعيه بمبدأ فصل السلطات جاءت بمثابة صرخة استنكار: "الحشمة تغير موقعها واللسان يتحرر اليوم في فرنسا، وها الصمت الذي بناه المجرمون والجبن المتراكم ينفجر أخيرا وذلك بفضل "شجاعة أخت" إحالة إلى رواية كوشنر على المجرمين ان يدفعوا الثمن مهما تقادم الزمن".

                                                                                        

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 6/15/2026 7:58:00 AM
إعلام عبري: نتنياهو لن يلتزم بالاتفاق الأميركي - الإيراني في لبنان
رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض